الرحلة الى المجهول-الحلقة الرابعة والأخيرة- / سرتيب عودة

الرحلة الى المجهول-الحلقة الرابعة والأخيرة- / سرتيب عودة

بعد ان خف عبئنا ومسؤوليتنا بتسليم ايوان الى أهلها بات امامنا الهدف الأخير، فك الحصار والوصول الى الحدود التركية. ومن هناك سنحاول الوصول الى المثلث الحدودي بين إيران والعراق وتركيا ثم التوجه الى مقراتنا الخلفية في ناوزه نك الواقعة قرب الحدود الإيرانية.

في ليلة 6/5 أيلول وبموجب اتفاقنا مع الجحوش انطلقنا في رحلتنا الأخيرة متوجهين نحو الحدود مع اثنين من الادلاء مرورا بسفح جبل شرين من الجهة الشمالية، في طريق طويل قد يستغرق مسير أكثر من يومين حسب ادلائنا. في هذا الطريق الطويل مررنا بقرى قديمة مهدمة كان تبدو من اثارها انها تعود بعضها للمسيحيين وأخرى لليهود، شهدنا قببا لكنائس مهدمة وغيرها من الرموز الدينية.

نال التعب والعطش والضرف النفسي الصعب من اجسادنا وارواحنا. كنا منهكين وفي حادثة مازلت اتذكرها مع الصديق شاخوان عندما غفى وهو يسير واتجه نحو قطع صخري يؤدي الى وادي عميق وقفز اليه الفقيد فراس في حركة بهلوانية وسحبه قبل ان يسقط.

قرار العفو

بعد مسير 13 ساعة توقفنا للاستراحة لنواصل رحلتنا عندما يحل المساء. في أيام الحصار السابقة كنت قد عثرت على جهاز راديو صغير احتفظت به بالرغم من كل ما مر بنا، حتى ونحن نعبر الزاب تبلل الجهاز لكنه لم يصاب بعطل. كنت استخدم الجهاز في استراحاتنا واوقات اختفائنا للاستماع الى الاخبار والى الأغاني أحيانا. كانت اذاعة بغداد تذيع أجمل الأغاني وكأن الدنيا عيد! في استراحتنا الأخيرة هذه كان المذيع يكرر بيان هام. وهذا البيان الهام لم يكن سوى بيان العفو الخبيث (العفو عن العصاة والفارين من الخدمة العسكرية من الاكراد). كان توقيت البيان حرجا بالنسبة لجميع من كانوا في الحصار القاتل. كنا نعاني من التعب والانكسار وحتى الأفق كان مجهولا بالنسبة لنا. تصوروا ماذا سينتاب للشخص الذي في وضعنا. بالرغم من قلقنا لم الاحظ ان بيننا الكثير من المنهارين بل المتماسكين وذوي العزيمة القوية كانوا الأكثر بذلك كنا متماسكين أكثر. هكذا رمينا الحبل على الغارب!! كنا مصرين ان نحيا او نموت بشرف.

التوجه نحو الحدود التركية

بعد حلول المساء بدئنا المسير باتجاه سهل بەرازگر (صياد الخنازير). مررنا بمعسكرات وربايا الجحوش بدون ان يوقفنا أحد. في صباح 8 أيلول ان لم تخني الذاكرة وصلنا الى الحدود التركية في قرية عراقية يجتمع فيها كل مخابرات العالم!! والجحوش والمهربين ومن كل قطر اغنية!!

سلمنا ادلائنا الى من يتعاونون معهم في القرية. حاولنا اجتياز الحدود والتوجه نحو المثلث الحدودي وثم الى مقراتنا الخلفية مثلما فعل رفاق قبلنا لكن علمنا ان هذه المحاولات مستحيلة.

اقترح علينا اهل القرية إخفاء اسلحتنا والتسليم للجندرمة الاتراك كبيشمركة تابعين لحدك. وهكذا كان بعد مفاوضات قصيرة عن طريق وسطاء من القرية.

الاسر في المعسكر التركي

بعد تفتيش دقيق نقلنا الجندرمة الاتراك الى معسكر قريب من قضاء گەڤرئ في مقاطعة هكاري. بعد تسجيل اسمائنا واخذ كل ما كان معنا ما عدا كمية قليلة من النقود. وضعنا الجندرمة في قاعة عسكرية حديثة البناء غير مكتملة، شبابيكها مفتوحة وارضيتها الحصو.

كما اسلفت سلمنا انفسنا على أساس اننا بيشمركة حدك واننا نريد التوجه الى ايران عبر تركيا(كان الاتراك يتساهلون مع أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني).

 لكن الجندرمة الاتراك لم يصدقونا ابدا. بدأوا بالتحقيق معنا واتهمونا تهم مختلفة مثلا اننا من حزب طاشناق الأرمني والPKK. تم نقلنا لاحقا الى مقر الميت (المخابرات التركية) وعرضونا امام مخبرين وادلاء للمخابرات ولم يتعرف علينا أحد. لم يفد التعذيب والتحقيق الذي تعرض البعض منا له.

كان الاتراك يأخذون منا حتى مصاريف الاكل الذي كانوا يأتون به عملاء لهم من خارج المعسكر.

هكذا بعد انتظار عدة أيام ونحن لا زلنا في الحجز تحت ظروف غير إنسانية. طالبنا الاتراك ان ينفذوا الاتفاق في توصيلنا الى الحدود الإيرانية لكن دون جدوى. بل بدل ذلك عوقبنا بمنعنا في قضاء حاجتنا. هنا اضربنا عن الطعام.

ونحن في هذه الظروف المضطربة رأينا ثلاث مروحيات عسكرية عليها العلم العراقي تحلق فوق المعسكر المجاور لمكان اعتقالنا. كنت انا أحد من رأى المروحيات.

 قلت: انها طائرات عراقية وانا شاهدت العلم.

 ولكي لا تحدث ضجة نفى رفيقان كانا من قادة المفرزة ما قلته واكدا انه لم يكن هناك علم عراقي. لم تمضي سوى ساعة واحدة واقلعت المروحيات الثلاثة مرة أخرى، شاهد اكثرية الرفاق العلم العراقي. بات الكل في حالة شك وتوجس وخشية ان تسلمنا السلطات التركية الى النظام.

لم تمضي سوى سويعات قليلة بعد اقلاع المروحيات عندما جاءنا امر بالاستعداد لمغادرة السجن وسلمت حاجياتنا وطبعا سرقوا منا كل ما غلا ثمنه وخف وزنه وكان من بين الحاجات التي سرقها الجندرمة الراديو الذي سمعت من خلاله بيان العفو!

ماذا علينا فعله او نفكر به؟ بعد ان شاهدنا المروحيات العراقية يقولون لنا سنطلق سراحكم. كل منا اخذ معه صخرات مدببة من الطريق!

قلنا سنقاوم التسليم!

تحت حراسة الجنود اجبرنا على الصعود الى شاحنة نقل مدنية وطلب منا ان لا نرفع رؤوسنا. دارت الشاحنة أولا باتجاه المعسكر المجاور ثم اتجهت نحو الطريق العام. هكذا تنفسنا الصعداء.

بعد أكثر من ساعة كاملة توقفت الشاحنة امام مخيم لاجئين كبير. عرفنا انه مخيم گڤرێ للاجئين العراقيين الاكراد. لكننا رفضنا النزول واصرينا على ان يتم نقلنا الى الحدود الإيرانية. ونحن نتفاوض مع الجندرمة ومسؤولي المخيم علمنا من لاجئين طافوا حول الشاحنة التي تقلنا ان اهل ايوان موجودين فيه. طلبنا من هؤلاء الأشخاص ان يبلغوا اهل ايوان انها حية وهي بأمان عند خالتها.

لاجئين في إيران

نقلتنا الشاحنة الى منطقة المثلث الحدودي الإيراني العراقي التركي. نزلنا هنا من الشاحنة ووجدنا ان مئات العوائل والافراد ينتظرون في ظروف جوية قاسية وفي العراء، ينتظرون ان تسمح لهم السلطات الإيرانية للدخول الى أراضيها. التقينا هنا بعدد من رفاقنا وبينهم عوائل كانوا قد سبقونا الى هذا المكان.

بعد انتظار دام ثلاثة أيام بلياليها. سمحت السلطات الإيرانية بدخول اللاجئين العراقيين / الاكراد الى أراضيها. بعد عبورنا الحدود الى إيران، نقلونا في باصات مخصصة لنقلنا الى معسكر زيوا الذي سبق وان استقبل اللاجئين الاكراد بعد فشل ثورة أيلول عام 1975. لكنهم لم يسكنونا في القاعات او بيوت اللاجئين بل رمونا في العراء ووزعوا علينا الخيم. لنبدأ من هنا رحلة نحو المجهول. كان بيننا من لم يتحمل وسلم نفسهم الى النظام اما البقية الباقية وهم الأكثرية التجأوا الى دول مختلفة في انحاء المعمورة بعد رحلة عذاب لكل منا فيها قصة وحكاية مختلفة.

هوامش

*عرفنا لاحقا ان المروحيات الثلاثة التي هبطت في المعسكر التركي المجاور لمكان حجزنا كانت تقل وفدا عراقيا رفيعا يترأسه المقبور طه ياسين رمضان ووقع مع الحكومة التركية الاتفاقية الحدودية السيئة الصيت والتي تعطي الحق للجانب التركي في الدخول الى الأراضي العراقية بعمق 20كم. الاتفاقية التي اثارها السلبية مازال يعاني منها العراقيين وخاصة في كردستان في مناسبة او بدونها تدخل القوات التركية الأراضي العراقية تدمر الارض والنسل.

*بلغني ان ايوان أصبحت شابة وام وهي تسكن الان في فرنسا