تأسيس قاعدة هيركي وأول عملية انصارية - 5 / فارس فارس

تأسيس قاعدة هيركي وأول عملية انصارية - 5 / فارس فارس

الحلقة الخامسة

تأسيس قاعدة هيركي 28/7/1980

واول عملية انصارية مشتركة في قضاء العمادية ناحية ديرلوك 23/08/1980م.

 وصلنا نقطة التجمع وهو المكان الذي تنطلق منه المجاميع لتنفيذ العملية وترجع اليه بعد انتهاء العملية وعادةً يكون غير معرض للنيران المباشرة للعدو وقريب قدر المستطاع وفيه اشجار او احجار للتمويه, انطلقت مجموعة الاسناد مع رشاش البرن والعريف رشيد, ثم انطلقت مجموعة اقتحام بيت مسؤول الجحوش, ثم انطلقت مجموعتنا للهجوم على مقر البعث الفاشي, كنا حوالي 15 مقاتل, كان علينا ان نعبر روبار صبنة وهو نهير يصب في نهر الزاب الكبير, وكان في هذا المكان عريض وعميق لحد صدر الانسان, لكن جريان مياهه كانت هادئة نسبيا.

استغرق عبورنا اكثر من نصف ساعة حيث تطلب ذلك نزع النطاق مع القابوريات والقنابل اليدوية والعليجة والبندقية ورفعها فوق الراس لعدم تبللها اثناء العبور, البعض نزع الاحذية كذلك, للحفاظ عليها من التمزق لاحقا, مع نفسي اعتذرت من الشهيد الخالد سليم اداري الفصيل حيث اعطاني حذائه وعبرت به الماء دون نزعه, لأنه كنت البس حذاء سمسون المصنوع من المطاط والمشهور بين الانصار قبل هذه المهمة!, بعد تمزق حذائي الذي عبرت به الحدود التركية الى مقر القاطع, كما زودني بقنبلة يدوية دفاعية وهجومية وكذلك اعطاني سلاحه الكلاشن نص اخمص, لأني كنت احمل اصلا, قاذف B2 وبندقية ماو تلقم بعشر اطلاقات فقط وتستخدم للقنص, وبالحقيقة ان اغلب الانصار بالمفرزة لم يرغبوا بحمل بندقية الماو والـ B2 قبل توجهنا الى القاعدة فأبديت استعدادي لحملهما تلافيا للمشاكل ونحن في اول مهمة لنا!, كما اعطاني الشهيد الخالد سليم وحسب طلبي عرقجين وجمداني اسود ابيض (يشماغ) جديدين حسب ما يعتمره ابناء هذه المنطقة, الا انه لم يستطع توفير بدلة جديدة بدل البدلة القديمة التي كنت اسعى لاستبدالها بمناسبة الخروج بهذه المهمة!.

بعد عبورنا روبار صبنة, سرنا بسفح غير حاد مكشوف ليس فيه اشجار او احجار كبيرة, اشار الرفيق صبري بأصبعه الى الربيئة العسكرية المشرفة على هذا السفح!!!, وكأنه يقول ألست على حق عندما طلبت ضرورة مشاغلتها اثناء الانسحاب!!!, المسافة من الروبار الى نهاية السفح نحو 300 الى 400متر, انبطحنا جميعا على خط نهاية السفح, اشار مسؤول مجموعة الهجوم لـ حدك للرفيق صبري مسؤول مجموعتنا الى موقع بناية منظمة البعث, بناية ضخمة وبيضاء!, من الخط الذي كنا فيه تبدو الارض مستوية لا تحوي اشجار او احجار وتوجد على مسافة 50 الى 100 متر, ساقية صغيرة وبعد الساقية بـ 150 الى 200 متر توجد احجار كبيرة وبعض الاحراش وعلى بعد 100 الى 150 متر من هذه الاحجار والاحراش تقع بناية منظمة البعث الفاشي.

كان المطلوب اولا ان ننتقل من نهاية السفح الذي كنا فيه الى الساقية, بعد ذلك من الساقية الى منطقة الاحجار الكبيرة والاحراش ومن هناك ينطلق الهجوم نحو بناية المنظمة, كنت اتخيل في تلك اللحظات ان يكون قاذف الـ RBG2 معي, حيث كان سيحسم الموقف من على بعد 100 متر تكون اصابته مضمونة, حيث اطلق ثلاث قذائف مدوية وهي مشهورة بشدة انفجارها رغم صغر حجمها, في بيروت بمعسكر الناعمة تحديدا التابع للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تدربنا مجموعة من الرفاق (دورة الشهيد سلام عادل) على هذا القاذف ومعه على القاذف RBG7 وكذلك على المدفع عديم الارتداد B10 وكانت اصاباتي للهدف جيدة, تدربنا ايضا على الكلاشن ورشاش العفاروف ومدفع هاون 60 ملم و 81 ملم والقنابل اليدوية وبعض الالغام والمتفجرات والمسدس توكاريف والرشاش دكتريوف والدوشكا والقناص للدروع 14,5 ملم الغريب, واستكملت التخيل بوجود الرفيق ابو ادراك ورشاش العفاروف الذي يحمله ولا يعطيه لاحد رغم ثقله وخاصة مع الصينية (المخزن الدائري) الذي يأخذ خمسون اطلاقة وينتظر اللحظة التي يستخدمه بها بفارغ الصبر وكان سيغير مجرى المعركة كما تخيلت!!.

سأل الرفيق صبري مسؤول مجموعة حدك حول تأكده من عدم وجود الغام في المسافة المتبقية؟ ترجم الرفيق الفقيد هشام يزيدي السؤال فكان الجواب نعم متأكد حيث الاغنام في النهار تسرح وتمرح في هذه المنطقة, وقال حان وقت التقدم الى الساقية وقبل ان يؤشر للجميع للتوجه للساقية اوقفه الرفيق صبري بان يذهب الى الساقية اثنين وخلفهم اثنين وهكذا ويفضل زحفا! اقتنع بالأولى ولم يقتنع بالثانية! فأشار الى شابين للذهاب الى الساقية! ما ان خطو حوالي عشيرين خطوة, فتحت عليهم النار فسقط الشاب الاول وبعد لحظات تراجع الثاني زحفا, وهو مصاب اصابة خفيفة وقال زبير استشهد!, فجميع الاطلاقات الاولى اخترقت جسده وبعدها جاءت المعلومات ان عددها تسعة اطلاقات, تم الرد على مصادر اطلاق النار الذي اصبح كثيفا جدا من على امتداد الساقية (يبدو انه اختير كموقع كمين للمجموعة المهاجمة) ومن سطح بناية المنظمة, بحيث لم يتح المجال لإعطاء امر بسحب جثة الشهيد وكان عمليا لا يمكن ذلك, خاصة ان الربيئة المشرفة اطلقت قنابل تنوير حولت المنطقة الى ما يشبه النهار!.

بدأت الربيئة المشرفة بأطلاق نيران مكثفة علينا حيث لا يوجد من يشاغلها, والرؤية لها واضحة مع قنابل التنوير ومنطقة انسحابنا لحد الروبار مكشوفة وعارية, انسحب الجميع بأسرع ما يمكن ومعهم ثلاثتنا جنب الى جنب, في منتصف الطريق بين نهاية السفح والروبار ومع النيران المكثفة التي تأتينا من كل حدب وصوب, لاحظت الرفيق الفقيد هشام يزيدي قد توقف, رجعت اليه وقد انبطحنا على الارض, ماذا حدث هل جرحت؟ قال كلا!, لماذا توقفت؟ قال الجمداني! ما به الجمداني؟ قال سقط من على راسي! قلت وليسقط وماذا في ذلك, والرصاص كان ينهمر واصوات سرعته وارتطامه بالأرض حولنا نسمعه! نظرنا للأعلى راينا الجمداني على بعد تقريبا عشرين متر واضح وكانه ينادي صاحبه! قلت له كلا كلا يا هشام! من المستحيل ادعك تذهب اليه قد يسبب ذلك في موتك! وانا لا اسمح بذلك! سأعطيك الجمداني والعرقجين الجديدين لك وامري الى الله! هز بيديه وراسه كعادته وقال لي انت لا تفهم يا رفيق!!, وانطلاقنا نحو الروبار حيث الرفيق صبري بانتظارنا عبرنا النهير سوية واتجهنا الى نقطة التجمع وقبل الوصول اليها التقينا بمجموعة الهجوم على بيت رئيس الجحوش, حيث اكتشفوا وجود كمين حول بيته, فقرروا الانسحاب...الخ.

 في نقطة التجمع المتفق عليها ادركنا جميعا المفارقة التي حصلت, حيث عبرنا روبار صبنه قبل العملية بوقت تجاوز النصف ساعة ولكن عبوره اثناء الانسحاب استغرق دقائق لا تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة, والمفارقة الثانية لم نسمع ولا اطلاقة واحدة من مجموعة الاسناد رشاش البرن, حيث يبدو نتيجة عدم استطلاع الموقع مسبقا, اختاروا المكان الخطأ ووجهوا السلاح بالاتجاه المعاكس ولم يشاهدوا اي شيء مما حصل! كانت هذه المفارقتين وجمداني الرفيق الفقيد هشام يزيدي مدعاة للضحك والمزح, الا ان ثقل المصاب بفقدان واستشهاد البشمركة البطل وصاحب الاخلاق العالية والمؤدب والجميل زبير! كبيرا على الجميع وخاصة نحن الثلاثة. يتبع