مّاح المُحيّا، المُشرِق أبو كريِّم… / د. حسان عاكف ابو يسار

مّاح المُحيّا، المُشرِق أبو كريِّم… / د. حسان عاكف ابو يسار                     

هربت الى سوريا، عبر الحدود بين مدينتي القائم العراقية والبوكمال السورية (معقل قطعان داعش في الوقت الحاضر) في الاول من تشرين الثاني عام ١٩٧٩، متخفيا بزي فلاح، وبعد ثلاثة عشر يوماً عبرت من دمشق الى بيروت بهوية مقاتل في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. في الفاكهاني، عاصمة حركة المقاومة الفلسطينية آنذاك، كانت اقامتي في الطابق السابع لعمارة تضم مكاتب قيادية ومطبعة مجلة ”الحرية“ للجبهة الديمقراطية.

كان اول رفيقين تعرفت عليهما في الشقة ابو كريم (حاتم محمد نمش) وتوأم روحه ابو روزا(عماد جاسم). أغلب مقيمي الشقة هم مؤقتون لحين ان يرتب لهم مكان آخر، او من المتدربين في معسكرات صيدا والبقاع ياتون في استراحة ليوم او يومين في بيروت، لذا كان عددهم متحرك بين ٨- ١٥ مقيم.

صباح اليوم التالي لوصولنا بيروت، وبعد تناول الفطور، خاطبنا ابو كريم : رجاءً تفضلوا لدينا اجتماع. حين حضرنا افتتح الاجتماع بعبارة طريفة : تعرفون نحن في سكن مشترك لهذا دعوتكم لنناقش امورنا بشكل جماعي كي اتمكن من اتخاذ قرار فردي، واليوم قررت ان تكون وجبة الغداء رز مع باذنجان، شكرا جزيلا انتهى الاجتماع. 
ضحك الجميع، وراح ابو كريم وابو روزا يضربان على المنضدة ويهزجان بهوسة كانت شائعة بين الرفاق في بيروت ”ديمتروف يالـ مِنك تجي العيلة“. والمقصود هنا التلميح لكتاب القائد الشيوعي البلغاري ديمتروف ”في الجبهة الوطنية“، الذي كان مادة تثقيف اساسية للهيئات الحزبية في السبعينيات.
الشيء بالشيء يذكر كانت هناك اهزوجة أخرى شائعة يرددها الرفاق، ويحلو لابو كريم وتوأمه ان يعيدوها دائما:
(( على الأوف وعلى الاوف
كلنا جنودك يابو النوف *١
الله يسامحك ديمتروف 
على الجبهة الوطنية)).

 بعد اسبوعين التحقت بمستوصف تابع للجبهة الديمقراطية على سفح جبل صنين في منطقة البقاع، وشاءت الصدف ان المستوصف يقع في ذات القرية التي تقع فيها سرية ابو كريم، هناك زادت معرفتنا ببعض وتوطدت علاقتي به. كان معنا في السرية رفاق عديدين من ضمنهم الشهداء ابو سحر وابو ايمان والرفاق ابو عوف وابو شرارة وسبهان ملا چياد.

في امسية ثقافية قرأ ابو عوف قصة قصيرة من نتاجاته عنوانها ” الرجل الجثة“، يدور محورها عن جثة رجل عثرت عليها سيارة النجدة فجر احد الايام في حديقة الامة تحت نصب الحرية. 
بعد انتهاء ابو عوف من قراءته فتح باب الحوار وبدا الحضور يدلون بدلوهم، ابو كريم رفع يده سائلا: رفيق انا من قراءتك فهمت ان المتوفي ضحية، لكن تعقيبات الجماعة شوشت علي الامر وفهمت منها وكأن الرجل الجثة هو جلاد، الا وضحت لنا كي نعرف نقرا الفاتحة على روح ”الرجل الجثة“، ام نلعن صفحته وصفحة الخلفوه..!!.

كُلفتُ بتقديم مادة عن الديالكتيك وقوانينه في امسية تثقيفية. ولم يشأ ابو كريم ان يفوّت مناسبة طرح هكذا موضوع جاف في اجواء شتوية مثلجة، وفي نهاية اللقاء تصنع الجد ووجه كلامه للحاضرين : غدا سيكون فطورنا ”نفي النفي“، والغداء ”تحول التغييرات الكمية الى تغييرات كيفية“ ، والعشاء ”وحدة وصراع الاضداد“، لكن إحسبو حسابكم، مثل ما تشوفون الوجبات دسمة وثقيلة، بس چاي ماكو.

لا أظن احدا من الانصار وكثيرين آخرين لم يسمع بقصة الشهيد ابو كريم مع ابو فاروق (عمر علي الشيخ)، يوم كُلف ليكون ضمن مفرزة لمرافقة ابو فاروق في الانتقال من موقع انصاري الى آخر. وحين وصلت المفرزة الموقع المطلوب خاطب ابو كريم ابو فاروق وهو على ظهر البغل:
” تفضل انزل يا فارس الامل“*٢...

كان الشهيد لصيقا بفلاحي قرى بهدينان ومحبوبهم، لهذا فتحوا له قلوبهم قبل بيوتهم. وساعده توقد ذهنه ونباهته على التقاط كلمات وعبارات يتداولونها في حياتهم اليومية للتعبير عن قناعة او استغراب او انبهار … ”أري والله“، ”عجيبة“، ولا يكتفي احيانا بترديد هذه الكلمات وانما يعمد الى اضافة شيء من عندياته اليها، كما هو الحال مع كلمة ”عجيبة“ التي كان يرددها ”عجيبة الأم تنكرك وانت إبنها..!“

يتميز العامل ابو كريم بصفات شخصية ليس من السهل ان تجتمع بشخص واحد. هذه الصفات جعلته محبوبا من جميع من التقاه وعاش معه، فالى جانب شجاعته واستعداده اللامحدود للعطاء، كما هو حال الشهداء الشيوعيين، فهو محب للمرح، طَلْق المُحيّا، مُتهلل، ُمشرق وباش الى جانب كونه سريع البديهة، لماحٌ، ذكيٌ ومتوقد الذهن، وكل هذه الصفات منحنه كارزما خاصة تلمسها كل من التقى به.

كتب عنه ولايزال الكثير من الرفاق ، أذكر منهم الصحفي والكاتب داود امين والاديب وكاتب القصة القصيرة ابو الفوز والنصير عمار علي، ولم يصادف ان التقيت اخي مروان يوما، الذي تختزن ذاكرته الكثير عن ابو كريم، الا وكانت هناك حصة من لقاءاتنا له. واعتذر للاخرين الذين كتبوا عنه ولا تحضرني اسماؤهم.

شيء مما قيل بحق العامل الشهيد:
”كان له قاموسه الخاص ،ويلعب بالكلمات ويحورها، ويحملها معان أخرى تثيرالابتسام“
" كان يمازح الجميع، اهل القرى والقادة المسؤولين من الاحزاب الاخرى، والاطفال، ورفاقه الانصار، ورفيقاته“.
”لم يكن احد يسلم من لذع لسانه، ولم يكن احدا يسئ فهم مزاحه الذي لا يحمل اي ضغينة او تحامل“. 
”أذكر يوما، ممازحته لاحدى الرفيقات، حين قال لها "حركاتك" اجمل من كل حركات التحرر الوطني في العالم !. لم تزعل، لانها تفهم شخصية ابو كريم وتلاعبه باللغة وكلماتها ومصطلحاتها“. 
ـــــــــــــــــــــ
*١- المقصود بأبو النوف السيد نايف حواتمة امين عام الجبهة الديمقراطية. 

*٢- رواية ”فارس الامل“ لجورج أمادو.--