مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر (د. أبو تانيـا) 17

مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر (د. أبو تانيـا) 17

الفصل السابع عشر

إعداد فائز الحيدر

تغيرات في الأعلام

  أشرفت بناية المطبعة التي بدأ الرفاق ببنائها على الأنتهاء ولم يبقى غير تسقيفها ، وضعت جذوع الأشجار الكبيرة والأغصان الكثيفة المتشابكة وكميات كبيرة من الطين المعد مسبقا" وبعد يومين أصبحت جاهزة لأستقبال الرفاق كغرفة نوم وراحة لهم .       

 وجوه أعلامية وصلت الأعلام منهم الرفيقة نسرين ( رجاء الزنبوري ) التي لازمت الأعلام لفترة طويلة ، صحفية وكاتبة قصة ومذيعة في أذاعة الحزب  صوت الشعب العراقي ، كثيرا" ما طلبت مني أن أحدثها عن أخيها الشهيد ابو خلود الذي أستشهد في معارك بشت آشان خاصة عندما علمت أن علاقتي به ترجع الى أيام دراسته للعلوم الزراعية في الأتحاد السوفياتي ، كانت تعّد القهوة وتستمع لحديثي عن ذكرياتي مع الشهيد ،  والأن وخلال كتابة هذة المذكرات هزني وكثير من الرفاق الذين عايشوها خبر وفاتها .

في نفس الوقت الذي وصل فيه رفاق جدد غادرنا رفاق الى مهات ومواقع أخرى ، فأنتقل الرفاق ( كاردو كامو ) و ( أبو حاتم ) وآمر الفصيل ( أبو أنصار ) الذي حل محله الرفيق ( أبو جاسم )، كذلك غادرنا مهندس الأذاعة الرفيق ( أبو وليد ) وكذلك الرفاق ( حميد وأبو أمل ) . أما بالنسبة لي فقد نسبت للأدارة والتي رافقتني طيلة فترة بقائي في كردستان . نصحني كثير من الرفاق بعدم قبول هذه المهمة لأنها تخلق الحساسية والأشكالات مع الرفاق ولكني قبلتها كمهمة حزبية ، وفعلا" حدثت لي فيما بعد عدة أشكالات وسوء فهم مع بعض الرفاق بالرغم من بساطة بعض الأمور فالثوم والبصل والشاي والصابون كانت قاسما" مشتركا" لخلافات عديدة مع الرفاق وكم مضحكة عندما نتذكرها الأن وهي ليست خلافات مبدئية أو تنظيمية بقدر ما هي نتيجة للوضع الأداري العام وظروف الحزب المالية الصعبة والتي خلقت تلك الأرضية التي سببت تلك الأشكالات ومع ذلك أقولها بصراحة أني قمت بعملي في مهماتي الأنصارية بشكل مرضي وحازعلى تقدير الرفاق .

 بعد أيام وفي نهاية شهر تشرين الأول / 1984 سافر الرفاق ( أبو سعود ، أبو وهاب ، رحيم عجينة وأبو عامل ) للمشاركة في أجتماعات الجبهة الوطنية الديمقراطية ( جود ) وهي أخر الفعاليات التي جرت بعد الأجتماع الموسع . سافر بعدها الرفيق أبو سعود الى الأتحاد السوفياتي لتسلم وسام لينين والراحة ، وعاد الرفاق للأستمرار في عملهم الأنصاري وكانت تنتظر الرفيق أبو عامل مهمة كبيرة وخطيرة وهي التهيئة والأستعداد لعقد المؤتمر الرابع في صيف العام القادم / 1985 وكان عليه ان يقوم بتعين المواقع وترتيب أوضاع الفصائل والمواد التموينية وفصائل الحماية .. الخ . وبعد رجوعه من أجتماع ( جود ) كان في فصيل الأعلام يقطع سطح قاعته الكبيرة ذهابا" وأيابا" يفكر بما يقوم به في الأيام القادمة .

 الأستعدادات للمؤتمر الرابع للحزب

 قرر الرفاق المهندسين تغير موقع الأذاعة الى مكان آخر أكثر أرتفاعا" لكي تسمع بشكل أفضل وأختير المكان ولكنه قرب قطع حجري يصعب البناء قربه فأستعان الفصيل بالرفيق ( م . قصي ) الذي زودنا بعدد من أصابع

الديناميت لتفجير القطع الصخري وبعدها مباشرة بدأ العمل بالبناء بهمة عالية ، وخلال عملية البناء الشاقة طلب مني الرفاق تناول العسل الذي كنا ندخره لفترة الشتاء في فترة الأستراحة وبين نوبات العمل فوافقت مباشرة لكسب ود الرفاق وخاصة وأنا أداري جديد للفصيل والعمل شاق ويحتاج الى الطاقة للمواصلة ، وبدأ الرفاق يهوسون ( على عناد جعفوري ناكل عسل ) .

والرفيق ( أبو جعفر ) الأداري القديم المخضرم والذي تولى الأهتمام بالمزارع التي أنشأها الرفاق في مواقع عدة وكان لها الفضل في أن يحصل الرفاق على الخيار والطماطة والباقلاء واللوبياء وكذلك بفضل جهود أبو جعفر شبع رفاق الأعلام من الدجاج الذي أهتم به كثيرا" وبشكل كان يثير أعجاب الرفاق ، لقد كان يرعى تلك المزارع والدجاج والماعز ويتفقدها دوما" وكان أكثر الرفاق رفقا" بها ولكن أثناء الذبح فهو المبادر الأول لنحرها وأكلها

 مكتب الأنصار

في نهاية تشرين الثاني / 1984 أخبرني الرفيق ( أبو جاسم ) أن مكتب الأنصار طلب سحبي أليهم للعمل هناك حيث تنتظرني مهمة جديدة ولم يكن فصيل الأعلام محبذا" لفكرة نقلي من الفصيل ، وأخبرني الرفيق ( ثابت حبيب العاني ) أبو ماهر بعدها بأن الرفيق أبو عامل طلب سحبي من فصيل الأعلام حيث كانت لديه فكرة  ترتيب أوضاع الفصائل الجديدة بعد فترة من الوقت وأن فصيل الأعلام وقاعدة لولان لم يوافقوا على نقلي ولأول مرة في الحزب تطلب هيئة حزبية ما من المكتب السياسي العدول عن رأيه في مسألة النقل هذه ، وعلى أية حال أصرالرفيق أبو عامل على النقل ونفـذ الأمر .

ودعت رفاقي في الأعلام بألم حيث بأشهر قليلة توطدت علاقتي الحميمة مع الجميع وغادرت الفصيل مع الرفيق م . قصي الى قاعدة مكتب الأنصار أسفل أرموش ولم أعرف ماذا تنتظرني من مهمات أخرى .

عند وصولنا رحب بنا الرفيق أبو عامل وروى لنا تلك الحادثة ..... في الستينات عندما خاض ملا مصطفى البرزاني حرب الأنصار ضد السلطة وكان بالقرب منه رفاق في الحزب الشيوعي العراقي سأل أحد رجاله البيشمركة كم عدد قواتنا ؟  فرد عليه أن لديهم 200 مقاتل فقال الملا مصطفى أن الشيوعيين لديهم 100 مقاتل أذن أصبحنا 300 مقاتل فرد عليه مرافقه العسكري متعجبا" ولكن الشيوعيين ليس لديهم هذا العدد ؟  فرد الملا نعم أعرف أنهم عشرة مقاتلين فقط ولكن كل واحد يعادل عشرة وألتفت نحوي وقال أتمنى أن تكون في مقرنا الجديد وأنت تعمل كعشرة من الرفاق ، حينها فقط أدركت أني غادرت الأعلام نهائيا" وسوف أبدأ عملي الجديد .

 أنتهاء مؤتمر الحزب الرابع

       بنفس الوتيرة من جد ونشاط عمل الرفاق طيلة فترة أيام أنعقاد المؤتمر الرابع للحزب من نقل مواد غذائية ومتطلبات الأذاعة والطباعة وكذلك المفارز الأستطلاعية . يمر الوقت وينتظر الرفاق مهمات جديدة بأستقبال الرفاق مرة ثانية وتوديعهم الى المناطق المختلفة وكل حسب المهمة الجديدة التي أنيطت به .

  بدأت درجات الحرارة بالهبوط وأخذت أوراق الأشجار تفقد خضرتها ، وغطت سطوح قاعاتنا والطرق المؤدية أليها أوراق الخريف الشاحبة الصفراء ، في تلك الأيام من الخريف بدأ الرفاق المشاركين في أعمال المؤتمر يتوافدون على مقراتنا بعد أنتهاء أعماله . و كان كل منا يحمل الكثير من التساؤلات عن نتائجه ، وما آلت أليه أعماله ؟  وما هي النتائج التي خرج بها ؟  وكيف ستنعكس على الوضع الأنصاري وعموم القضايا الملحة ؟ . ولم يحتاج الرفاق لحدس كبير لمعرفة ما جرى للرفاق الذين تم توديعهم الى أيران ومن ثم الى مناطق مهماتهم الجديدة ، فأما لم ينتخبوا للجنة المركزية الجديدة أو لتسلمهم مهمات جديدة في الخارج . وبالرغم من السرية التي أوصى بها المؤتمر حول نتائج أعماله وأسماء أعضاء اللجنة المركزية الجدد وقرارات وتوصيات عديدة أخرى ألا أنها أصبحت متداولة بين الرفاق وبعد فترة وجيزة على أنتهاء المؤتمر . فالتسيب واليبرالية شاعت بين الرفاق بشكل كبير ولم تقتصر على الرفاق في الخلايا الحزبية وأنما تعدته الى مستوى القيادة وخاصة الرفاق في اللجنة المركزية والذين أبعدوا عن عضويتها وإلا كيف خرجت كل هذه المعلومات وبعد أيام لتكون على لسان كل رفيق .

 تغيرات في اللجنة المركزية

  علمنا مباشرة أن تغيرات واسعة جرت في اللجنة المركزية حيث علق أحد أعضاها الجدد بأن نصف أعضاء اللجنة المركزية القديمة أحيلوا للتقاعد ، وعلم الرفاق من هم أعضاء المكتب السياسي !! ومن هو أصغرهم  وأكبرهم  سنا" !!  كذلك أعضاء اللجنة من الشباب الجدد الذين يملكون الحيوية والنشاط وأسماهم الرفاق ( الشباب العشرة المبشرون بالجنة ) . وليس رفاقنا فقط من علم بأمور المؤتمر بسبب القرب والأحتكاك المباشر وأنما عدد من الصحف العربية وعلى ما أذكر أحدى الصحف الكويتية نشرت الكثيرعن أعمال المؤتمر!!  وبعد فترة وجيزة قرأنا كتاب من تأليف النظام فيه معلومات كثيرة تخص أعمال المؤتمر . 

تمت مرافقة عدد كبير من الرفاق في قيادة الحزب الى خارج كردستان ، ولكثرة عددهم أضطر عدد منهم الى المبيت في  الفصيل لعدة أيام . كان الفصيل مزدحما" جدا" وحصلت شحة في الأغطية والبطانيات رغم الأستعداد المسبق لذلك ، وهناك من الرفاق في القيادة من بيّن تذمره ، وأتذكر أن أحد الرفاق من منظمة بلغاريا طلب منا بطانية أضافية وألح في طلبه لأن الغرفة رطبة ويشعر بالبرد ونظرا" لعدم توفرها لدينا طلبنا منه التحمل لساعات لأنه سيكون ضمن المفرزة التي ستغادر في الصباح الباكر ولم يقتنع بكلامنا وأخذ يبدي عدم رضاه لما يجري من سوء المعاملة  !  وصباحا" وبوجه عبوس قال بأنه لم ينم دقيقة واحدة والمفارقة أنه بعد وقت قصير علمنا بأن الرفيق هذا لم يرغب البقاء في كردستان لمهمة كلف بها من قبل الحزب وخرج على مسوؤليته ، فعلق الرفاق في الفصيل ..... هم زين طلع ، أذا لم يستطع تحمل البد لعدة ساعات ، فكيف يستطيع العيش  بيننا ؟ ألم يقدر حال الرفاق الذين قضوا سنوات في الجبال بمثل هذه الظروف و الصعوبات ؟ لو بقى مع الأنصار جان لوعهم .

 يتبع في الحلقة القادمة