العراق ذلك اللغز العابر للأزمان، هل سيتجه نحو الحل أم نحو الحرب الأهلية؟ / د. جواد بشارة

العراق ذلك اللغز العابر للأزمان، هل سيتجه نحو الحل أم نحو الحرب الأهلية؟ / د. جواد بشارة

تاريخ العراق الحديث منذ تأسيسه في بداية القرن المنصرم، ناهيك عما مر به من مآسي في القرون الماضية، منذ السومريين ولغاية نهاية العثمانيين واحتلال البريطانيين لأراضيه، إتسم بالقسوة والوحشية والظلم وإراقة دماء مواطنيه على يد حكامه وجلاديه والغزاة الذين تعاقبوا على حكمه . واليوم هناك حفنة من الأشخاص  يتحكمون بمصير هذا البلد ومستقبله وبتركيبة وبنية العملية السياسية فيه، وهم الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وهادي العامري ومقتدى الصدر وقيس الخزعلي  وعمار الحكيم ونوري المالكي وفالح الفياض ومسعود برزاني وأياد علاوي وحلفاؤهم من المكونات الأخرى من السنة والأكراد، أي رؤوساء الكتل والأحزاب السياسية ، لا سيما الإسلامية منها إلى جانب أشخاص استخدموا كواجهات مثل حيدر العبادي وعادل عبد المهدي وإبراهيم الجعفري وغيرهم، وهم الذين فرضوا ، بمساعدة أمريكا وإيران، نظام المحاصصة الطائفية والإثنية وتقاسموا السلطة ونهبوا ثروات العراق.

المعادلة السياسية في العراق اليوم قائمة على الجهات التي حصدت أعلى الأصوات من خلال التزوير، في العملية الانتخابية الأخيرة سنة 2018 والتي أفرزت تحالف سائرون بقيادة مقتدى الصدر وتحالف الفتح بقيادة هادي العامري رئيس منظمة بدروتحالفات أخرى أقل مثل دولة القانون بزعام نوري المالكي وتحالف النصر بزعامة حيدر العبادي. وبأيدي هؤلاء ميليشيات مدججة بالسلاح كسرايا السلام ، وهي تعديل إسمي لجيش المهدي سيء الصيت، والحشد الشعبي ، الذي يضم ميليشيات الأحزاب الإسلامية المسلحة قبل فتوى المرجعية، والذين يشكلون الدولة العميقة صاحبة القرار الحقيقي والسلطة الحقيقية في كل ما يتعلق بمصير وحاضر ومستقبل العراق. وهناك فاعل آخر على الساحة العراقية لا يقل غموضاً في دوره وتأثير، ألا وهو المرجعية الدينية الشيعية التي يقودها اليوم علي السيستاني ومؤسساتها كالعتبات الدينية الحسينية والعباسية والنجفية والكاظمية وغيرها وهي في حقيقة الأمر دولة داخل الدولة. هؤلاء يشكلون أحد أطراف المعادلة أما الطرف الآخر  فهو الشعب العراقي بكل فئاته ومكوناته وانتماءاته . يقف الطرفان اليوم في مواجهة مصيرية ، فالطغمة السياسية  المسلحة تريد الإبقاء على مصالحها وامتيازاتها بأي ثمن ، والشعب الأعزل، وعلى نحو أخص  فئة الشباب منه ، الذي يريد استرجاع حقوقه وإعادة صياغة العملية السياسية البديلة لنظام الطاغية صدام البائد.

لغة الرياء والمماطلة والتسويف  وكسب الوقت والكذب والتدليس والتهديد المباشر أحياناً  والمبطن أحياناً أخرى ، هي السائدة لدى الطرف الحاكم في المعادلة العراقية، ولغة الإصرار والتحدي والصمود هي السلاح الذي يملكه المتظاهرون  المنتفضون ضد الطبقة السياسية الفاسدة . إيران، الدولة الإقليمية الدينية الشمولية ، تدعم وتساند وتوجه مجموعات الإسلام السياسي الماسكة بزمام السلطة في حين لايوجد ظهر يسند الشعب سوى إرادته وربما تعاطف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي غير المضمون فيما لو حدثت مواجهات دامية بين الطرفين وهو أمر متوقع.

عدت من العراق منذ يومين وعشت الواقع العراقي بكل تمخضاته ولمست  لمس اليد مايدور فيه في الكواليس والعلن ، واللوحة التي ارتسمت أمامي مرعبة فلا خيار  سوى النصر أو الاستشهاد أمام الشباب العزل ، ولا خيار أمام الحكام سوى الاستسلام والخروج بهدوء من العملية السياسية أو إعلان الأحكام العرفية وسحق الانتفاضة بالحديد والنار ، والحل الثالث البديل هو دخول طرف ثالث محايد كالأمم المتحدة وبرعاية المجتمع الدولي  لإرغام الطبقة الحاكمة على تلبية مطالب المتظاهرين والمنتفضين كلها وبدون استثناء وفق جدول زمني محدد ودقيق يبدأ بتعديل دستوري جوهري لطبيعة النظام القائم تشريع قانون انتخابي عادل يلبي طموحات الشعب ويتيح الفرصة للجيل الشاب أن يشارك في العملية السياسية التي ماتزال حكراً على الأحزاب والكتل السياسية القائمة، تشريع قوانين ملزمة وفورية لإنهاء الهدر المالي وحل مجالس المحافظات وجعل انتخاب المحافظين من قبل سكان كل محافظة بالانتخاب الحر المباشر والسري وتحت إشراف دولي وكذلك انتخاب النواب  بحيث يقلص عددهم إلى أقل من لنصف وتزال عنهم كل الامتيازات الخرافية التي يتمتعون بها وإنهاء امتيازات الرئاسات الثلاث الأسطورية ، وانتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع السري الشعبي المباشر  ومنحه سلطات دستورية إضافية والحد من سلطات الأحزاب  والكتل السياسية التي ستكون ممثلة فقط داخل قبة البرلمان في حال فوزها بانتخابات حرة نزيهة ومنعها من تبوء مناصب تنفيذية أو وزارية أو إدارية ، وإعادة تشريع قانون التقاعد وإلغاء امتيازات رفح وغيرها وتشريع قانون المساعدات العائلية للعائلات الفقيرة المتعففة وتشريع قانون البطالة وراتب الحد الأدنى للعاطلين وتوفير الرعاية الصحية ومحاسبة المتلاعبين بالقطاع الصحي والدوائي المنفلتين حالياً من أطباء وصيادلة وتجار فاسدين  ومتنفذين في الدولة ومعهم وزارة الصحة الفاسدة وتوفير الخدمات لا سيما الكهرباء والنقل ، التحضير لانتخابات مبكرة بعد حل مجلسي النواب والوزراء وتكليف مجلس القضاء الأعلى،  بعد تطهيره من الفاسدين بمهمة إدارة حكومة تصريف الأعمال المؤقتة لبضعة أشهر لا أكثر . سن قانون جديد للاستثمار يوفر  الضمانات ويشجع المستثمرين العراقيين والعرب والأجانب لإعادة ترميم البنية التحتية ، تنشيط ودعم القطاع الخاص لتوفير فرص العمل للعاطلين والخريجين وليس فقط الاعتماد على التوظيف الحكومي ، تشجيع الزراعة والصناعة المحليتين وحمايتهما من المنافسة غير الشريفة التي تستفيد منها دول الجوار، تنشيط مجلس الأعمار والتخطيط، والبدء ببناء الوحدات السكنية الرخيصة للخروج من أزمة السكن،  وقبل كل شيء منح سلطات للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي يجب أن يتمتع بقوة مستقلة رادعة لمحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة . وأخيراً سحب البساط من تحت أقدام المتحكمين بالعملية السياسية حالياً وعلى رأسهم هادي العامري والحشد الشعبي برمته وسحب السلاح من أيدي الميليشيات وحصرها بيد الدولة، وكذلك مقتدى الصدر وسرايا السلام التابعة له ، في أية تشكيلة سياسية قادمة بديلة لحكومة عادل عبد المهدي بعد استقالته أو إقالته .