مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر (د. أبو تانيـا) 13

مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر (د. أبو تانيـا) 13

فصيل الأعلام المركزي

الفصل الثالث عشر

فصـيل ســــبيكا

في أحد الأيام وصلنا الرفيق معن جواد ( أبو حاتم ) وقام بجولات عديدة في الفصائل يتفقد الرفاق ومهماتهم ومراقبة الوضع الأمني أرتباطـا" بفعالية عقـد المؤتمـر، وكنا دائمـا" نتحدث حـول ذكرياتنا في اليمـن ومشاكل البيـوت المليئة بالرفاق وعوائلهم. جائنا مــرة أحد الرفاق ليخبرنا بأن الرفيق ( أبو حسن حبيب ألبي ) قد تخاصم مع الرفيق ( أبو دنيا ) وغضب وأعلن الأضراب عن الطعام فذهبنا والرفيق أبو حاتم للبحث عنه ووجدناه في مكان معزول بعيد مصرا" بعدم الرجوع  للفصيل وبصعوبة بالغة أقنعناه بالرجوع عن قرار الأضراب والعودة ووافق بشرط أن يعتذر الرفيق أبو دنيا له.

قمنا بعـدة جـولات أسـتطلاعية خـلال تلك الفترة في المنطقة على أمـل أيجاد مقرات جديدة لنا لفترة الشتاء وعلمنا أن أحد القرويين سوف يترك داره المتكونة من عدة قاعات وزريبة للحيوانات في ( سـبيكا ) وهي التلة التي تقع فـوق فصـيلنا وفـرحنا لـذلك وعـلمنا أيضا" أن عدد من القرويين سوف يغادرون بيوتهــم في ( سـبنـدارة ) وهـو مكان مناسب جد" ليكون في المستقبل محطة أستقبال الرفاق القادمين من بهدينان وأربيل وفعلا" أصـبحت ( سـبيكا وسـبندارة ) فيمـا بعد أماكـن تواجــد فصــيلي سـريتنا.

أضافة الى مهمات الأستطلاع وحفظ المواد التموينية وجردها ونقلها جائتنا مهمة جديدة لم تكن بالبال أبدا" أخبرنا رفاقنا في قاعدة ( لولان ) بواسـطة جهاز المخابرة التي وصلت أعداد منها بأن أحد ملتحقي الفصيل ( أبو هدية )  وهو ملتحق أصبح صديقا" لحزبنا ومتواجد بيننا منذ فترة قد هرب ليلا" أثناء نوبة حراسته مع نصيـر كـردي آخر وسرقـوا سـلاح عفاروف وربما يبغون تسليم أنفسهم لأحدى الربايا القـريبة وطلبــوا منا بذل جهــود للبحث عنهم،

بعد أتصال الرفاق بنا مباشرة تحركت مفرزة متكونة من عــدد من الرفاق وبحـثوا لســاعات طويلة في كل المنطقة دون جدوى، كان أمرهم يقلقنا كثيرا" فهم يعرفـون مواقعنا وحركة الرفاق القادمين وربما لديهم معلومات عن فعالية الحزب القريبة وخاصة وهم يشاهدون يوميا" وصول عدد من الرفاق من الخارج وكل هذا يشكل خطرا" لو وصلت معلومات منهـم الى ربايا النظام، وقـررنا البحث عنهم في الـيوم الثاني على أمل أن يكون قد ظلوا الطريق وفعلا" كان توقعنا في محله .

ليلا" من نفس اليوم لمح الرفيق ( عدنان ) أثناء حراسته الليلية ضوء خافتا" يتقدم نحوه  فصاح بالقادم عن سر الليل وكانت المفاجأة عندما صرخ ( أبو هدية ) بأسمه وأخبر عدنان بأنه جاء برسالة من القاعدة الى مكتب السرية وطبعا" لم يعلموا بأننا نعلم موضوع هروبهم وسرقتهم للسلاح، لقد كان تصرف الرفيق عدنان شجاعا" وذكيا" للغاية فرحب بهم وكأنه لم يحصل شئ وأخبرهم بأنه سيعد الشاي والجبن لأنهم متعبين من السير الطويل وسوف يوقظ الرفاق في مكتب السرية وأطمأنوا لذلك وجاء اليهـم أبو دنيـا وآمـر الفصيل سـاطع وبـدون جـلب أنتباه الرفـاق الأخرين تبادلـوا الحديث والنكات وبحركة سريعة مباغتة تم تجريدهم من السلاح وكبلت أياديهم بالحبال ووضعوا في قاعة فارغة تحت الحراسة وعلمنا بأنهم قد ظلوا الطريق وعانوا من التعب والجوع لذا قرروا العودة الى فصينا ولم يكن لديهم أدنى شك بأننا لم نعرف موضوع الهروب .

في اليوم التالي خرجت مفرزة معهم للبحث عن سلاح العفاروف الذي أخفوه في مكان كثيف الأشجار على أمل العودة أليه مرة ثانية وبعد جهد طويل عثــر عليه وتم أخبار الرفاق في قاعدة لـولان بالأمر وفرحـوا لذلـك، كانت هـذه الحـادثة وغيرهـا من الأشــكالات في العمـل الأنصـاري في تلك الفترة فأبو هـدية جندي هـرب من أحدى الربايا العسكرية وألتحق بنا وأصبح بعد فترة صديق للحزب ومثل أبو هــدية كان هنـاك آخـرين عملــوا لفتـرة طويلة ضـمن تشـكيلة الفصـائل الحســاسـة مثل الأعـلام والمكتب السياسي وكانت عندهم بالطبع معلومات واسعة عن الرفاق في قيادة الحزب والأجتماعات وأمور خطيرة أخرى. طلب الرفاق في الهيئة العليا من سريتنا متابعتهم بأستمرار وتشديد الحراسات وجائنا شخص ثالث من مخابرات النظام وأصبحت مهمة الرفاق الجديدة الحراسة المشددة طول اليوم على أمل حسم أمرهـم بأتخاذ الأجـراءات الازمة وقـد طلبنا عــدة مرات بالتعجـيل بحسـم قضيتهم خاصة وأن الرفاق أخـذوا يتذمرون بشدة وتم طرح الأمر عدة مرات في أجتماعات الهيئات الحزبية وكان الرفاق يتساؤلون عن جـدوى أبقائهم في هـذه الحالة فـهم يشكلـون خطرا" وعبئا" على الرفاق وخاصة وأن المؤتمر على وشك الأنعقاد، بعد فترة جاءت هيئة حزبية قانونية من رفاق عرب وأكراد وقامت بالتحقيق معهم وأتخذت الهيئة قرارا" بشكل سري ونفذ القرار .

 انتقل من فصيلنا أضافة للرفيق ( أبو سميح ) الرفاق ( أبو روزا وأم روزا والرفاق سـامان ونوروز ) الى قاعدة بيربينان القريبة من الحدود الأيرانية تحسبا" للطوارئ وأصبحت فيما بعد مقرا" لجميع رفاقنا قبل عملية الأنسحاب عام 1988 .

جاء الى السرية من قاطع السليمانية الرفيق ( آسو ) وهو من الرفاق الذين دخلوا معي الى كردستان في مفرزة واحدة وأصبح أداريا" لفصيل ( سـبيكا )، كذلك الرفيق ( أبو جوان ) المشهور بضحكته المميزة والغريب عندما لاحظته مباشرة وكنا على سطح القاعة عرفت أنه شقيق رفيقي ( أبو مكسيم ) زميل الدراسة في الأتحاد السوفياتي للشبه الكبير بينهما وسألته عن ذلك فأبتسم كالعادة ولم يستطع الكتمان وعلق ( هاي أول يوم في كردستان وأنعرف، خوش سّريات بعد المؤتمر )، بعدها أنتقلنا الى الأعلام وعملنا أكثر من سنة،  ومرت سنوات وألتقينا مرة أخرى في موسكو وبعدها بعشر سنوات ألتقينا في السويد عندما كنا في زيارة للأهل هناك. أما الرفيق الأخر فهو (أبو لقاء) الذي يذكني بأول خفارة مشتركة قمنا بها بعد وصولنا كردستان .

 تذكرت صباح ذلك اليوم البارد من شتاء عام 1982 في بشت آشان حيث كنت أحاول بصعوبة أيقاد النيران في الأخشاب الرطبة لأعداد الفطور من الحليب فقط، وقد تأخرت في أعداده ساعة تقريبا" لغاية أن تقدم أحد الرفاق مسرعا" لتقديم يد المساعدة لنا بعد أن شاهدني عاجزا" تماما" عن أيقادها ومتذمرا"، أما الرفيق ( أبو لقاء ) فقد كان مشغولا" لوحده يسكب النفط من الصفيحة الوحيدة الموجودة لدينا والتي نستعملها للفانوس ليلا" لكي نتمتـع

بالقراءة والدردشة على ضوءه الخافت، على قطعة كبيرة رطبة من الخشب فيتركها عندما يرى اللهب يتصاعد منها لأداء عمل آخر كما هي فيسكب عليها النفط ثانية وتكرر هذا الامر عدة مرات وبدون فائدة الى أن شاهده الرفيق (أبو دنيـا) وهو في نوبة الحراسة الأخيرة فساعده خوفا" على النفط من النفاذ. أن هذه الحالة وغيرها أصبحت من الذكريات المرحة التي لا تخلوا من التعليقات الرفاقية في أوقات الفراغ .

كان الرفيق ( أبو لقاء ) طيبا" للغاية ويحب الحزب كثيرا". كان شجاعا" في التصدي لزمرة الأتحاد الوطني لطلبة العراق عندما كان طالبا" في كلية الاقتصاد، غادر الوطن للدراسة في براغ، وعند مجيئه الى كردستان وفي أحد الأجتماعات الحزبية طرح موضوع البعض الذين يروجون أحاديث ضد الحزب وقال أنه اصطدم بهذه الأحاديث وهو الذي وصل توا" الى كردستان وبهمة عالية بعد انتهاء أعمال المؤتمر. وأضاف ان هذه الاحاديث تحبط العزائم ومنها ... ما جدوى مجيئه الى كردستان ؟  لو بقي في الخارج أفضل !  وهل سيسقط الحزب نظام صدام ؟  والرفاق في القيادة  بس راحة وأكل ونوم ! وغيرها من الاحاديث الكثيرة المشوهة. طلبت حينها من الرفيق كتابة رسالة خاصة يذكر فيها أسم هؤلاء الرفاق وفي أي موقع كانوا، خاصة وأنه ذكر أنها ليست مزحة أوحكاية مفتعلة ضد شخص معين بقدر ما هي مقصودة غايتها أحباط المعنويات وخاصة بعد أنعقاد المؤتمر وخروجه بتوصيات وقرارات عديدة. في الرسالة التي كتبها الرفيق أبو لقاء ذكر أسم ( أبو بهـاء ) وأسم آخر ( س ) وكانوا حينها بالقرب من موقع أنعقاد المؤتمر وبعدها تبين أنهما عميلان للسلطة ومنذ فترة طويلة وقاموا بتدمير العديد من الخطوط الحزبية في الداخل  فأبو بهاء كان يدرس في كلية الزراعة في جمهورية اليمن الديمقراطية وأصبح مسوؤلا" عن الطلبة ضمن مكتب الطلبة والمرأة والمعلمين وكانت زوجته مسوؤلة في رابطة المرأة، وكان قبل ذلك يدرس في كلية الزراعة جامعة البصرة وأثناء الهجمة على الحزب أنهار وجند نفسه للمخابرات. أنهى في اليمن الدورة العسكرية، ولكتفيه العريضين أنهى دورة سلاح الستريلا المضاد للطائرات أيضا". في كردستان أختلق مشاكل عديدة مع الرفاق حول السكن وقضايا أخرى، وكانت كل أحاديثه لتشويه سياسة الحزب منذ أحداث بشت آشان ولا نعرف كيف ومن رشحه لتنظيمات الداخل مع زوجته ؟  ولربما لعائلة زوجته الشيوعية المعروفة وأستشهاد أخيها في معارك بشت آشان دورفي أهتمام الحزب بهما . لقد أنكشف أمر أبو بهاء بعد فترة وأعترف بأمور خطيرة عن أتلاف خطوط حزبية وأستشهاد رفاق وبريد الداخل الزائف المكتوب من قبل المخابرات ، لم يفلت من العقاب جراء ما أقترفه بحق الحزب والرفاق أما زوجته والشخص الاخر فلم يعودا الى كردستان وحتما" أنهم علموا بالأمر .

أن معرفتي بأبو بهاء تعود الى أيام تواجدنا في اليمن حيث كان يتردد مع زوجته بأستمرار على أحد رفاقنا والمحسوبين على الحزب ويعمل معه في النشاط المهني ويسكن في شقة مجاورة لأخي النصير أبو سـوزان وعائلته في حي المنصورة في عدن  كانوا يعملون الحفلات الصاخبة حتى. الصباح مرددين هوستهم الدائمة ( أبو بهــية ) وحول هذا الموضوع تحدث أخي أبو سوزان الى الرفاق مرات عديدة وحذرهم من تصرفاته المشبوهة دون جدوى وكان الرفاق يعتقدون وجود سوء فهم بينه وبين أخي أبو سـوزان هي السبب في ذلك، عندما زرت أخي أبو سـوزان في قاطع بهدينان ألتقيت أبو بهاء هناك وكان قد عاد توا" من الداخل وأخبرني وكنا حينها ندردش بعد العشاء أنه أخبر الرفاق في القيادة إن الرفاق في الداخل قد هيئوا بيت لأستقبال أي رفيق قيادي والعملية مطمئنة تماما" وأخبرني أيضا" أن كنت أود أرسال رسالة للأهل في بغداد. أخبرت أخي أبو سـوزان بالموضوع فرفض الفكرة أصلا"، و لمعرفته به غير رأيه بعد ذلك بالذهاب الى الداخل بعد أن شرح للرفاق سبب تغيير رأيه وهو عدم ثقته بأبو بهاء وقال لي ( لا أثق بهذا الشخص نهائيا" وقد أبلغت الحزب بذلك عدة مرات، شلون وضع الحزب ثـقته بيه، ما أدري  ؟) وكان فعلا" على حق !!!

الهوامش ....

ـ الصورة العليا تبين الأنصار ساري وأبو حمدان وسلام

ـ الصورة السفلى تبين أبو تانيا في لولان / مع مهندسي الأذاعة ، أبو وليد ، أبو زهير ، أبو آراس صيف / 1984

يتبع في الفصل الرابع عشر