تأسيس قاعدة هيركي وأول عملية انصارية - الحلقة الثانية / فارس فارس

تأسيس قاعدة هيركي وأول عملية انصارية - 2 / فارس فارس

 

 

 

الحلقة الثانية

تأسيس قاعدة هيركي 28/7/1980

واول عملية انصارية مشتركة في قضاء العمادية ناحية ديرلوك 23/08/1980م

بتاريخ 18/8/1980م, اي بعد ثلاث ايام من الوصول للموقع وبدء العمل في البناء, تم عقد لقاء بحضور آمر الفصيل والمستشار السياسي والاداري ومعاون آمر الفصيل والرفيق هشام يزيدي, وانا سادسهم, ملخص الحديث: طلب الرفاق في الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) النزول بمفرزة مشتركة الى مناطق سيطرة النظام الدكتاتوري وبالتحديد قضاء العمادية وناحية ديرلوك ومجمع شيلادزة ومنطقة صبنه التابعة لها, وسيكون هذا اول تواجد من نوعه لمفرزة كبيرة في المنطقة بعد انهيار الحركة الكردية عام 1975م,((حيث تواجدت مجموعة الشهيد الخالد محمود يزيدي من2-5 بيشمركة في المنطقة وصادفت تلك الايام الذكرى الاولى لاستشهاده في آب1979, وانتهاء عمل المجموعة, ولهذا قصة!)) وبنيتهم القيام بعملية عسكرية ضد مقرات البعث والجحوش, وتأديب بعض العملاء في المنطقة بالإضافة الى اللقاء مع ابناء عشيرتهم وسيكون رئيس عشيرة (النيروي) قائد مفرزتهم واسمه مصطفى نيروي ومساعده الدكتور علي تيلي ومعهم حوالي ثلاثين بيشمركة.

وضح الرفيق توفيق يزيدي بهذا اللقاء موقف مكتب الفصيل من طلب حدك بالشكل التالي:- ليس بمقدور فصيلنا المساهمة بهذه المفرزة المشتركة بسبب ان مهمتنا الرئيسية حاليا هو استكمال بناء القاعدة قبل حلول الشتاء ويستلزم ذلك على الاقل, بناء القاعة الكبيرة ومخزن الارزاق ومطبخ وغرفة صغيرة لمهام القيادة, وسيتم تعزيز الفصيل برفاق جدد حسب وعود قيادة القاطع, مما يستلزم بناء قاعة ثانية كذلك قبل الشتاء, عددنا لا يساعد للقيام بالمهمتين! لذلك توصلنا الى فكرة مساهمة ثلاث رفاق فقط بالمفرزة مع حدك, وهم الانصار ابو حيدر سيكون مسؤول المجموعة وهشام يزيدي وابو حياة, مهمتكم هي: معرفة ما يلي: اسماء المناطق والقرى, عدد البيوت والسكان وطبيعتهم, الطرق والمسالك فيما بينها والزمن المستغرق بينها, تواجد ومواقع قوات النظام, ظروف عبور مناطق الخطر وخاصة نهر الزاب, الاجراءات المتخذة بما يخص دخول القرى ومناطق المبيت والاستراحات....الخ, بالإضافة الى الدور السياسي والدعائي وتعريف الجماهير بالحزب وسياسته, واقامة علاقات خاصة مع الاهالي وخاصة الشباب ليكونوا ركائز بالمستقبل, ومن الناحية العسكرية لكم حرية اتخاذ القرار في المشاركة من عدمها في اي عمل عسكري يقترح عليكم!, ومن هو غير مستعد للقيام بالمهمة يستطيع الاعتذار ويكلف رفاق اخرين بها!.

بعد نقاش مستفيض لكل جوانب المهمة والاحتمالات السلبية والغير متوقعة وخاصة ما طرحه النصير الفقيد هشام يزيدي من ملاحظات جدية, كنا ابو حيدر وانا نسمع بها للمرة الاولى, حول طبيعة وتصرفات وسلوك الجانب الاخر العشائرية سواء سياسيا او جماهيريا او عسكريا وحتى امنيا وكثرة الاختراقات في صفوفهم ومخاطر كل ذلك!! لهذا اضيف الى صلاحيات المجموعة هي حقها في اتخاذ قرار الانسحاب من المفرزة المشتركة في اي وقت تشاء والعودة للقاعدة!!. بعد ترتيب احتياجاتنا من العتاد والشواجير ونوع السلاح والملابس والاحذية, و(لهذا قصة), بالإضافة الى كمية كبيرة من المنشورات, عدد جديد من طريق الشعب, بيان اتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي وبيان رابطة المراءة, اصبحنا مهيئين للانطلاق مع بيشمركة حدك!.

بتاريخ 19/8/1980 ظهرا تحركت المفرزة باتجاه قرية (جرماندي) ثم قرية (زير) ثم قرية (هشو) ثم قرية (رش مة) وصولا الى ناحية (بيه بو) ثم مطار بيه بو للطائرات العمودية, وتحدث لنا قصة ما بين زير ورش مه لاحقا مع الرفيق توفيق (قصة الدببة!) جميع هذه القرى مع مركز الناحية كانت مدمرة بالكامل وهجر جميع سكانها, وقبل فترة وجيزة تركت قوات النظام جميع مواقعها العسكرية على عمق حوالي 20كم من الحدود التركية وسميت هذه المناطق بالمحرمة على البشر والحيوان, وبما انه اغلب البيشمركة الذين كانوا معنا من سكنة هذه القرى, فعند كل قرية يخرج احدهم ليؤشر على كومة من الحجر المحترق هنا كان بيتنا وهنا الجامع او المدرسة او المطحنة او عين الماء وهكذا, كانت الدموع لا تفارق حدقات عيونهم وعيوننا في هذه اللحظات!.

قضينا ليلتنا الاولى على ارضية مطار بيه بو الاسمنتية, واشعلت نار ضخمة من سيقان الاشجار الكبيرة وبعد العشاء, انطلق الرقص (الدبكة) والغناء حول نار وصل لهيبها الى السماء, استغرق المسير لهذه النقطة حوالي ثلاث ساعات ونصف ما عدا اوقات التوقف في القرى, توطدت علاقتنا مع البيشمركة بشكل كبير وسريع خلال هذا الوقت القصير, فمام رشيد وهو عريف بالجيش سابقا يتحدث العربية بطلاقة, وكان متفاجئ ومستغرب من وجود عرب من بغداد معه في هذه الاصقاع, ليقول لازمته ويعيدها كل ساعة تقريبا, بغداد وين, زير وين, باه باه؟ بغداد وين رش مه وين, باه باه؟ بغداد وين بيه بو وين, باه باه؟ وبعد كل مرة يقترب مني ويناجي: آه يا ابو حياة, آه يا ابو حياة!!, اقترب منا الشباب كثيرا وكان ابرزهم شاب انيق وجميل ومتحمس عمره لا يتجاوز العشرين عام اسمه زبير, كان يعرف بعض العربية من قراءة القران وكانت لديه رغبة كبيرة لتعلم العربية وقراءة منشورات الحزب, توطدت علاقتنا نحن الثلاثة به, فهو اثناء التوزيع بالقرى لاحقا, كان معي واثناء الاستراحات عند هشام ليشرح له بالكردية مضامين المنشورات ويجلس مع ابو حيدر ليطبق ما تعلمه!, كان الجميع يحترمنا بشكل كبير وفرحين لوجودنا معهم وطيبة فلاحنا الجنوبي وجدته فيهم ايضا, فتوجه لنا يوميا عشرات الاسئلة والمشورات رغم صعوبة اللغة وقلة المترجمين! لقد زالت بشكل كبير احدى المشاكل التي كانت تقلق النصير الفقيد هشام يزيدي!.

دخلنا اول قرية (كارة او كاروكة) مأهولة بالسكان, 22 بيت, مساء 20/8/1980, قرية فقيرة ليس فيها من يعرف القراءة والكتابة حتى المختار, ولم يلتقوا باي عربي سوى المختار وكاك سعيد, ولم يسمعوا بالشيوعية او يلتقوا بهم سابقا! هي القرية الوحيدة المتبقية من عشيرة النيروي في المنطقة (ومهددة بالتهجير قريبا) ما بين جبال لينك والحدود التركية يجاورها القرى الريكانية المعادية لهم حيث والمساندة للسلطة, توزعنا زبير وانا في بيت كاكا سعيد, الذي استضافنا افضل ضيافة والذي سيصبح لاحقا (كاكا سعيد) احد ركائزنا الذي نعتمد عليه بالمعلومات وجلب الارزاق للقاعدة (ولهذا قصة طريفة, يعرفها انصار هيركي واهالي المنطقة, لا يسع المنشور هذا لروايتها!). تجمع اغلب شباب القرية في بيت كاكا سعيد لرؤية العرب الشيوعين وكيف هو شكلهم وماذا يريدون, وانا احاول ان افهم زبير ماذا يقول لهم, لا اعرف كم فهموا من حديث زبير لكن عموما يبدو كان الانطباع ايجابي لهم ولي, كل ذلك دفعني لاحقا لمحاولة تعلم اللغة الكردية بأسرع وقت مما اوقعني في مطبات طريفة وكثيرة. وعموما كان لتواجدنا ومعرفة اهالي المنطقة لاحقا به يشكل عامل رفع للمعنويات وبارقة امل جديدة لهم بعد فقدان الامل واليأس لأغلب سكان هذه المناطق!.

بتاريخ 21/8/1980 مساءا بدانا الصعود نحو قمة جبال لينك وهي سلسلة جبلية جبارة تشكل امتداد لسلسلة جبال متين محصورة بين كلي رشافة وكلي بالندا وقرب القمم استرحنا في مصيف قرية هه توت التي في طرفها الغربي يقع كلي ساطور الرهيب وفي بدايته تقع المغارة الكبيرة, ومع النصير زهير تحدث لنا قصة لاحقا مع الذئاب المتوحشة!, صباح 22/8/1980 عبرنا جبل لينك الى الجانب الاخر من الجبل الذي يشرف على وادي عظيم وواسع يقع بين سلسلتين جبارة, وهي جنوبا سلسلة جبال كارة وامتدادها جبال هفت طبقة (السبع طبقات ولها قصة!) وشمالا سلسلة جبال متين وامتدادها جبال لينك حتى منطقة برزان, يلفت نظرك مباشرة عندما تعبر الى الجانب الاخر من لينك نهر الزاب المتموج كالأفعى بمياهه البيضاء المراهقة التي لا تهدأ في جميع الفصول! والمجمعات السكنية التي هجر اليها سكان القرى المدمرة, مجمع سيريا ومجمع شيلادزة ومجمع ديرلوك وعلى امتداده نحو الغرب مجمع كانيك تم تأتي مدينة العمادية وبعدها مجمع بيباد, وتتضح امامك جميع المواقع والربايا العسكرية المنتشرة حول المدن والمجمعات السكنية ومع خط الشارع العام من مجمع سيريا شرقا الى العمادية وبيباد غربا وستمر حتى مصيف سرسنك وسوارة توكة وزاويتة الى دهوك في الجنوب الغربي والى زاخو من جهة الشمال الغربي, هذه المنطقة ولحد مدينة سرسنك وسوارة توكة  مرورا بمدينة العمادية, ستكون منطقة نشاط نصيرات وانصار فصيل هيركي الابطال (الاوباش!!). يتبع