ذكريات من دروب الامل، الحلقة الاولى / سرتيب عودة

ذكريات من دروب الامل، الحلقة الاولى / سرتيب عودة

منذ مدة طويلة طلب مني صديقي ورفيقي (أيام الجمر والرماد) الروائي كريم كطافة ان أحاول تسجيل بعض ما عشته في أيام الانفال السيئة الصيت، سأحاول هنا ان اكتب يومياتي في ال 22 يوم، التي كانت من أصعب الأيام في حياتي الانصارية.. سأشحذ ذاكرتي قدر الإمكان لكي اكتب التفاصيل بأكبر دقة ممكنة. هكذا وبالتعاون مع الصديق والرفيق ابوامل (كريم كطافة) ابدا بنشر سلسلة من الحلقات عن تلك الأيام والتي اريد من خلال نشرها ان يطلع الراي العام على ما جرى للعراقيين في تلك الأيام وان ما يجري في العراق الان ما هو سوى نتيجة لتلك السنين الرهيبة في حروبها والانتهاكات الفضة لحقوق الانسان .
أيام الحصار والانفال ال 22 مازالت تعيش معي بالرغم من مرور تلك السنين الكثيرة. وتجربة الخوض فيها والكتابة عنها تعتبر بالنسبة لي مثل المغامرة. لا اريد هنا ان اتبنى موقف حزب او تجربة سياسية او الدعاية لاحد. اريد فقط تسليط الضوء على حقبة تاريخية من تأريخ شعب أراد الخروج من تحت الرماد .
لست بصدد تحليل او تقييم تجربة الأنصار التي كتب عنها الكثير. كذلك حكايتي لا تزعم البطولة لاحد.

كنا رفاق من كل الطيف العراقي الواسع. بشر من جميع شرائح الشعب وطبقاته. كانت لنا اهداف نبيلة في المساواة والعدالة الاجتماعية. كان بيننا أكاديميون تركوا بلدان أوروبا والحياة الهانئة وتوجهوا الى كردستان، ومن بيننا كان الفلاحين والعمال والجنود الهاربين من جحيم الحرب لكي يحققوا العدالة والسلام. ساكتب عن نهاية التجربة، عن أيامها الأخيرة، عن احداث عشتها مع مجموعة من رفاقي اللذين اعتز برفقتهم، قد يختلف معي البعض او يتفق. هذه المساهمة هي للناس لذلك سوف أتجاوز ذكر افراد المجموعة قدر الإمكان. أسجل هنا مشاهداتي ومعايشتي لتلك الأيام.

الإنتشار
مع انتهاء الحرب مع إيران في 8، 8، 1988 وبعد سيطرة النظام على أرياف السليمانية، حشد قواته في أرياف أربيل وبشكل كثيف وتحديدا في شقلاوة وسهل حرير. وبدأت قوات الأنصار بإعادة تنظيم صفوفها والإنتشار على شكل مجاميع مختلفة لتجنب الخسائر الكبيرة. كانت قوات النظام بأعداد هائلة. كنت ضمن مجموعة توجهت نحو منطقة بهدينان تحديدا الى مقراتنا الخلفية في قرية كافيا الواقعة في منطقة زيبار. لا أتذكر كم كان عددنا لكننا كنا مجموعة كبيرة ضمت مختلف الاعمار والاعراق. عبرنا نهر سهل حرير ونهر الزاب وبعد مسير ثلاثة أيام وصلنا الى كافية. التقينا هناك برفاق سبق وان عملت معهم اثناء وجودي في منطقة بهدينان. .
وبعد ثلاث أيام من وجودنا في مقر كافيا. أرسلوني مع نصير آخر إلى القمة العالية من السلسلة المشرفة على قرية كافيا، لاستطلاع الطريق القادم من العمادية إلى شيلادزه والكائن خلف السلسلة الجبلية. ومن هناك وبالنواظير العسكرية شاهدنا الطريق مزدحماً بأرتال من القوات العسكرية التي لا نرى بدايتها وهي تتوجه إلى طريق ديرلوك برزان القديم للسيطرة على معابر نهر الزاب.
في هذه الليلة ولأول مرة سمعنا أصوات الهيلوكوبترات تحلق في سماء المنطقة. كانت أعدادها كبيرة. وان تحلق الهيلوكوبترات ليلا هو حدث فريد على الأقل بالنسبة لنا. لم يحدث لنا في السابق. كنا نسمع عن طريق موجات FM في اجهزة الراديو التي كانت معنا (سيدي تمت اصابة الهدف). (سيدي تم الواجب) والخ.
في اليوم التالي سمعنا ان النظام استخدم السلاح الكميائي ضد مقرات قاطع بهدينان في وادي زيوة والتي استشهد فيها اثنان من رفاقنا (ابو سعد وابوجواد)

التوجه نحو الحدود التركية
بدأت الأحداث بالتسارع بشكل رهيب مثل كرة الثلج. يتقدم النظام ونحن نتقهقر في مختلف المناطق. بعد اقل من يومين اكتشفنا ان المتبقين من سكان قرى وادي كافيا تلقوا تعليمات من حدك بالانسحاب تجاه الحدود التركية. وبعد الاتصال بالقيادة بدأنا نحن كذلك بالانسحاب باتجاه الحدود التركية. كانت قوتنا بحدود المئة نصير.
كنت أنا ضمن المجموعة الأخيرة التي ستغادر كافيا والمتكونة من 29 نصيرا وكانت مهمتنا انتظار عوائل ستأتي من مقر (مراني) ومساعدتها على العبور في الطريق الوحيد المتروك لنا للان (طريق الزاب). كنا نمثل قوس قزح ألوان العراق؛ عرب، كورد، تركمان، كلدوآشوريون. وكان معنا شباب صغار هم أبناء بعض كوادر الأنصار وكوادر التنظيم المحلي، قرر الحزب إرسالهم إلى الخارج للدراسة الأكاديمية. كانوا غير مسلحين ولا يجيدون استخدام السلاح أصلاً وغير متعودين على صعوبات ومفاجآت الحياة في هذه التضاريس الصعبة.
وفي يوم 26/ 27 آب وصلتنا برقية عبر اللاسلكي أن العوائل التي ننتظرها سوف لن تصل بعد أستولى الجحوش والجيش على الطريق الرابط بين مراني وكافيه. عندها بدأنا بالتحضير لمغادرة المكان والإتجاه نحو الحدود التركية عبر نهر الزاب. وبما أني كنت أعمل في السابق في هذه المنطقة، اختاروني دليلاً لهم للوصول إلى النهر. تركنا في مقر كافيه 5- 6 أنصار كانوا أصلاً من محلية عقرة استشهد معظمهم لاحقاً.
بعد وصولنا الى الوادي المؤدي الى طريق الزاب، علمنا أن قوات النظام تمكنت من وقف العبور الى الضفة الأخرى من النهر. لقد وصلوا عبر شارع ديرلوك بارزان القديم ثم بدأوا بنصب الربايا. نحن في الوادي والعوائل التي لم تتمكن من العبور استقرت فوق الجبل في بالقرب من صهريج او مستودع للثلج يجمعه القرويون شتاءا لكي يستفادوا منه صيفا. وبعد تمكن قوات أخرى للنظام بمساعدة الجحوش من السيلطة على السلسلة الجبلية على اليمين والقادمين من عقرة ودينارته، صرنا محاصرين من ثلاث جهات. لم يبق أمامنا سوى التضاريس الوعرة والعاصية المطلبة على نهر الزاب.

يتبع