قراءة في إنتفاضة أكتوبر العراقية / جاسم عبد الأمير عباس

قراءة في إنتفاضة أكتوبر العراقية / جاسم عبد الأمير عباس   

اصبح نظام المحاصصة السياسية الطائفية الأثنية رمزاً يجسّد كل القهر الذي أصاب العراق وشعبه، وما الإنفجار الشعبي ضد هذا الرمز الا الطريق الوحيد لدحر هذا القهر والسير بثقة نحو بناء نظام سياسي جديد، يأخذ على عاتقه إعادة الكرامة للوطن و يعيد للإنسان العراقي كرامته.  ويأتي في مقدمة مهمات هذا النظام إرساء دولة المؤسسات على أنقاض دولة الميليشيات، والانتقال من دولة الطوائف الى دولة المواطنة و محاربة الفساد. لقد كانت أحزاب السلطة الفاسدة على رأس من راهن على سلبية الشعب العراقي وعدم تحركه ضد واقعه الفاسد، والتي ردّت الجماهير عليه بتظاهرات ضخمة تحوّلت بسرعة قياسية الى إنتفاضة جماهيرية إتّسعت لتشمل وسط العراق وجنوبه بعد ان لجأت  السلطة الى إستخدام العنف المفرط في مواجهتها.

فماذا حققّت الإنتفاضة لليوم ؟ ما هي آفاقها؟ وهل تمتلك الآليات المناسبة لتتحول من حالة المعارضة السلمية في الشارع الى قوّة  قادرة على ترجمة ما خرجت الجماهير من أجله؟ بمعنى ، هل تمتلك الإنتفاضة أدوات التغيير، وما هي هذه الأدوات؟

لقد خاضت جماهير شعبنا منذ الإحتلال لليوم أشكال مختلفة من النضال ضد سلطة المحاصصة، فكانت هناك تظاهرات مطلبية ووقفات إحتجاجية على نطاق ضيّق وتظاهرات من أجل توفير الخدمات. ولم تؤثر هذه التظاهرات والوقفات على السلطة وتجاهلتها لأسباب عدّة، منها غياب المعارضة السياسية لها، غياب شبه كامل للنقابات العمالية، عدم فعّالية المنظمات الطلابية والشبابية والنسوية. كما أستفادت السلطة من حالة التأجيج الطائفي التي غذّتها بنفسها في المجتمع، والتي إستقطبت الجماهير في هذا البعد لسنوات طويلة ما ساهم في إندلاع الحرب الطائفية بالبلاد والتي كانت أحد أهم أسباب إستمرار أحزاب السلطة بالحكم. لقد تُوجّت الوقفات والتظاهرات المطلبية في تظاهرات ضخمة عامي 2011 و2015 ، الا أنها سرعان ما أنتهت لعاملين أساسين، أولهما قمع السلطة والآخر هو عدم تبلور وعي جماهيري كاف ليكون محركا لهذه التظاهرات كي تأخذ مديات أوسع كما هي عليه اليوم.

وهنا نتساءل : هل نزل الوعي فجأة من السماء ؟ أم تحقق خلال سنوات معدودة مع وجود نفس المكابح التي منعت ظهوره منذ عقود!؟ 

لقد حققّت الإنتفاضة خلال أقل من ثلاثة أشهر تغييرات مهمّة على الصعد السياسية والإجتماعية،  والإقتصادية لم يكن يتوقعها أكبر المتفائلين في بلادنا. ففي الجانب الإقتصادي نجحت الإنتفاضة وعن طريق تبني شعار مقاطعة البضائع الإيرانية، بترويج البضائع العراقية التي لم تكن قادرة على منافسة المنتوج الإيراني ذو التسهيلات الجمركية الواسعة. و أصبح التكافل الإجتماعي في ساحات التظاهر بمختلف المدن العراقية ظاهرة محيّرة للعديد من المراقبين المحليين وغيرهم، إذ تغلّبت الروح الوطنية لأول مرّة منذ الإحتلال ، على الروح الدينية والطائفية والقومية والمناطقية. كما حققّت الإنتفاضة قفزة كبيرة في مشاركة المرأة بقوة في ساحات الإعتصام والتظاهر كمتظاهرة وناشطة ومسعفة، ما حُطّمت قوالب إجتماعية فرضتها الدولة بخطابها الديني العشائري، والمثير لأغلب النقاد والمتابعين هو عدم تسجيل أية حالة تحرّش على رغم محاولات السلطة المختلفة الترويج لهذا الأمر.  كما ساهمت الإنتفاضة بجر أكبر عدد من طلبة الجامعات والمعاهد والثانويات الى المشاركة في التظاهرات، وهم بلا شك يعتبرون خزّان الماء الذي يروي الإنتفاضة كلمّا شعرت بالعطش الثوري. ومن الأمور التي علينا النظر اليها بتفاؤل كبير ايضا ، هو كسر الإنتفاضة لحاجز الصنمية الدينية والطائفية لحدود كبيرة، مما يعني إنحسار دور الدين في حقل السياسة لصالح الدولة العلمانية. 

أمّا على الصعيد السياسي فقد أجبرت الإنتفاضة القوى المهيمنة على السلطة لإتّخاذ خطوات لم تكن لتتخذّها سابقا، فأستقالة رئيس الوزراء تحت ضغط الشارع تعتبر إنتصارا كبيرا للجماهير التي واصلت رفع سقف مطالبها وجعلها في حزمة واحدة، لتضيف إليها المطالبة بإقرار قانون إنتخابي جديد وتشكيل مفوضّية إنتخابات نزيهة من خلال حكومة تصريف أعمال، تهيئ لإنتخابات برلمانية خلال فترة قصيرة على أن تنفّذ الحكومة بعدها سلسلة من الإصلاحات المهمّة، أهمّها تعديلات على فقرات عدّة من الدستور، ومحاربة الفساد وحلّ الميليشيات.

انتفاضة أكتوبر ليست حدثا عابرا في حياة وطننا وشعبنا ، بل هي حدث ثوري لم يشهد العراق مثله طيلة تأريخه الحديث. ومن المنطقي ان تحضى هكذا انتفاضة بنقد بنّاء لمعرفة مكامن قوّتها وتعزيزها وصولا لتحقيق أهدافها، ووضع اليد على سلبياتها لتجاوزها وعدم إنهيارها أو إستغلال نجاحاتها من قبل البعض بركوب موجتها لإعادة عقارب الساعة للخلف.

هناك أسئلة إشكالية عدّة من حقّنا طرحها ونحن نتناول حدث بهذه الأهمية في حياة وطننا وشعبنا، وطرحنا لهذه الأسئلة والبحث عن إجابات واضحة لها لا يعني مطلقا وجود طريق آخر لإنقاذ البلاد من سلطة عاثت وتعيث فيه فسادا غير إستمرار الانتفاضة حتى تحقيق أهدافها المعلنة. أنّ الإنتفاضة هي تعبير عن إحتجاج شعبي ضد سلطة القهر والفساد وإستفتاء جماهيري لرفض هذه السلطة وأحزابها، الّا أنّها لا تستطيع أن تبتعد عن الصراع الإيراني الأمريكي ومصالحهما في المنطقة والذي يدفع وطننا شعبنا ثمنه كما شعوب وبلدان أخرى. 

الولايات المتحدّة الأمريكية وهي تدافع عن مصالحها ومصالح الدولة العبرية في وجه التهديدات الإيرانية، لم تكن تريد وهي تتهيأ للإنتخابات الرئاسية العام القادم أن تتورط في حرب مباشرة مع إيران ولو على شكل ضربات لأهداف محددّة فيها. وقد إلتزمت بأقصى درجات ضبط النفس حينما ألغت ضربات جويّة على أهداف منتقاة، بعد أن أسقطت إيران طائرة أمريكية مسيّرة فوق الخليج في حزيران الماضي. الا أنّها سلكت منذ إنسحابها من الإتفاق النووي مع طهران طريق أضعف قدرات إيران الماليّة لحدود بعيدة جدا، عن طريق حصارها إقتصاديا ما جعل الحكومة الإسلامية فيها في موقف صعب داخليا وإقليميا، وهذا ما أكّده الرئيس الإيراني حينما قال قبل أيّام من أن الحصار كلّف خزينة بلاده ما يقارب المئتي مليار دولار. فعلى الصعيد الداخلي، إزدادت نسب البطالة والفقر والغلاء ما ينذر بإنفجار شعبي كبير كالذي جرى بعد إرتفاع أسعار الوقود أكتوبر الماضي، خصوصا وأنّ السلطة هناك عاجزة عن معالجة هذه الملفّات وهي تنوء تحت ظل حصار قاس. أمّا إقليميا فإيران وهي تحت الحصار أصبحت عاجزة عن تمويل أحزاب ومنظمّات كانت تمّولها ماليا لفترة قريبة، كالحوثيين وحزب الله اللبناني ما جعلهما في مواقف أضعف مما كانوا عليه قبل الحصار الأمريكي على إيران. أمّا في سوريا فأنّ إيران تتعرّض بشكل مستمر لقصف مواقعها من قبل الطيران الإسرائيلي، علاوة على ضبابية موقفها من الأحداث في شمال شرق سوريا نتيجة عجزها في الوقوف بوجه العربدة التركية فيها.

الّا أنّ الموقف الأمريكي في عدم التعرض عسكريا لإيران عوّضته أمريكا بمهاجمتها لأذرع إيران بالعراق، بقصفها لمعسكر " للحشد الشعبي" أدّى الى مقتل العديد من مقاتلي ميليشيا حزب الله العراقي، والتي جاءت ردا على مقتل متعاقد امريكي والذي دفع بإيران لتحريك أذرعها بمهاجمة السفارة الأمريكية ببغداد، والذي إتّخذته الإدارة الأمريكية كحجّة  ليتحقق أخطر حدث في العلاقة بين الدولتين (أمريكا وإيران) وهو إغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس. حادثة الإغتيال هذه سوف تلقي بظلالها على علاقات العراق بالولايات المتحدة وحلفائها ومحيطه الإقليمي، وعلى الوضع الداخلي بالبلد ومنه إنتفاضة أكتوبر ونهاياتها التي لازالت مفتوحة أمام إحتمالات مختلفة.

إنّ توقيت عملية إغتيال قاسم سليماني ليست وليدة اللحظة ولا ردّ فعل لحدث آني كمهاجمة السفارة الأمريكية ببغداد، ولا حتى مهاجمة قاعدة أمريكية ومقتل متعاقد فيها. بل هي عملية معقّدة وترتبط بحسابات إقليمية ودولية بل وحتّى إيرانيّة. فالرجل صندوق أسرار سلطة تتدخل في بلدان عدّة، ويمتلك الكثير من المعلومات حول جميع الحركات الشيعية وغير الشيعية المرتبطة أساسا بطهران. كما وأنّه بات يشّكّل خطرا حتى داخل إيران، فصراع الأجنحة فيها وتعدد مراكز القوى وقربه الشديد من المرشد الخامنائي  يجعله هدفا ليس للقوى الأجنبية وحدها، بل هدفا لمنافسيه داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية وعلى الأخص الحرس الثوري. وبالتالي فأنّ تصفيته قد يكون نتيجة عمل مخابراتي تشترك فيه العديد من الدول ومن بينها أجنحة داخل السلطة الإيرانية نفسها. لكن الذي يهمنا هنا هو، تأثير مقتل سليماني على وضع بلدنا الداخلي ومصير الإنتفاضة. فمقتل سليماني له إنعكاساته على الشارع العراقي، كونه ومن خلال مراسم التشييع الرمزية التي أقيمت له، أو من خلال مجالس العزاء التي كان "برلمان الشعب" سرادقا لها!! أو من خلال مواقف السلطة والمؤسسة الدينية، اللذان جعلا الشارع أو المجتمع أمام خيارين. فأمّا تكون مع أمريكا وهي الخيانة، أو تكون مع إيران كدولة جارة " قاتلت" داعش، وهذا يعني إنقسام المجتمع سياسيا بعد إنقسامه قوميا وطائفيا سابقا. وهذا يعني تكالب قوى عدّة على إنتفاضة شعبنا السلميّة التي شعارها نريد وطن بعيد عن الهيمنة الدولية والإقليمية، فهل كان قاسم سليماني هو كبش الفداء في إثارة الأسئلة حول إستمرار الإنتفاضة وتأليب القوى الدينية وميليشياتها وجماهيرها عليها وتهديدها؟ ويبقى طلب الأحزاب والعصابات الشيعية في البرلمان بخروج القوات الأمريكية من البلاد وهم من عقد معهم كل الإتفاقيات العسكرية وغيرها، مجرد زوبعة في فنجان. فلا الولايات المتحدة ستترك العراق لقمة سائغة لإيران، وهي التي تمتلك العديد من القواعد العسكرية وأكبر سفارة بالعالم فيها، ولا هذه القوى جادّة في موقفها الذي هو للإستهلاك المحلي فقط، والذي ستتراجع عنه بشكل أو بآخر مستقبلا.

 سوريا ولبنان واليمن على أهمية الأحداث فيها، لا تصل أهميتها للعراق ودوره المحوري بالنسبة لإيران. فالعراق  ليس عمقا إستراتيجيا لإيران، وليس الممّر الوحيد للهلال الشيعي الذي فقد بريقه اليوم والذي تحلم به إيران كونه يوصلها لسوريا ومنها للبنان فقط، بل هو (العراق) الساتر الأخير في حائط الصد الإيراني وهي تواجه الولايات المتحدة في حرب غير معلنة.  فالعراق يعتبر الرئة التي تتنفس من خلالها إيران إقتصاديا وماليا، كما ويعتبر العراق الساحة التي تحارب فيه إيران أمريكا لو إندلعت الحرب بينهما. لذا فأنّ إنهاء الدور الإيراني في سوريا ولبنان واليمن في كفّة، وإنهاء دورها بالعراق في كفّة أخرى. وهذا الصراع بين الدولتين في العراق هو من سيحسم مستقبل العراق والمنطقة. والإنتفاضة هي جزء أصيل من هذا الصراع بين القوّتين اللتين تتحكمان بمفاصل البلد. لذلك علينا النظر الى إمكانياتها في الوصول الى تحقيق اهدافها، ومقارنتها بتلك الإمكانيات المتوفرة للسلطة، أي ماذا يملك المنتفضون وماذا تمتلك السلطة، ما هي أدوات الإنتفاضة وما هي أدوات السلطة؟

سنتناول هنا أربع محاور في الصراع بين الجماهير والسلطة، ولنقيّم من خلالها نقاط الضعف والقوّة بينهما

الإعلام: لا يمتلك المنتفضون الّا مواقع التواصل الإجتماعي، والتي تستطيع السلطة حرمانهم منها في اي وقت بقطع الإنترنت بالبلاد، وقد مارست السلطة مثل هذا الأمر سابقا. كما وأنّ الإعلام العربي والدولي لم يتعامل مع الإنتفاضة بما يليق بها. وهذا النقص في التغطية الإعلامية لا تفتقده السلطة وميليشياتها التي تمتلك عشرات الفضائيات التي تكيل مختلف التهم الكيدية، كالعمالة للأجنبي وللسفارات بل وحتّى الطعن بالمنتفضين أخلاقيا وسلوكيا.

الوقت: الوقت مهم جدا في حسم الصراع بين الطرفين ، فكلّما طال وقت الإنتفاضة إزداد الخدر الجماهيري والملل فيها، وهذا يمنح السلطة وميليشياتها مجالا أكبر للمناورة مستفيدين من قوّة العصابات المسلّحة وسلطة رجال الدين وخطاباتهم التخديرية. وعليه فأنّ المنتفضون أمام مهمّة كبرى وهي، اعتماد سقف زمني معيّن لبلورة موقف واضح تجاه ما يجري بالبلد.  وهل ستستمر التظاهرات والإعتصامات دون أن يحسم المنتفضون أمرهم بكيفية إنهائها لصالحهم طبعا؟

المال: من يموّل الإنتفاضة..؟ من الواضح أنّ المعتصمين بغالبيتهم هم من أبناء الطبقة الفقيرة والكادحين والعاطلين عن العمل، وهم بغالبيتهم أصحاب عوائل وبحاجة الى مورد مالي ثابت وإن بحدّه الأدنى. وهذا يعني ترك العديد منهم وتحت ظروف العوز المالي ساحات الإعتصام، وهذا ما تراهن عليه السلطة المتخمة بالمال السحت الذي نهبته وتنهبه لليوم من أفواه فقراء شعبنا.

القيادة الميدانية: إحدى أهم إشكاليات إنتفاضة أكتوبر الجماهيرية، هي إفتقادها لقيادة ميدانية قادرة على توحيد وجهات نظر التنسيقيات الجماهيرية في مختلف المحافظات والتحدث بإسمها. وهذا يعني عدم إمكانيتها تشكيل وفد تفاوضي للدخول في مفاوضات ليس مع السلطة وحدها بل ومع الهيئات الدولية المعتمدة بالبلاد لتوضيح مواقفها تجاه شكل الحكم وطريقة تغييره لا إصلاحه. لقد إرتكبت الإنتفاضة خطأ كبيرا وهو ليس ببعيد عن تدخل قوى طائفية تعرف كيف تركب الموجة بإستمرار،  وهي ترفع شعار (كلا للأحزاب). فهذا الشعار سيترك الإنتفاضة دون ظهير سياسي واع قادر على تقديم النصح للمنتفضين في نضالهم، وهذا الشعار كان يجب أن يكون (كلا للأحزاب الفاسدة)، وهي التي خرج شعبنا ضدها في إنتفاضته هذه.

لم تستطع الإنتفاضة لليوم من ترشيح شخص مناسب ومقبول جماهيريا لمنصب رئيس الوزراء المستقيل، وقد يكون الأمر فيه شيء من الذكاء على أساس رفض المنتفضين للعملية السياسية برمتها. ولكن من الواضح انهم لا يمتلكون قيادة ميدانية قادرة على إتّخاذ مثل هذه الخطوة، وهذا بالضبط ما تعتبره السلطة ورقتها الرابحة.

ونحن نتحدث عن سبل نجاح الإنتفاضة والعوائق التي تواجهها دعونا أن نحسم الأمر ونقول، لقد إنتصرت إرادة الجماهير وأذعنت السلطة لمطالب الشعب وتمّ تعيين رئيس وزراء مقبول من قبلهم وهذا ليس ضربا من الخيال بل المستحيل بعينه، كون من يوافق على تبوأ المنصب هو البرلمان الفاسد نفسه والذي خرجت الجماهير ضده . فهل تنتهي القضية هنا !!؟

هل يستطيع رئيس الوزراء المقبول أن يحسم ملفّات مهمة كالتي تطالب الجماهير بها، وما هي الإمكانيات التي يمتلكها للمضي في تحقيق هذا الأمر؟ أنّ الملفات التي أمام رئيس الوزراء كبيرة فالفساد وحصر السلاح بيد الدولة يعتبران العقبتان الكبيرتان وبحاجة الى سلطة تشريعية، والسلطة التشريعية التي عندنا فاسدة من قمّة رأسها حتّى أخمص قدمها. ولغرض القيام بمهمة حصر السلاح بيد الدولة، فأنّه بحاجة الى جيش مهني وقوي وغير مسيّس، لا مثل الجيش العراقي الذي صادرته الميليشيات لتتحكم هي بالشأن العسكري بالبلاد تحت مسمّى الحشد الشعبي الذي تشكل أساسا بعد فتوى الجهاد الكفائي، والذي تشكل جزء منه من المتطوعين المقلّدين للسيد السيستاني وجزء اخر ميليشياوي كان موجودا بالاساس قبل تلك الفتوى، وهو من يتحكم بالبلاد اليوم بجهاز تحكم عن بعد مركزه طهران.

إن الإنتفاضة تمتلك الأدوات القادرة على التغيير، لكنها تفتقر الى وحدة الصف وهذا ما يجب تطويره من خلال تطوير شكل وأساليب النضال. فجرّ أكبر عدد ممكن من الجماهير الى ساحات التظاهر يكون بتبني برامج سياسية واقعية وليس عاطفية، فالنضال دوما ما يكون قاسيا وصعبا. كما وعلى المنتفضين فتح قنوات إتّصال مع ناشطين في محافظات كوردستانية وبقية محافظات البلاد الأخرى لتحويل مسار الإنتفاضة التي عليها الخروج من مساحتها الحالية الى مساحة الوطن بأكمله، فالفساد الذي دمّر بلادنا ليس في الوسط والجنوب فقط بل هو فساد يشمل البلاد بأسرها، والجماهير هناك تعاني كما جماهير الوسط والجنوب من البطالة والعوز والفقر، والعراق ليس عراق الوسط والجنوب فقط، بل هو عراق الجميع.

9/1/2020