قرمشة! / يوسف أبو الفوز

قرمشة! / يوسف أبو الفوز

بصراحة جدا، ان علاقتنا ودية وفيها احترام لخصوصية بعضنا الاخر، رغم كونه "متلزم"، حسب المفهوم المتداول عن الانسان المتدين، فصديقي يؤدي صلواته في اوقاتها، وان كان بسبب مشاغله، ووفق فتوى شرعية طبعا، غالبا ما يؤديها مرة واحده في فترة تناسبه تكون عادة في المساء، كما أخبرني. عليّ القول هنا بأن صديقي وإن كان لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير، فهو يحترم جدا حريتي الشخصية، فلا يعترض في لقاءتنا الدورية، في الأماكن العامة، ان طلبت كأس بيرة ويضعها النادل على طاولتنا المشتركة الى جانب فنجان قهوته المرة التي يشربها بدون حليب او سكر، بل هو يشاركني قرمشة حبات الفستق المالح الموضوعة بين كأس البيرة وفنجان القهوة وبشهية طيبة احسده عليها مما يدفعني عادة لطلب صحن ثاني.

الأهم من هذا كله، هو يعرف بكوني علماني الهوى، وهذا يعني مطالبتي بدولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها السلطة لمؤسسات الدولة والقانون، وأكرر دوما أمامه موقفي في ضرورة فصل الدين عن الدولة. للأسف صديقي لا يفرق بين العلماني والملحد، فهو يعتقد ان العلمانية هي الالحاد وعبثا حاولت ان اشرح له بأن الفرق كبير وشاسع، فالإلحاد معناه عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود الآلهة، بينما العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وعن الممارسات في الحياة الشخصية، وان الانسان الملتزم دينيا يمكنه ان يكون علمانيا، لان الامر يتعلق بشكل إدارة الدولة والمجتمع، لكن صديقي أصم أمام كل الحجج والتوضيحات.

صديقي مثلي ينتقد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، لكنه لا يشعر مثلي وغيري بالعار من سياسي الصدفة الذي جاءوا على الدبابات الامريكية، وتحولوا الى حيتان فساد واكلوا الأخضر واليابس في بلد يسبح على بحيرة من النفط ونسبة خط الفقر تجاوزت 35٪، وما ان نتحدث عن الموضوع حتى يقول:

ـ يمكن استبدالهم بناس أنزه منهم، نحن بلد ديمقراطي!

صديقي مثلي يكره البعثيين والمجرم صدام حسين، وما ارتكبوه بحق أبناء شعبنا في الوسط والجنوب وكردستان ـ هو عادة يسمي كردستان شمال العراق ـ، وهو مثلي يشعر بالغيض من ممارسات القيادات الحزبية في كردستان، التي تستغل مشاعر أبناء شعبنا الكردي القومية وتحاول ان ترسم لنفسها صورة البطل القومي المنقذ والخ، لكن ــ هذا أول لكن! ـ ما جعلنا نختلف في نقاشنا حول موضوع كردستان، فهو يخلط الأخضر باليابس، ولا يفصل ما بين الشعب الكردي، صاحب الحقوق المشروعة بتقرير مصيره، وبين القيادات التي تسلطت عليه وأصبحت جزءا من أسباب مصائبه. يتحدث صديقي او يكتب ــ نعم هو أحيانا يكتب على فيس بوك بوستات نارية، قصيرة وسريعة ــ فنجده يدين "الاكراد" لكونهم كذا ومذا. اخبرته مرارا بأن استخدام مفردة "الاكراد" يشابه استخدامنا لمفردة "العربان"، فكلمة   "الكرد" تقابل مفردة "العرب"، للأسف لم يصحح ذلك يوما ـ وهكذا بدأت بيننا "حرب المفاهيم".

اختلفنا حول مفهوم "المليشيات"، هو يسميها "الجماعات المسلحة"، ويعتقد بأحقية الاحزاب بامتلاك "ذراعها العسكري"، وطالما كرر بأنه لولا فصائل "الحشد الشعبي" لدخلت "داعش" الى بغداد و"نامت" مع العراقيات بحضور ازواجهن. ـ كلمة "نامت" هذه من عندي انا "المثقف الثوري " ــ حسب وصفه ــ، لأن صديقي عادة يستخدم تعابير أخرى أكثر واقعية وقريبة لحديث بسطاء الناس ـ، وحين اخبرته بأن غالبية الاحزاب تنادي بأن السلاح يجب يكون بيد الدولة، وان وجود " الجماعات المسلحة" يضعف أداء الدولة، ويساعد على نشوء "الدولة العميقة" حيث ان السياسي الفاسد يستند الى سلاح جماعته لفرض سطوته وحماية فساده، راح يكرر بأن داعش والبعثيين ما زالوا يملكون خلايا سرية ونشاط عسكري في المنطقة، وان حماية "المذهب" تسستوجب ذلك!

وما ان تردد مفهوم المذهب في أحاديثنا، حتى بدأت اول خلافتنا الكبيرة، فهو يرى ان المذهب بخطر، وان هوية العراق تحددها سلامة المذهب:

ــ وماذا عن الاخرين؟

لا يقدم صديقي إجابات مقنعة عن الكثير من اسئلتي، خصوصا من بعد انتفاضة تشرين/ أكتوبر إذ صرنا نختلف كثيرا، فأنا اتحدث عن انتفاضة، وهو يتحدث عن مجرد مظاهرات. اتحدث عن الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية وتجهيل المجتمع والخ، وهو يتحدث عن فيديو بنت مراهقة غنت كلمات مفككة عن التظاهرات على لحن اغنية مكروهة عندي وعند كثير من الناس من أيام الحرب الكارثية. أصبح صديقي يقضي وقتا طويلا في البحث عن نواعم هنا وهناك، وتصرفات فردية ليعممها وينشرها للاستهانة بالانتفاضة والتعريض بها، وصار همه البحث عن الأصابع الأجنبية التي تحرك المتظاهرين، حسب اعتقاده.

اعترف بأني لم استمع لبعض من معارفنا الذين يتحدثون عن تحسن أحوال اخ لصديقي، وكون ارتباطه بإحدى المليشيات المسلحة قد حسن احواله كثيرا وأصبح اسمه كمقاول نار على علم، وغضضت النظر عن التلميحات الى كون صديقي بهذا الشكل او ذلك لابد وان يصيبه شيء من قطعة الحلوى التي يتشارك بها أخيه مع "زعماء الحرب" كما يصف الشارع العراقي بعض قادة المليشيات. حرصت على أواصر الصداقة بيننا رغم اختلافنا في الكثير من المفاهيم متجاهلا كل الانتقادات التي تواصلت من بعض المقربين. اعترف بأن صديقي ذكي ومثابر، فهو يجيد المناورة للحفاظ على علاقتنا، ويفوت عليّ دائما فرصة قطعها لسبب ما بامتداحه لروحي الديمقراطية، ولكن قبل أيام وحين اخبرته على الهاتف باختطاف طبيبة شابة من شباب ساحة التحرير وهي في طريقها الى بيتها، والتهمة موجهة لاحد الفصائل المسلحة، رد بصلافة:

ـ هل تعتقد ان جماعتي هم الخاطفين، وحتى لو كانوا هم هذا ذنبها، الاخبار تقول خطفت في الليل وليس بالنهار، ماذا يعني هذا حسب عاداتنا وتقاليدنا؟ ماذا تفعل بنت حلوة مثلها بساحة التحرير حتى ساعة متأخرة من الليل؟ كان الأفضل ان تجلس في بيتها وتمارس حقها بتأييد التظاهرات بكل حرية وديمقراطية!

وجدت نفسي، في اليوم التالي، أقرمش حبات الفستق المالح لوحدي، وطلبت هذه المرة صحنا واحدا فقط!

4.11.2019 هلسنكي