رواية توفيق الختاري عن الأنفال ..5 / صباح كنجي

رواية توفيق الختاري عن الأنفال ..5 / صباح كنجي

أما علي حاول ـ جمال مراني ..  فقد اعتمد على نفسه وقدم مقترحاً وتعهد بإمكانية فتح طريق ومنفذ آخر.. دون الاعتماد على محطة خليل.. للخروج إلى سوريا.. بحكم علاقاته الاجتماعية وليس الحزبية، أي انه سيعتمد على ناس غير سياسيين يثق بهم ويعرفهم عن قرب، التقينا به أنا وأبو سربست .. شجعناه ودعمنا مقترحه .. توجه إلى منطقة خانك وحده.. وبدأ يتحرك ويتصل بالناس، وتمكن من اللقاء بأخيه المعوق خضر.. الذي كان هو الآخر في مراني.. وسلم نفسه مع العوائل.. إذ كان معوقاً بسبب بتر رجله وتمكن من النفاذ من طوق الموت في الموصل حيث ساعده على الهروب احد العاملين في المستشفى من المناهضين للنظام تبين لاحقاً أنه شيوعي غير معروف.

استطاع علي مع خضر من الوصول إلى سنجار، ذهب إلى بيت شيخه الإيزيدي في مجمع خانصور لكنه تفاجأ بموقفه السيئ حينما بدأ الشيخ يتحدث بصوت عال ليسمعه الجيران.. انه يعلن رفضه مساعدتهم للعبور إلى سوريا.. وأخذت زوجته تصيح وتولول من فوق السطح .. هل نحنُ مهربين وقجغجية؟! .. مما اضطره للهروب والخروج من المجمع حسبما روى لنا.. ( لكن خضر استوقفني وقال:

ـ كان معي في المستشفى معوقاً من سنجار في فترة الحرب .. وقد ساعدته ومن الممكن أن يرد الجميل ويقدم لنا المساعدة في العبور وتجاوز الحدود.. فعدنا ودخلنا المجمع من جديد .. استفسرنا عن الشخص وعند وصولنا لداره تفاجأ ووجل من حضورنا.. أستنتج اننا نواجه حالة خطرة.. في الحال بالرغم من وجود شخصين لا نعرفهم معه.. استفسر ما الأمر؟ وسأل عن ابن شقيقي عيدو الذي كان يساعده أثناء وجوده في المستشفى فترة العلاج .. قال له خضر:

ـ اعتقل في الأنفال..

ـ والبقية من أفراد عائلتك؟ استفسر مستعلماً..

أجابه خضر:

ـ الجميع اعتقلوا في الأنفال..

ـ و من هذا الذي معك ؟..

ـ هذا شقيقي علي ..

أدرك أن الأمر في غاية الخطورة بحكم معرفته بتواجدي في صفوف الأنصار الشيوعيين .. نادَ زوجته فوراً .. افردي لهم في كوخ الغنم مكاناً للجلوس و الاختفاء .. أدرك إننا لجأنا له للنجدة والعبور إلى سوريا، وأبدى استعداده التام لإخفائنا ومساعدتنا.. بعد يومين جاء بحمار ليمتطيه خضر مع قطيع من الغنم للتغطية على تحركنا عصر ذلك اليوم الذي تمكنا فيه من العبور إلى سوريا مع حلول الظلام ) .

استغرق اختفاء علي حاول عنا ما يقارب الأسبوع.. بعد عودته تحدث لنا عما جرى معه .. كنا قلقين عليه .. لكنه أكد أن خضر وصل بسلام إلى القامشلي .. وبالرغم من توجس أبو سالار من نشاط علي وعدم ثقته بإمكانية استخدام الطريق اعتماداً على الناس الذين يعرفهم فقد.. أرسلنا في وجبة لاحقة آشتي وشوكت.. إلا أن شوكت اختلف مع علي وعاد .. في الوقت الذي عبر آشتي هو الآخر ووصل إلى القامشلي بسلام .

اعتمد أبو أمجد على نفسه.. غادر مع أم أمجد وابنتهم والنصيرة كنار زوجة دكتور باسل.. بعد أن ارتدائهن ملابس خاصة بالنساء الإيزيديات.. وتوجهوا إلى محطة خليل في سنجار .. كان مرورهم سهلا ولم يتعرضوا لمشاكل ..

توجه عدد من الأنصار الشباب حسب طلبهم إلى بغداد للاختفاء والعمل واذكر منهم ماجد القوش وكتب عنه الراحل أبو جوزيف بعض التفاصيل حيث علمنا فيما بعد أنهم  سلموا أنفسهم إلى السلطات..

أما أبو سربست، الذي كان مطلعاً على معاناتنا من جراء عدم إعلامنا في الوقت المناسب، عن وصول المجاميع حسب الاتفاق معهم، بما فيهم أبو سالار.. الذي غادرنا بتلك الطريقة التي تحدثت عنها، وما كان يسببه عدم إشعارنا بسلامة الوصول من إشكالات وحالة قلق خلقت توتراً وشكاً عرقلت بعض الشيء وصول الآخرين.

وفي إحداها كادت أن تؤدي إلى التخلص من السائق.. حيث كنا اتفقنا مع أبو سربست أن يعلمنا من خلال كلمة سر عن وصوله بسلام.. وهي كتابة نعم في زاوية من دفتر خدمته الذي خرج به، وفي حالة عدم إرجاع دفتر الخدمة مع السائق سنكون مقتنعين بأنهم قد تعرضوا للسوء، كي نعرف كيف نتصرف بعدهم.. كنا قد قررنا في حالة عدم وصول الدفتر إلينا آن نتخلص من السائق.

وللأسف وأقولها مرة ثانية عبرَ أبو سربست والذين معه.. ولم يلتزم باتفاقنا ولم يرسل لنا دفتر الخدمة.. بحجة سرعة عودة السائق.. ومن حسن حظنا وحظ السائق البطل.. عدم مجيئه للموعد المحدد .. إذ كان من المحتمل تصفيته .

هذه الأخطاء.. من قبل كوادر قياديين.. ذوي خبرة تمرسوا وعملوا في مختلف المجالات والميادين.. وفي ظل وضع معقد وخطر للغاية.. مثل وضعنا الذي مررنا به.. وهم يدركون تفاصيله.. غير مقبولة.. ولا يمكن تبريرها..

حيث خلق لنا هذا الموقف صعوبات جديدة.. وانقطعنا عن المحطة ..بحكم اتصال كل من أبو سربست وكه سر بعائد.. اللذان غادرا أيضا.. وبقينا حائرين لا نعرف كيف نتصل به، وكنا آخر اثنين في كند ختارة مع وجود رفيقين فقط هما سعيد وهيثم من تللسقف في كند دوغات..

وواجهنا صعوبات جدية في تعامل أقربائنا من جراء خوفهم.. خاصة بعد أن بدأت ملامح المراقبة من قبل عملاء النظام.. الذين كانوا يترددون إلى الكند بحجة الصيد.. لكنهم في الحقيقة.. كانوا يسعون لمعرفة شيء عن وجود نشاط وحركة للأنصار المختفين والناجين من الأنفال .. وشكل هذا تحدياً كبيراً لنا مما جعلنا نتجنب الأماكن والملاجئ.. التي كنا نتخفى فيها سابقاً ونذهب في الليل للنوم في العراء  والأماكن المكشوفة بين الشقوق والوديان.. بعد أن أدركنا فعلا أن الأماكن القديمة.. تشكل خطورة علينا .. وتعرضنا لحالات ومواقف صعبة للغاية ..حيث كنا نلجأ إلى أماكن يتجمع فيها الشوك على شكل كرات كبيرة ونجعلها غطاءً لنا، لكننا كنا نتحسب لأمر في غاية الخطورة.. وهو قدوم احد الرعاة أو أي عابر بالصدفة.. ممن يلجئون لحرق الأشواك المتراكمة التي كانت تلتهب كالبنزين، وفي مرة ونحن متخفين بين كتلة شوك.. اقترب منا راعي أبقار وتقدم كثيراً منا.. كنا ندرك انه عم مروان سلو الشيخ خدر الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة وكان ذلك في العاشرة صباحاً.

وفي مرة ثانية في الدشت بين ختارة و تللسقف في وادي فيه القصب / البردي ليلا  هطل علينا المطر واضطررنا للنهوض والسير نحو ملجأ آمن .. لكن تبين لنا بعد مسير ساعة إننا نسير باتجاه الجنوب نحو تلكيف وقد تجاوزنا تللسقف.. انتبه أبو داود، فأخذنا بالعودة مسرعين، عدنا لنفس المكان وبقينا بين القصب نتحمل البرد القاتل.. بعد أن تبللت ملابسنا إلى المساء .. مع ذلك كنا نضحك من حالنا وقلنا لو مشينا في الاتجاه ولم ننتبه في لحظتها.. لكنا قد وقعنا في فخ الاعتقال.. وسيقول الناس هؤلاء لم يعتقلوا بل سلموا أنفسهم.. كانت لحظات من السخرية ترافق تلك المأساة.. التي حلت بنا في محنة الأنفال التي امتدت وتواصلت إلى ذلك اليوم وما بعده.

فكرنا بالمثلث الحدودي في الفيشخابور وإمكانية العبور منه رغم الخطورة وتواجد الجيش فيه، كما فكرنا بمدى إمكانية الاستفادة من معلومات وعلاقات أبو داود بتنظيمات سنجار السابقة.. من باب الاحتياط.. وأرسلنا من يستطلع لنا الطريق في مدخل كلي زاخو.. لمعرفة مدى إمكانية المرور منها، لكن الاستطلاع أكد وجود سلسلة ربايا مع كثافة تواجد القوات العسكرية لذلك استبعدنا هذا الطريق.

بقينا في الكند لمنتصف أكتوبر لحين عودة خليل إلينا من سنجار .. بالصدفة التقينا في الكند أثناء دخوله إلى المخبأ الذي كنا فيه في تلك الليلة .. قال: جئت من أجلكم .. نحن قلقون عليكم لماذا لم تأتوا بعد الآخرين؟ .. أوضحنا له إننا انقطعنا عن السائق.. ولا توجد صلة لنا بأحد بعد مغادرة الجميع .. قال: ماذا ستفعلون؟.. كنا قلقين ومتوجسين مما جرى سابقاً.. ولا نعرف حقيقة الأمر وماذا حدث وبقينا في حالة من الحذر وأعطانا خليل معلومة عن موعد محدد بعد أيام مع الآتين من القامشلي للعبور معهم، وان كنا نرغب في إيصال شيء أو معلومة أو المجيء إلى سنجار في نفس الموعد .. قلنا له لن نأتي من هذا الطريق وقل للرفاق في القامشلي ليأتوا إلى معبر الفيشخابور لاستقبالنا وسوف نعتمد على أنفسنا لتجاوز الحدود .. وفي اليوم التالي غادرنا أبو خدر ..

دققنا فيما نقله وقررنا أن نستثمر المعلومة للعبور في ذات اليوم الموعود ..دون أن يعلم أحدا بنوايانا بما فيها رفاقنا في خطوط التنظيم.. واخترتُ فرحان احد المتصلين بي بشكل فردي لكي يرتب لنا صديق ليس شيوعياً لإيصالنا.. وشَخّصَ ( ملحم محو ) وكان حينها رئيس عرفاء في سيطرة كركوك وبإمكانه أن يساعدنا ويمررنا من السيطرات بوثائق عسكرية رسمية.

اتفقنا على اللقاء به .. كان صديقاً لي.. لم اتقي به منذ 8 سنوات.. فرح برؤيتي رغم المخاطر وأعلن استعداده لإيصالنا إلى سنجار.. طلب تهيئة ملابس عسكرية وأكد أنه سيجلب لنا معه إجازات رسمية لأخر يوم منتهية، وعند الاستفسار في السيطرات يجب أن نقول: نحن عائدون لوحداتنا العسكرية في معسكر سنجار، ومن باب الاحتياط قال: انتم معروفين وتمرون بظروف خطرة ومن المحتمل أن يجري تشخيصكم من قبل السيطرات أو المتعاونين مع النظام وحينها سنموت جميعاً .. لذلك اقترح أن تجلبوا معكم مسدسات، وجلب هو الآخر قطعة سلاح .. اتفقنا على الحركة والانطلاق في الرابعة فجراً .. حضر فرحان مع ملحم لمرافقتنا لكني طلبت منه أن يبقى من باب الاحتياط ، لكنه أصرّ على المجيء ورافقنا هو الآخر .

 كنا في منظر مضحك .. خاصة أبو داود الذي يرتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته.. كان يشبه وضع الفنان القدير إسماعيل ياسين في مظهره وارتدائه للبيرية وبقية المستلزمات العسكرية .. عند مرورنا من الموصل تناولنا وجبة فطور في أحد المطاعم .. لم تصادفنا مشاكل في السيطرات.. كان الجنود يستقبلوننا باحترام ويؤدون التحية لـ ملحم ..

لم نتوقف إلا عند الدار التي يسكنها خليل.. التي كان يعرفها أبو داود. عاد ملحم مع فرحان، بينما أسرعنا نحن في الدخول إلى محطة خليل ومسكنه.. دخلنا بهيئة عسكرية على شقيقه وزوجته فارتابوا ووجلوا .. قلنا لهم لا تخافوا نحن رفاق خليل أنا أبو داود.. فهدئوا وأبلغوا خليل الذي تفاجأ هو الآخر .. كان ذلك بتاريخ 22/10/1988 .. بقينا ذلك اليوم ننتظر مجيء رفيقين من القامشلي سردار دهوكي وحكمت توما توماس.. الذين لم يحضروا في الموعد الأول.. وجاءا في اليوم التالي للموعد الاحتياط .. عبرنا سوية الحدود السورية العراقية ليلة 23/24 أكتوبر .. كان المتبقين نصيرين (سعيد دوغاتي وهيثم)  يعرفان الطريق إلى المحطة .. 

يستذكر الختاري المزيد من الأحداث عن تلك الأيام القاسية عبر هذه الصفحات.. ويستعيد من محنتها بعض الوقائع الساخرة ليقول :

 عصفور التنور ..

  في فترة الحصار أثناء تواجدنا في وادي مواجه لـ (بيرموس) وبعد إرسال أول مجموعة عبرت إلى سوريا .. سألني أبو جواد:

ـ رفيق متى ترسلني إلى سوريا؟. قلت له:

ـ انتظر لحين تأكدنا من سلامة الطريق ..

في اليوم التالي كرر سؤاله وهكذا في اليوم الثالث.. اخذ يلح على فكرة خروجه.. مشترطاً مع مجموعة "مضبوطة" .. قلت له:

ـ سوف احكي لك قصة عصفور التنور و أسردتُ له ..

في الشتاء عندما تسقط الثلوج بكثافة لتغطى الأرض ببساط ابيض نقي من نتفها، يعاني عصفور التنور من مشكلة الحصول على طعام، حيث يجول بنظره في كافة الأرجاء فلا يجد غير الثلج الأبيض، لذلك تراه يقفزُ ويزقزقُ في مكانه باحثاً عن شيء يمكن أن يكون طعاماً له في هذا الجو الملبد بالثلج .. ولأجل الإيقاع بالعصفور المسكين يلجأ الخبثاء من الصيادين إلى المناورة حيث يضعون فخاً له تحت الثلج تبرز منه حبة قمح فوق بياضه الناصع .. فينتبه العصفور للحيلة ويدرك انه فخ للإيقاع به، لذلك تراه يقفز حول حبة القمح ويدور من حولها مزقزقاً وفرحاً بوجودها لفترة طويلة دون أن يقترب منها بسبب حذره ويقينه إنها ليست حبة حنطة كما يراها بوضوح بل فخاً وغطاءً للإيقاع به .. لأنه يدرك بحسه العصفوري من خلال الغريزة.. إنّ في الأمر ثمة خطر يداهمه.. فيبتعد عنها ليناي بنفسه عن الخطر واحتمالات الموت للحظات.. قبل أن يعود من جديد ..ومن ثم يبتعد ثانية.. ويتكرر المشهد.. كأنه في صراع محتدم بين رغبته في تناول حبة القمح القاتلة لإسكات جوعه.. وبين حُبهِ للحياة وضرورة الابتعاد عن الحبة المفخخة ..

 في النهاية تتفوق غريزة الطمع والعجلة على الصبر و القدرة على تحمل الجوع.. فيقترب من حبة الطعم ليلتهمها.. لكنه يصبحُ أسيراً في فخ الصياد وطعاماً له.. وكما ترى أن العصفور قد استبدل صبره على الجوع بالعجلة التي جلبت الموت له .. و أنت يا.. أبو جواد.. في الحاحك على الخروج المبكر تشبه عصفور التنور. 

   وللحقيقة والتاريخ لا بد أن أذكر، بالرغم من انزعاج أبو جواد من الحكاية وتشبيهه بعصفور التنور .. لكنه أبدى تجاوبه و" استسلامه " ورضخ متعهداً بعدم تكرار طلبه وإلحاحه للخروج قائلا :..  خوش .. سوف أصبر وأبقى انتظر يوم الخروج معك ..

ـــــــــــــــــــــــ    

صباح كنجي

ـ فصل عن الأنفال.. سينشر على حلقات.. مقتطف من تدوين سيرة ذاتية لـ توفيق الختاري.. أعدها الكاتب في سياق سلسلة لقاءات قبل 5 سنوات بعنوان.. ( توفيق الختاري في يومياته ومذكراته بين الكند والجبل ) ..