جرائم البعث وإعدام الجواسيس ، والفقيد سالم داود سلمو نموذجاً/ كمال يلدو

جرائم البعث وإعدام الجواسيس ، والفقيد سالم داود../ كمال يلدو

      سوف لن تطوى صفحة البعث القذرة حتى تُكشف كل جرائمه، وحتى تدان كل قياداته ، ويقدم الاحياء منهم للعدالة، وحتى ينظف العراق من هذا الحزب العميل وافكاره الشوفينية .فمنذ العام ١٩٥٩ وحتى بعد نيسان ٢٠٠٣ ، ماض في الجريمة ، ماض في القتل والارهاب ، ماض بتطبيق سياسة اعداء العراق ، وسأتقدم بالسؤال لكل من مازال يدافع عنهم : ضع نفسك محل مئات الآلاف لابل الملايين من العوائل التي دفعت الثمن غاليا: لماذا ؟ ولم

صلحة من؟ وما الذي جناه الشعب العراقي منذ انقلاب ٨ شباط الدموي عام ١٩٦٣ ولليوم.  لقد مارس هذا الحزب ابشع انواع الارهاب والترهيب والانتقام  من خصومه ، عبر اتهامهم بالتجسس او بالاغتيالات او بحادث سيارة ، او عن طريق الذبح ومسلسل ابو طبر ، او حتى بالتسميم . نعم تلك كانت سياسة البعث ومازال البعض يتسائل: لمصلحة من ولماذا يلجأ الحاكم الى كل هذه الجرائم ، وهو جاء للحكم كما يدعي بأنه لخدمة المواطنين .

حكايتنا اليوم عن المغدور به، الراحل سالم داود زيا سلمو، من مواليد العام ١٩٤٤ في بلدة تلكيف التابعة لمحافظة نينوى وانزل به حكم الاعدام في آب ١٩٦٩ بتهمة الجاسوسية.  درس  الابتدائية في مدارسها، وفي العام ١٩٦١ انتقل للسكن في بغداد عند شقيقته حتى العام ١٩٦٣ حيث اقترنت، ومن ثم انتقل الى البصرة للسكن والعمل مع والده ، حيث اشتغل نادلاً في (ملهى النصر) . تزوج مطلع العام ١٩٦٩ من السيدة (سعيدة)  . وفي تلك السنة تحدث اليه والد زوجته وقال له: إذا عندك شئ قل لي،  فأنا اعرف الكثيرين الذين لن يبخلوا عليّ بالمساعدة ، لان الامن جاؤا الى هنا يسألون عليك ! فأجابه : لا ، ليس عندي اية مشكلة.

كانت زوجته قد ظهرت عليها علامات الحمل، وفي احد ايام ١٩٦٩ اقتيد من مكان عمله وانتهى الامر!

يقول شقيقه الاصغر  السيد رعد داود سلمو، مواليد ١٩٥٤: مازلت اتذكر ذلك اليوم من شهر آب ١٩٦٩، وكان عمري ١٥ عاما، وكنت انقل الماء من بيت عمي الى بيتنا في تلكيف، إذ تناهى الى سمعي حديث الناس بأن (أخي ) قد اعدم!   فذهبت الى البيت مسرعا ، وفتحت الراديو ، وإذا بنشرة الاخبار تقول : اعدام أخي سالم بتهمة الجاسوسية لاسرائيل وامريكا .  والحقيقة تسمرتُ ووقع هذا الخبر علينا مثل الصاعقة ، فالموت شئ محتم على كل انسان ، لكن الاعدام وبتهمة الجاسوسية ، فهذا امر صعب جدا في مجتمعنا وفي بلدتنا الصغيرة .

لم تقوى عائلتي على الذهاب الى بغداد وجلب جثة أخي سالم من هناك، فقد قامت بذلك خالاتي (مشكورات) وجلبنه الى تلكيف ، في اليوم التالي، حيث قمنا باصطحابه الى مقبرة البلدة  والتي كان يشرف عليها آنذاك (اسكندر يونوـ–جحالي) ، فقمنا بدفنه انا ووالدي ومسؤول المقبرة، حيث لم تجرى عليه حتى صلاة الميت أومراسم الدفن المعهودة، إذ امتنع كاهن البلدة من إصطحابنا خشية من انتقام الحكومة، فووريَ  الثرى يومها وحيدا حزينا مغدورا !

يعود شقيقه الاصغر رعد للحديث قائلا: تحولت حياتنا الى جحيم بعد تلك الواقعة ، وكان القلق والخوف مرادفا لخيالنا ، ولا نعرف ماذا يضمر النظام لعائلتي بعد تلك الجريمة . لقد اصيب والدى بمرض جلدي بعد الحادثة ، وعانى منه كثيرا حتى وافته المنية وهو مهموم بأخي عام ١٩٧٦ في البصرة ، حيث كان يسكن منطقة (البريهة) الشعبية . اما والدتي المرحومة (حنية مراد قرجو) فقد توفيت عام ٢٠٠٥، ولم يغب عنها يوما او ساعة،  طيف أخي سالم، وكانت تعيش وكأنه ظلها الغائب.

تذكر رعد حادثة غريبة جرت له في اواخر السبعينات، حيث قصده للبصرة احد اصدقاءه من (عرب تلكيف) ، فما كان منه إلا ان اصطحبه للبيت ، إذا طلب منه الاقامة لبعض الوقت (وهذا هو حق الجار على الجار عند الاشراف). وشاع خبر هذا الضيف في المحلة ، ثم قامت الاستخبارات العسكرية بالقاء القبض عليّ وعلى شقيقي ونحن في العمل ( بار الاهرام ـ و بار آسيا) في البصرة ، وبعد التحقيق اقتادونا الى وزارة الدفاع في بغداد ، وانا مندهش من كل هذا الامر ، وصرت اخشى ان اذهب بها انا وأخي مثلما ذهب من قبلنا  أخي سالم.

اشرف على التحقيق معنا ملازم اول و نقيب، وخلال التحقيق قلت لهم بأن أخي اعدم عام ١٩٦٩ بتهمة الجاسوسية ،  لخشيتي من اخفاء اية معلومة عنهم ، وربما كي ينظروا الي بنظرة عطف ، وتبين  بأن سبب احضاري الى بغداد كان جراء استضافتي لعسكري هارب من الخدمة كان قد اعتدى على احد المراتب وأختفى ، عندها شعرت بنوع من الاطمئنان وهنا حدثت المفاجأة ، حيث قال لي كلا المحققان:

راح الاخضر بسعر اليابس ، من ورة هاي الشكولات ، روح .....اخوكم ما جان عنده شي!

نعم، كنتُ على يقين بأن اخي (ما جان عنده شي )، وإن آخر ما كنتُ اتوقع منه ان يكون جاسوساً ، لكن والحقيقة التي يجب ان اقولها ، فقد قال لي الكثرين من اصدقاءه المقربين بأنه كان يحمل افكاراً (يسارية) لا اكثر ولا أقل ، اما بعض اصحابه الذين رافقوه في قصر النهاية فقالوا لنا ، بأنهم تفاجؤا من الاعدام ، لان كل الاشارات كانت تدل على انه سيطلق سراحه قريبا ،  لكن التهمة وحاجة البعث للمزيد من القرابين لتمرير مشروعه في بث الرعب عند الناس كانت اسرع !  اما عن حالنا لاحقاً ،  فانظر للثمن الذي دفعته العائلة طوال هذه السنين ،  وعلى رأسها زوجته ، وابنه (منهل) الذي ولد يتيماً ، والمجتمع الظالم ، والنظام الاكثر ظلما ، فاضطر معظمنا للهجرة والخلاص من ذاك الجحيم ، ومن بقي ، فقد تعايش مع الالم حتى تمكن منه .

**الذكر الطيب للراحل سالم داود زيا سلمو

** العار لنظام البعث الذي زرع المآسي والاحزان في كل دار

** وبأمل ان يأتي اليوم وتنصف الانظمة هذه العوائل والضحايا وتعيد لهم كرامتهم

تشرين ثان ٢٠١٨