لغز الثقوب السوداء في الكون المرئي والكون اللامرئي "1" / د. جواد بشارة

لغز الثقوب السوداء في الكون المرئي والكون اللامرئي "1" / د. جواد بشارة

أثناء  عملي وأبحاثي في علم الكونيات " الكوسمولوجيا" واجهتني معضلة إدراك  وفهم واستيعاب الثقوب السوداء في الكون ودورها وسرها وماهيتها وما يحدث في داخلها وعلاقتها بالزمن الذي ربما يتجمد إلى الأبد في داخلها، ونوع الجاذبية أو الثقالة فيها وتأثيرها على نسيج الزمكان وغيرها من التساؤلات المتعلقة بهذا المسخ الفضائي الذي أفرزته لنا تداعيات النظرية النسبية لآينشتين، نظرياً في بادئ الأمر، ومن ثم بات عرضة للتساؤلات والشكوك والإنكار أحياناً، وفيما بعد غدا حقيقة علمية لا جدال فيها  بعد أن تمكن العلماء من تصوير أول ثقب أسود في مجرة أم 87 M في 10 نيسان سنة 2019، ولكن هل النجاح في تصويره فوتوغرافياً يكفي لإثباته وجوده قطعياً؟  ما الذي نعرفه عن الثقوب السوداء؟ هذا ما سأحاول البحث فيه في هذا المبحث  الصغير والمختصر  والبسيط الموجه للعامة من الناس وللشباب وطلاب الثانويات والجامعات من غير المتخصصين في علوم الفيزياء.

ولقد طلب مني أن ألقي محاضرتين عن هذا الموضوع إحداهما في محافظة بابل في العراق والأخرى في باريس ، ولقد وجدت أن هناك فائدة في ضم مضمون هذين  المحاضرتين وإضفاء بعض التعديلات والإضافات إليهما بغية إعداد هذا النص الصغير في حجمه والكبير في فائدته كما أرجو .

وجد العلماء أن للنجوم الهائلة والعملاقة في الكون نهايات غامضة وغريبة. فأغلبها ينهار تحت وطأة ثقالته أو جاذبيته الذاتية ووزنه لعدة مرات إلى أن يصبح مضغوطاً، وهذه الظاهرة تسمى علمياً " الإنهيار الثقالي effondrement gravitationnel، والتي يمكن أن تستمر إلى أن تصل إلى مرحلة حرجة لتشكل ما عرف بالثقب الأسود ، الذي تم تخيله أولاً، وحسابه ، وتمثله حاسوبياً عن طريق برنامج محاكاة متطور، وأخيراً تم تصويره. لا يمكننا التعاطي مع عمله ووظيفته ودوره إلا من خلال نظرية النسبية العامة وهو  الظاهرة التي تحققت من خلالها تنبؤات آينشتين كما قال العالم الفرنسي المتخصص بالثقوب السوداء جون بيير لومينيت Jean-Pierre Luminet من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا. إحدى تنبؤات آينشتين النظرية هي أن الزمن يمضي على نحو أبطأ عندما يكون قريباً من الثقب الأسود بسبب الحقل الثقالي الهائل لهذا الأخير. ولو تصورنا ، نظرياً بالطبع، وجود رائد فضاء رحالة عبر الزمكان، يقترب من أفق الأحداث لثقب أسود ، أي بالقرب من محيطه فتحته ، فإننا على الأرض، على افتراض امتلاكنا لمقراب جبار، سوف نرى عقارب ساعة المسافر الفضائي تتباطأ في حركتهان فكل ثانية تصبح دقيقة ، وكل دقيقة تصبح ساعة كاملة، وكلما اقترب أكثر، تغدو كل ساعة يوم، وكل يوم شهر وكل شهر سنة، وعندما يصل إلى نقطة اللاعودة ، قبل أن يبتلع الثقب الأسود رائد الفضاء المغامر الإنتحاري، فإن كل ثانية تغدو لحظة أبدية une éternité، حيث يتجمد الزمن، من وجهة نظرنا نحن سكان الأرض ، إلا أن الرحالة الفضائي نفسه لن يرئ ما نراه نحن عندما ينظر لعقارب ساعته التي تدور على نحو طبيعي بالنسبة له، ويسمي العلماء ذلك بالزمن المحض أو الزمن الخالص temps propre. ولكن عندما ينظر رائد الفضاء نحو الأرض باتجاه ساعاتنا الأرضية، فسيرى العكس، فسوف يشاهد زمننا على الأرض يمضي بسرعة مضطردة وبتسارع هائل كلما اقترب هو من الثقب الأسود أكثر فأكثر فالساعة تصير ثانية ومن ثم ميكرو ثانية، ومن ثم واحد من مليار المليار المليار المليار من الثانية الخ... وهو المعروف بالزمن الظاهر temps apparent  بالنسبة للمسافر الفضائي في حين أننا لا نرى أي تغير في سرعة جريان الزمن عندنا على الأرض بالنسبة لنا ، وهذا الاختلاف بين " الزمنين " هو الذي يشير إلى المرور من العالم الكلاسيكي إلى العالم  النسبوي ، بعبارة أخرى إن الثقوب السوداء هي الأجسام الفضائية التي يتوقف فيها الزمن الذي نعرفه أو ينعدم وجوده لأنه يتجمد ويتوقف عن المضي والتدفق.

 

الجذر التاريخي للظاهرة

قبل خمسة وعشرون قرناً، كان هناك، في العهد الإغريقي القديم، أشخاص أذكياء متميزين، قرروا تطعيم نزهاتهم بتساؤلات عميقة ووجودية مجلجلة ومزعجة للكثيرين. ولقد قرروا أنه قد لا يكون من غير المفيد أن يطرحوا على أنفسهم، وعلى غيرهم، أسئلة وتساؤلات ، حتى لو كان من المحتمل جداً أن تفلت منا الأجوبة المرتجاة. الأهم ما في الأمر هو الطريقة التي يستجوبون فيها العالم والشك بالبديهيات السائدة والتفكير بإصرار ومثابرة وصرامة وجدية بكل المسلمات الدينية والعلمية والأخلاقية والثقافية  والمعرفية  وبمجل تاريخ الأفكار، وكانوا هم أول من فتح طريق التفكير العقلاني ، وأورثونا نتاجهم الوفير والعميق مما يمكن أن نسميه " عصر الولادة الحقيقية للفلسفة.

ماهي الفلسفة؟ من الصعب إيجاد تعريف وافي وشافي وتام لهذه المفردة ، إلا من خلال من أوجدها وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو، وقبلهم سقراط بالطبع. اعتبرها أفلاطون وأرسطو بأنها نوع من النزوع  والدهشة واستقراء المجهول ، أو طريقة للبقاء في حيز الغرابة، ولقد تبنى فلاسفة معاصرون كشوبنهور هذا التصنيف اللغوي ولكن بعبارات أخرى قرينة عندما عبر عن ذلك قائلاً :" إذا كان مايدهش العالم هو وجود أشياء تبدو فالتة من القوانين التي تسير الطبيعة ، فإن ما يدهش الفيلسوف هو وجود تلك القوانين نفسها" فالنظرة الفلسفية تتوقف على أنه يجب التصرف كما لو أنه لم يكن هناك شيء بديهي ، وكما لو أن أي شيء خاضع للتساؤل والمساءلة، وإن كافة الأمور والطبائع ، حتى الأكثر ابتذالاً ، تبدو غريبة ما أن نقبل النظر إليها باعتبارها خليط من النقاوة والعمق. فانبثاق  التفكير الفلسفي كان بمثابة ثورة في عالم المعرفة ، ومساهمة في انتقال التفكير بالصورة إلى التفكير بالمفهوم ، أي باتجاه تفكير أكثر تجريدية وأكثر شكلانية وربما أكثر عقلانية. صاحب ذلك نوعاً من خرق للواقع ، وهو أمر مألوف في الثورات الفكرية. فكل " الميتافيزيقيا" ــ هكذا سميت الفلسفة في بداياتها ــ قد نظمت حول التعارضات الثنوية أزواج من المفردات إحداها مضاد للأخرى. مثل فوق وتحت، صحيح وزائف ، بشري وحيواني، عقل و شغف أو انفعال ورغبة ، طبيعة وثقافة، حظور وغياب، جسد وروح، رجال ونساء الخ... فالنظر إلى هذه المرادفات المتضادة قد يكون مقبولاً أو مألوفاً للوهلة الأولى، لكن الأمر ليس بهذه البديهية أو البساطة عندما نمعن النظر فيه. فمفهوم الفوق والتحت يبدو بديهياً لا يحتاج للجدل والنقاش ولكن عندما نتحدث عن السقف والأرضية ، وهما رديفين للفوق والتحت ، يختلف الأمر تماماً . والحال أننا في الكون لا نجد فوق وتحت ، لماذا؟ لأن الأرض حجرة صغيرة مدورة تسبح  في الفضاء كما قال الفيلسوف الإغريقي آناكسيماندر، وبالتالي ليس هناك ما فوق الأرض وما تحت الأرض. وفي الواقع من الناحية العلمية، لا تسقط الأشياء من الأعلى إلى الأسفل بل تسقط على الأرض فالتحت في هذه الحال ليس هو نفسه بالنسبة لأحد ساكني بغداد أو أثينا أو باريس ونفس الشيء بالنسبة لتعارض مفهومي الحقيقي والمزيف ، الذي قد يبدو معقولاً ، ولكن عند التدقيق ستبدو الأمور نسبية فالجالس على كرسي يقال عنه إنه لا يتحرك ، وهذا صحيح نسبياً، ولكن الكرسي موجود على الأرض التي تتحرك ، فهو في نهاية المطاف ليس ساكناً بل متحركاً، لأن كوكب الأرض يتحرك بسرعة مليون كلم في الساعة بالنسبة لمركز مجرتنا درب التبانة. وفي الزمكان الفيزيائي يوجد " الحاوي" le contenant و" المحتوى" Le contenu، فالحاوي هنا مثلاً هو صالة المحاضرة، والمحتوى هو كل مايوجد فيها ، أي نحن. فالحاوي في الفيزياء هو المكان والزمان أو الزمكان  والمحتوى هو الأجسام والمادة والطاقة ، بكل أنواعهما، وهكذا فهمنا العالم وعرفنا التمييز بين الحاوي  الذي هو مطلق وساكن وثابت كما كان يعتقد اسحق نيوتن، والمحتوى الذي هو ديناميكي وفي تطور دائم كالنجوم والكواكب التي يدور بعضها حول بعض  وحول نفسها والظواهر التي تحدث ، إلا أن عالم عبقري يدعى آينشتين زعزع هذه المسلمة في بداية القرن العشرين  وأظهر إن هذا الانفصال بين الحاوي والمحتوى هو في الواقع مصطنع .

أثبت آينشتين ، في إطار نظرية النسبية الخاصة ، أمراً مهماً وهو أن " الزمكان" هو وحدة مندمجة و لا يجب الفصل بين المكان والزمن فلا معنى لمثل هذا التمييز بينهما عكس ما هو متعارف عليه في حياتنا اليومية حيث المكان والزمن كيانين منفصلين ومختلفين رغم غرابة  الطرح. ولقد أثبتت النسبية الخاصة أن بالإمكان تمدد الزمن وتقلص وإنكماش المكان أو الفضاء وإن الزمن يجري ولكن ليس بنفس السرعة حسب موقع وموضع الشخص وارتفاع موقعه وقربه أو بعده عن الأجسام ذات الكتلة والجاذبية الكبيرتين ، والسرعة التي يتنقل بها ، ما يعني أننا يمكن أن نسافر عبر الزمن ونذهب لمستقبل أو نعود للماضي ، من الناحية النظرية بالطبع ، فليس هناك ما يمنع ذلك من الناحية العلمية. فالسفر عبر الزمن يتطلب سرعات عالية تقرب من سرعة الضوء الثابتة وهي 300000 كلم في الثانية بيد أننا لانمتلك الإمكانيات التقنية والتكنولوجية لصنع مركبة فضائية تطير بسرعة تقرب من سرعة الضوء بل ولا حتى خمسة بالمائة من سرعة الضوء. كما لو أننا نأخذ رجل يعيش 100 سنة ونجعله يعيش 100000 سنة وذلك بأخذه نحو المستقبل شريطة جعله يسافر  بسرعة قريبة من سرعة الضوء لسنة والعودة به إلى الأرض التي يكون قد مر عليها 100000 سنة دون أن يمر الشخص بهذه الفترة الزمنية الكبيرة ودون أن تصيبه الشيخوخة فهو يكبر سنتين فحسب ذهابا وإياباً لكن السفر يكون باتجاه واحد ولايمكن العودة للماضي ، أي للفترة التي بدأ منها سفرته الفضائية. ولقد طور آينشتين نظريته النسبية وصاغ النسبية العامة والتي تقول أن الفضاء والمكان الذي نعيش فيه يتحرك ولكن يجب التفكير بذلك رياضياتياً فالفضاء أو المكان ليس هو ذلك الذي يضم النجوم والكواكب بل هو " الحاوي أي وفق منطق الإحداثيات الرياضياتية . ولقد أعلمنا آينشتين أن الأجسام تقوم بحني المكان من حولها وكذلك فإن التمييز بين الزمكان ومحتوياته أمر تعسفي لا معنى له ، أي اعتباطي وكيفي . والحال إن الزمكان وفق النسبية العامة قابل للتطور والتغير والانبعاج ، ولهذا فهو ليس ثابتاً غير قابل للتبدل  ويفقد إطلاقيته ويغدو قابلاً للإنحناء . ولقد فهم آينشتين أن الزمكان هو رديف للجاذبية وإن الثقالة هي الزمكان أي هي ليست قوة مستقلة عن الزمكان وهذا تصور بالغ الأهمية لهندسة الكون حيث نحن نعيش في حقل ثقالي متعدد المظاهر والتمظهر أو التمثل. فالأشياء والأجسام هي حقول مادية أو مجالات وحقول للمادة ، والزمكان إن هو إلا حقل ثقالي ، و لا فرق كبير بين الإثنين، حيث يتم تجاوز الحاوي والمحتوى. فالزمكان ليس فقط يتحدب وينحني ، بل وكذلك يتحرك  ويتطور ويتقولب وبالتالي فهو ديناميكي.

فكل شيء يلوي ويثني الزمكان وبنفس الوقت يلقن الزمكان للمادة الاتجاهات والمسارات والمدارات التي عليها سلوكها. ويترتب على ذلك تداعيات واضحة وملموسة وقابلة للقياس. فكما للزمن، الذي هو جزء من الزمكان، ارتباط بالمادة فإن هذه الأخيرة تؤثر بدورها على جريانه وتدفقه وماهيته . فهناك الزمن المحسوس والزمن الموضوعي المقاس بواسطة ساعاتنا.

الفضاء أو المكان غدا مادة أو شيء فيزيائي فهو يسقط ويرتفع ويتمدد ويتقلص وبنبعج وينحني ويتحدب ويتمطط وينكمش ويتوسع، بعبارة أخرى يكبر ويصغر ويتحول ، فهو بالتالي ليس ثابت ساكن وليس مطلق، وهو مرهون بمحتوياته من غازات كونية ومجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية  ونجوم وكواكب وأقمار الخ..

ففي الكون المرئي توجد مئات المليارات من المجرات، وفي كل مجرة مئات أو آلاف المليارات من النجوم مختلفة الأحجام والكتل والأوزان، وكلها تنتقل وتتحرك وتدور وتتصادم وتندمج وتكبر، ومعها يكبر ويتوسع ويتمدد الفضاء وينتفخ ، فالذي يتحرك فعلياً هو الفضاء الحاوي لتلك المكونات . ولقد بات بوسع العلم والعلماء والتكنولوجيا أن يعرفوا ويدرسوا ويقيسوا تطور وتاريخ هذا الكون المرئي من جزء من مليار المليار من الثانية بعد الانفجار العظيم إلى اليوم.

أي منذ ما يربو على 13.8 مليار سنة. وكل شيء في هذا الكون المرئي ، بما فيه نحن البشر، والكائنات الأخرى، مكون من جسيمات أولية في غاية الصغر ، في اللامتناهي في الصغر، فاللبنة الأولية  لمكونات اللامتناهي في الكبر في الزمكان هي الجسيمات الأولية، أي المجرات وحشودها والسدم وأكداسها، والتي كانت كلها مضغوطة في نقطة لامتناهية في الصغر هي " الفرادة" الكونية والتي منها انطلق  الانفجار العظيم ونشأت المادة بكل أنواعها، في هذه النقطة كان الاتصال بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر وتوحد القوانين وتلاحم الفيزياء النسبية مع الفيزياء الكمومية أو الكوانتية . يصعب على الناس غير المتخصصين تمثل ذلك وإدراكه أو تصوره لكنه واضح وجلي ومثبت من وجهة نظر العلم في وصفه للواقع والطبيعة . من هنا تبرز تساؤلات أغلبها وجودية وبشرية من قبيل: أين حدث الانفجار العظيم؟ لا توجد إجابة قاطعة وحاسمة وناجعة لهذا السؤال بل افتراضات فالجواب ليس سهلاً فهو حدث في كل مكان حيث اللامكان  وفي نفس الوقت حيث اللازمان لأن الزمكان المادي ولد مع الانفجار العظيم ، عن ذلك الحدث انبثق المكان والزمان ولقد علمتنا النسبية  الآينشتينية أنه لايوجد " مركز" للكون المرئي وبأن الزمكان ديناميكي متحرك ومتغير. ماهي حدود الكون المرئي؟ هذا سؤال جيد لكنه لا يمتلك له أحد إجابة فلاوجود لحدود الكون فهو محدد ومحدود ولكنه بلا حدود مثلما لايوجد حدود للكرة فلنتخيل نملة تحبو على سطح بالون ، فهي لن تصل إلى أية حدود على الإطلاق. وكان العلماء يعتقدون بعدم وجود ما هو " خارج الكون المرئي" قبل ظهور نظرية الأكوان المتعددة. ومن ثم يأتي السؤال الأكثر صعوبة ولغزية ألا وهو : ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟ لايمتلك العلم هنا أيضاً جواباً نهائياً، بل هناك عدة أجوبة وفرضيات ونظريات بلورها التفكير العلمي على مدى عقود طويلة بما تنطوي عليه الإجابات من شكوك واعتراضات  وتردد. أحد تلك الإجابات هو لا يوجد شيء يمكن أن نصفه بـ " قبل البغ بانغ الانفجار العظيم" فالقبل والبعد مفاهيم زمنية والزمن أرضية وبشرية فهو لم يكن موجوداً بل ولد وانبثق مع حدوث الانفجار العظيم مثلما لايوجد شمال للقطب الشمالي و لامعنى للسؤال عن " قبل" البغ بانغ لأن الزمن لم يكن موجوداً. هذه هي الإجابة الرسمية الأولية التي يرد بها العلماء على عامة الناس بخصوص هذا السؤال. ولكن، بما أن اللايقين  والتقصي هما في قلب العلم ، فإن العلماء يعرفون أن النسبية  العامة تتوقف وتتعطل عند مرحلة البغ بانغ الانفجار العظيم ولم تعد صالحة فالقيم الفيزيائية عند الانفجار العظيم لانهائية كالكثافة والحرارة الخ.. وبالتالي فإن الجواب الذي تقدمه النسبية العامة ربما ليس صحيحاً تماماً. وعليه يجب اللجوء إلى نظرية أخرى لمعرفة الإجابة ، فحسب نظرية " الثقالة الكمومية العروية  التعاقبية la gravitation quantique à boucles التي ترنو لكي تتخطى نسبية آينشتين، تقول أن هناك مرحلة " تقلص  للمكان أو الفضاء قبل مرحلة التمدد والتوسع التي نشهدها الآن وأن هناك حدث تسميه النظرية بالإنكماش العظيم Big Crunch سبق الانفجار العظيم البغ بانغ  وأن هناك حدث آخر هو القفزة الكبرى أو الإنتعاش الكبيرgrand rebond أو الإرتداد العظيم big bounce قبل التوسع. وهناك نظرية المعلومة الحاسوبية عن الكون المرئي  قبل انبثاقه كما هو حال الفيلم على قرص الدي في دي DVD قبل عرضه على جهاز كومبيوتر، والذي يحتوي على ذاكرة ومحتويات وقوانين الكون المرئي ولكن على نحو رقمي numérisé ، لكن كل ذلك مجرد تكهنات وافتراضات ليس إلا، قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة. فالعلم لايبحث عن حقيقة قاطعة، ولا يمتلك الحقيقة المطلقة. بيد أن البحث الدؤوب سيقودنا حتما يوماً ما إلى إجابة علمية ناجعة وحاسمة وقاطعة عن " ما قبل البغ بانغ" ، وهذا ينطبق أيضاً على موضوع " الثقوب السوداء". كتب  دانتي في الكوميديا الإلهية عن الجحيم " أن من يدخله يفقد أي أمل " نحن لانعرف إذا كان المرء داخل الجحيم يعيش أو يموت لكننا نعرف أن لا أمل له بالنجاة يوما ما، وهذا هو حال من يدخل الثقب الأسود. فالداخل إليه  مفقود إلى مالانهاية والخارج منه مولود وهو أمر مستحيل في الوقت الحاضر. نحن لا نعرف مايدور داخل الثقب الأسود لكننا نستطيع أن نرقبه ونرصده ، بل تمكنا أخيراً من تصويره فوتوغرافياً. نفترض أن  الثقب الأسود جسم كوني فضائي كروي لاشيء ينفذ منه حتى  الضوء لذلك نسميه الثقب الأسود. جاذبيته لانهائية تمنع أي شيء من الإفلات منه. فلو رمينا حجراً فسوف يسقط على الأرض بفعل الجاذبية الأرضية ولو أعطيناه سرعة كبيرة تفوق  الأحد عشر كلم في الثانية ، وهي سرعة كبيرة\ن فسوف يفلت الحجر من الجاذبية الأرضية ولكن لو كانت قوة جاذبية الأرض بمقدار جاذبية الثقب الأسود فلن يتمكن الحجر المقذوف  الإفلات منها حتى لو انطلق بسرعة الضوء أي 300000 كلم في الثانية. فالجسم الفضائي الذي يحتجز حتى الضوء بداخل ويمنعه من الخروج لأنه لايمتلك السرعة الكافية لذلك ، هو الذي نسميه الثقب الأسود. وبما أنه لا يوجد شيء أسرع من الضوء ، رغم محدودية هذه السرعة، فهذا يعني أنه لاشيء يمكنه الإفلات من هذا الوحش الفضائي المفترس الذي أطلق عليه تسمية الثقب الأسود والذي يبتلع كل شيء من حوله. إن فكرة وجود الثقوب السوداء لاتعود لآينشتين ونظريته ولم يختلقها هذا الأخير بل تعود إلى القرن الثامن عشر فالذي قال بفكرة وجود الثقوب السوداء هما عالمي الفلك الانجليزي جون ميشيل John Michell وعالم الفيزياء والفلك الفرنسي الماركيز بيير سيمون دو لابلاسPierre Simon de Laplace . نحن لا نرى الثقوب السوداء على نحو مباشر  لكننا نشعر بتأثيراتها الثقالية على ماحولها وما هو قريب منها في الكون المرئي فهي موجودة في كل مكان وفي جميع المجرات ووجودها مؤكد ومثبت علمياً تجريبياً ونظرياً. فليس كل ما لا نراه ونلمسه ليس موجوداً. فنحن لانرى الكواركات لكنها موجدة ونعمل عليها مختبرياً ، فعلينا أن نكون حذرين مع البديهيات السائدة بين الناس العاديين غير المتخصصين.  ما نشاهده عبر التلسكوبات الأرضية والفضائية والمسابير والمركبات الفضائية الاستكشافية عن الثقوب السوداء يعطي الانطباع أنها تجذب إليها كل مايدور حولها من أغبرة وغازات ومواد ونجوم وكواكب التي تبدو وكأنها تسقط في داخلها ويسمي العلماء هذه الظاهرة بــ " أقراص التراكم disques d'accrétion"  التي تدور حول أفق الأحداث قبل سقوطها إلى أعماق الثقب الأسود. وفي أثناء هذه المرحلة تسخن الجسيمات الأولية وتشع كالتنور أو الفرن ونتوقع أن نرمق نفثات من تلك المواد المستعرة ولكن في الحقيقة إن ذلك لا يأتي من داخل الثقب الأسود لأن لاشيء يمكنه أن يخرج منه ، بل من المحيط الذي حوله والمطوق لفوهته والذي نسميه بأفق الأحداث Horizon d’événements ، وهذه كانت بمثابة مؤشرات ودلائل تجريبية على وجود الثقب الأسود قبل تصويره مؤخراً. ففي السابق كان العلماء يعتقدون بأن الثقوب السوداء أشياء ممكنة نظرياً لكنها قد لا تكون موجودة في الواقع الفيزيائي لأن الحسابات كانت مذهلة فلو ضغطت الأرض إلى حجم مللم مكعب لتحولت إلى ثقب أسود، وبواسطة العلم تم التأكد من تحول نجوم فائقة الكتلة والحجم والكثافة إلى ثقوب سوداء في نهاية حياتها بعد إنهيارها على نفسها بفعل جاذبيتها الثقالية الهائلة وتحولت إلى كرة سوداء مظلمة لا تمتلك سطحاً صلداً فالسطح غير موجود بالمعنى الملموس  والمادي فهو غير مادي لكنه يجذب ويبتلع كل المواد التي تقترب منه وتسقط بداخله بعد عبورها أفق الأحداث ووصولها إلى نقطة اللاعودة. وفي مركز الثقب الأسود توجد نقطة هي " الفرادة " التي تحتوي مجمل كتلة الثقب الأسود حيث تكون الكثافة  والكتلة الحجمية لامتناهية . والمفارقة هي أن الثقوب السوداء هي الأجسام الأكثر بساطة وغموضاً وتعقيداً ولغزية في آن واحد في الكون المرئي. فهي عبارة عن تكوينات هندسية محضة  وتبدو تجريدية . فالثقب الأسود ليس مكوناً من مليارات المليارات  من الجسيمات المادية الأولية كما هو حال أي شيء مادي موجود في الكون من الذرة إلى المجرة. فالثقب الأسود هو بعبارة أخرى، تشوه هندسي للمكان أو الفضاء déformation géométrique de l’espace.  ولكن ماطبيعة ذلك المكان الذي يحتوي الثقوب السوداء إلى جانب المكونات المادية للكون المرئي المتسارع في توسعه؟ سأل أحد الأطفال البالغ من العمر خمسة أعوام  عالم الفيزياء والرياضيات السويدي المقيم في أمريكا ماكس تيغمارك، وكان حاضراً مع والده في محاضرة لهذا العالم عن الكون : " هل بوسع  المكان أو الفضاء أن يكبر إلى ما لانهاية لكي يستوعب تمدد الكون اللانهائي؟" وكان السؤال مفاجيء ومدهش أثار إعجاب العالم المحاضر حيث توجه هذا الأخير لجمهور الحضور قائلاً :" يجب أن نتعلم من هذا الطفل كيف نطرح الأسئلة الحقيقية". وهي أسئلة لا تعد ولا تحصى، بعضها عميق وجوهري من قبيل:" 1- بأي شكل من الأشكال يمكن للفضاء أو المكان ألا يكون لانهائياً؟ 2- كيف يمكن لفضاء أو مكان لا نهائي أن يوجد في زمن نهائي محدد؟ -3 في أي شيء أو حيز يتمدد كوننا المرئي ويتوسع؟ هل هناك مكان أو فضاء خارجه أو حوله لكي يتمدد فيه؟ -4 في أي منطقة من الفضاء  حدث الإنفجار العظيم البغ بانغ؟ -5 هل وقع الانفجار العظيم في نقطة واحدة؟ - 6 إذا كان عمر كوننا المرئي التقديري هو 13.8 مليار سنة فكيف أمكننا رصد ومشاهدة أجسام فضائية ــ نجوم ومجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية ــ  تقع على مسافات تبعد 30 مليار سنة ضوئية ــ أي مايقطعه الضوء في سنة واحدة أرضية بسرعة 3000000 كلم/ ثانية ، على مدى ثلاثين سنة ؟ - 7 هروب  المجرات بسرعة تفوق سرعة الضوء كما رصدنا بتلسكوباتنا الحديثة، ألا يعد ذلك خرقاً لنظرية النسبية العامة لآينشتين التي تقول لايوجد في الكون ماهو أسرع من الضوء؟ - 8 هل تبتعد المجرات حقاً عنا أم إن المكان أو الفضاء الذي يحتويها هو الذي يتوسع ؟ - 9 هل مجرة درب التبانة هي أيضاً في حالة توسع ؟ - 10  هل نمتلك دليلاً على وجود فرادة للانفجار العظيم؟ - 11 ألا يخرق موضوع خلق المادة جراء التضخم الكوني من لاشيء تقريباً، مبدأ حفظ الطاقة باعتبار المادة شكل من أشكال الطاقة؟ - 12 مالذي تسبب بوقوع الانفجار العظيم البغ بانغ ؟- 13 ماذا كان يوجد قبل حدوث الانفجار العظيم؟ -  14 ما هو المصير النهائي لكوننا المرئي- 15 ماهي حقيقة المادة السوداء أو المعتمة والطاقة السوداء أو المظلمة؟ - 16 هل نحن بلا قيمة تذكر في هذا الكون المرئي الذي لا يعنيه وجودنا من عدمه؟ - 17 هل نحن وحيدون في هذا الكون؟ هل هناك كون غير مرئي أو أكوان خفية إلى جانب كوننا المرئي؟ - 18 هل المادة المضادة التي كانت موجود في كوننا إبان حدوث الانفجار العظيم بالتساوي تقريبا مع المادة العادية اختفت نهائياً أم ما تزال موجودة في مكان ما ؟ - 19 هل يمكن أن نتقبل فكرة أن المادة المضادة تشكل كوناً منها توأماً لكوننا المرئي وموازياً له؟  - 20 هل سنتمكن يوما ما من معرفة سر وفك لغز الثقوب السوداء ومعرفة ما يجري في داخلها؟

ماهو مصدر وأصل الثقوب السوداء؟:

المصدر الأساسي لبعض الثقوب السوداء الكبيرة  أو العملاقة هو النجوم الفائقة ، التي تفوق كتلتها مائة مرة فأكثر كتلة شمسنا ، والتي تنتهي حياتها عندما تستهلك كامل وقودها عندها لم يعد هناك شيء يمنع إنهيارها effondrement  على نفسها بفعل ثقالتها الجاذبة القوية جداً فيحصل ما يعرف بانفجار  المستعر الكبير السوبرنوفا supernova  ويتحول النجم المنهار إلى ثقب أسود. وهناك ثقوب سوداء متوسطة وأخرى صغيرة وبعضها مجهري ، وهناك ثقوب سوداء قديمة ولدت مع نشأة الكون المرئي إثناء الانفجار العظيم. من الأمور المدهشة التي ترتبط بالثقب الأسود تدفق الزمن . فلو كنت في رحلة على متن مركبة فضائية واقتربت من أفق الأحداث لثقب أسود دون أن تدخل فيه وبقيت تحوم حوله لمدة عشر دقائق  وعدت أدراجك إلى الأرض فسوف تجد أن مائة ألف عام قد مرت على الأرض، أي سوف تجد أمامك مستقبل الأرض بعد مرور مائة ألف عام في حين لم يمر عليك سوى عشر دقائق فقط. فالزمن ليس هو نفسه على الأرض وبالقرب من ثقب أسود. فهو يجري ببطئ عندما يكون قريباً من الثقب الأسود وإذا اقتربت من نقطة اللاعودة ومسست أفق الأحداث فسوف يكون التباطؤ الزمني لانهائياً  وتبدو للناظر من خارج الثقب الأسود عبر التلسكوب وكأنك متجمد الحركة فالزمن يبدو ساكناً لا يتدفق. في حين ينقضي مليون أو مليار سنة في أماكن أخرى في الكون المرئي. فالزمكان حسب آينشتين مرتبط بالكتلة والحال إن الثقب الأسود كثيف جداً في كتلته لذلك يؤثر على تدفق الزمن في مجراه الطبيعي كما تخبرنا نظرية النسبية العامة حيث لا يوجد زمن كوني واحد متشابه ومتماثل لكل الأشياء في الكون المرئي. لأن الزمن يتمدد وتباطأ ويتسارع حسب الظروف. ويمكن أن يحصل تباطؤ في الزمن إذا تحركنا بسرعات عالية واقتربنا من سرعة الضوء. فالثانية بالنسبة لك وأنت تسافر بسرعة تقترب من سرعة الضوء تساوي نصف قرن بالنسبة لوالديك على الأرض والعكس صحيح لو سافر والداك بسرعة عالية تقترب من سرعة الضوء لمدة ثانية ويعودان إليك وأنت واقف على ألأرض فسوف يجدان أن كبرت وشخت خمسين سنة وأصبحت أكبر عمراً منهما . القانون العلمي يثبت ذلك  ولقد تجسد في الفيلم الرائع انترستيلر حيث يعود الأب من رحلة لبضعة ساعات ويجد أبنته الصغيرة  عجوز طاعنة في السن و تكبره بأكثر من نصف قرن. صورة السماء تمنحنا منظراً مدهشاً وتعرض لنا أشياء غريبة فلكل نجم هناك صورتين أو أكثر، بل وربما عدد لانهائي من الصور حسب المسارات المختلفة التي يتبعها الضوء الصادر عنها خاصة بعد أن عرفنا بفضل آينشتين أن  الفضاء أو المكان محدب ومنحني وبالتالي لايأتينا الضوء منها على نحو مستقيم. فالثقوب السوداء تولد صور شبحية لكل جسم فضائي أو كوني. فهناك الصورة الحقيقية  وهناك الصورة الشبحية التي يأتينا بها الضوء المار من خلف أو بالقرب من ثقب أسود ولو قربنا الصورة بتلسكوبات متطورة جداً لرأينا عدد لانهائي من الصورة لكل نجم فالضوء يدور حول الثقب الأسود قبل أن يدور خارجاً ومبتعداً عنه إذا كان خارج منطقة أفق الأحداث . فوجود الثقب الأسود يؤدي إلى تشويه صورة السماء التي يمكن أن نراها في المناطق التي تخلو من الثقوب السوداء في الكون المرئي. ولو اقترب الضوء الصادر عن نجم أكثر من الثقب الأسود وسقط في أفق الأحداث فإن الثقب الأسود سيبتلع الضوء وتضيع صورة النجم الذي أطلقه. ويمكن أن يحبس الضوء الصادر عن نجم في منطقة بالقرب من الثقب الأسود حيث لايستطيع الضوء الإفلات منها  و لا السقوط في هوة الثقب الأسود بل يظل يدور حول الثقب الأسود إلى ما لانهاية خالقاً من نسميه بالكرة الضوئية sphère de lumière. نحن نعرف من الناحية النظرية أننا لو ولجنا إلى داخل ثقب أسود فسوف نشعر أنه يحيط بنا حتى قبل الدخول إليه ولو استمرينا في رحلتنا داخله فسوف تحدث أشياء لايتصورها عقل وتتخطى الخيال كتحول الزمن إلى مكان والمكان إلى زمن وذلك يتجاوز مدى الإدراك والاستيعاب والفهم البشري ومع ذلك أثبت العلماء هذه الحقيقة العلمية بحسابات ومعادلات رياضياتية عميقة ومتقدمة جداً.

يتبع