تخليدا لنضاله وسط بغداد.. افتتاح شارع يحمل اسم شمران الياسري (ابو كَاطع) / طه رشيد

سبق وان أصدر مجلس محافظة بغداد يوم 7 أيار الماضي، بموافقة الاغلبية المطلقة، على "تغيير تسمية (شارع 10) الشارع الرابط بين ساحة الاندلس ومجسر ملعب الشعب باسم شارع شمران الياسري (ابو كاطع)". والجدير بالذكر ان مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ينهض في مدخل شارع شمران الياسري من جهة ساحة الاندلس، ويحتل مقر اتحاد الادباء والكتاب في العراق موقعا مهما في الشارع نفسه، حيث يرتفع في صدارته تمثال الشاعر الجواهري الكبير مطلا على الشارع.

وبهذه المناسبة اقام الحزب الشيوعي العراقي احتفالية صباح يوم أمس في ساحة الاندلس بالمناسبة بحضور مجموعة كبيرة من الرفاق والأدباء ومحبي الفقيد. بدأت الاحتفالية بكلمة للجنة المركزية للحزب ألقاها عضو المكتب السياسي الرفيق عزت ابو التمن وجاء في الكلمة" لأول مرة تشهد بغداد احتفالا كهذا في مناسبة مثل هذه. فهو من ناحية احتفال بافتتاح الشارع ورفع الستار عن اللوحة التي تحمل اسمه، وهو من جانب الاحتفال بوفاء بغداد، عاصمتنا الحبيبة، لهذا العراقي الفذ: شمران الياسري (ابو كاطع)..(نص الكلمة في أدناه).

وكانت الكلمة الثانية لعائلة فقيدنا ابو كاطع قرأها نيابة إحسان شمران الياسري والتي جاء فيها :" لم تبتهج عائلتنا مذ رحيله الى غربته الاولى في المنفى، ثم رحيله الابدي، مثل بهجتها اليوم، باحتضان بغداد العظيمة لهذا الاديب الكبير .."، وعن اهتمام العراقيين بإرث ابو كاطع الادبي قال احسان: " لقد احتفى العراقيون بشمران ايام الطغاة، مثلما احتفوا به بعد ذلك، فقد تداولوا اسمه ومؤلفاته ومنهجه، ونُسخت مؤلفاته وتم توزيعها سراً، ثم عند رحيل الطغاة، احتفوا به بمؤتمراتهم وندواتهم..". (نص الكلمة في أدناه).

وفي ختام كلمته قدم احسان شمران الياسري الشكر لحزبنا ومجلس محافظة بغداد وأمانة بغداد وللاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الذي كان له كلمته في هذه الاحتفالية، ألقاها الناقد المعروف فاضل ثامر حيث أكد على أن احتفاء " الاتحاد" بشمران الياسري يأتي من باب الأدب، لكون ابو كاطع كان كاتبا روائيا من طراز خاص وخاصة من خلال رباعيته الشهيرة.   وعبر فاضل ثامر عن فرحه بان هذه الاحتفالية التي تقام تحت نصب " فتاة بغداد " للفنان الراحل محمد غني حكمت، وطالب فاضل ثامر بهذه المناسبة بتشكيل لجنة وطنية للعناية بالنصب والتماثيل وبالأخص نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم. كما طالب من جهة اخرى الجهات المسؤولة بإبداء اهتمام أكبر برموز البلد الثقافية والفنية والعلمية وإطلاق أسمائهم على الساحات والشوارع.

ومعلوم ايضا بان مجلس محافظة بغداد سبق وأن قرر في وقت سابق تسمية الشارع المحاذي لجامعة بغداد في الجادرية باسم العالم الكبير الراحل عبد الجبار عبد الله.

بعد هذه الكلمة الختامية توجه المحتفلون، يتقدمهم مجموعة من قيادة الحزب، إلى وسط الشارع لإزاحة الستار عن القطعة الكبيرة التي تحمل اسم شمران الياسري(ابو كاطلع) تخليدا لنضاله وكتاباته الصحفية والادبية والاذاعية  التي اتسمت بقربها من نبض الشارع وملامستها هموم الناس وتعبيرها عن طموحاتهم بحياة حرة كريمة.

كسر جدار التجاهل للشخصيات المدنية والديمقراطية *

الاخوات والاخوة الاعزاء

الحضور الكرام

نحتشد هنا اليوم لنحتفل بحدث فريد في بابه.

فلأول مرة يُطلق على أحد شوارع بغداد اسمُ مناضلٍ وطنيٍ تقدمي، أصيلٍ وراسخ في ولائه للشعب والوطن، ولقيمِ الانسانية والجمال والحياة، الى جانب كونه شخصيةً ثقافيةً – سياسيةً لامعة، ووجها اعلاميا شعبيا ذائعَ الصيت.

ولأول مرة تشهد بغدادُ احتفالا كهذا في مناسبةٍ مثلَ هذه. فهو من ناحية احتفال بافتتاح الشارع ورفع الستار عن اللوحة التي تحمل اسمه. وهو من جانب آخر احتفال بوفاء بغداد، عاصمتِنا الحبيبة، لهذا العراقي الفذ: شمران الياسري (ابو كاطع)، بكل ما يُمثله اسمُه من رمزية، تجمع الكثير من خيرة خصال الانسان العراقي ومُثلهِ وقِيمهِ.

وانه في الواقع استحقاقٌ لأبي كاطع، ولأمثاله من العراقيين الابرار، المستنيرين والمنيرين، ان يُحتفى بهم وبتضحياتهم وعطائهم، وان تُحفظَ ذكراهُم، وتُعرّفَ الاجيالُ الجديدة بإنجازهم وإرثهم، لتطّلعَ عليهما وتعبَّ منهما ما يُغنيها معرفةً ووعيا. ولتَعتبرَ في الوقت نفسه بخبرتهم، وتتعلمَ مما اكتسبوا في مسيرتهم ومن تجاربهم الحياتية، بمُّرها وحُلوها، من رجاحة عقلٍ وحصافةٍ وحكمة.

ايها الاحبة

لابد لنا ونحن نُحيي اليوم هذا الاحتفال، ان نتوجه بالتقدير والثناء الى مجلس محافظة بغداد، الذي كسَرَ في الفترة الماضية، بإطلاقه اسمَ ابو كاطع، وقبلَه اسمَ العالم عبد الجبار عبدالله وربما اسماءَ غيرِهما، على بعض شوارع العاصمة .. كسَرَ جدارَ التجاهل للشخصيات المدنية والديمقراطية والتقدمية، وللاحداث التاريخية ذات الاهمية الوطنية، عند تسمية الشوارع والساحات والاماكن والمواقع العامة الاخرى، من طرف معظم مجالس المحافظات.

وينطبق هذا على الدوائر البلدية ايضا، ربما باستثناء بلدية النجف الاشرف وحدَها، والتي كانت سبّاقةً في هذا المجال، عندما اطلقت قبل سنوات اسمَ الشهيد الخالد سلام عادل على احد شوارعها الرئيسية. بل وتجاوزت ذلك لاحقا حين سمّت شارعين آخرين باسمي الشهيدين حسين الشبيبي وحسن عوينه، وشارعا ثالثا باسم المناضلة نرجس الصفار.

وان الكثيرين من مواطنينا في مختلف المحافظات والمدن والبلدات، ينتظرون اليوم من مجالس محافظاتهم ودوائر بلدياتهم، ان تحذو حذو مجلس محافظة بغداد ودائرة بلدية النجف، وتسير على خطاهما في منح الاعتبار للوجوه الوطنية الديمقراطية والتقدمية، السياسية والثقافية والاجتماعية، بتسمية مواقع رئيسية ومعالم هامة في مدنها وحواضرها باسمائهم.

الاخوات والاخوة الاعزاء

شكرا لكم على المشاركة في احتفالنا هذا، الذي نردُّ به، سويةً مع مجلس محافظة بغداد الموقر، بعض الدَيْن الذي في رقابنا لشمران الياسري (ابو كاطع) ابن العراق البار، الاعلامي البارع والكاتب الروائي، وقبل هذا وذاك وبعدهما المناضل الثابت في سبيل الحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية، ومن اجل حقوق ومصالح الكادحين وعامة الشعب.

والسلام عليكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* القاها الرفيق عزت ابو التمن عضو المكتب

السياسي للحزب الشيوعي العراقي

شهادة كبرى *

قبل أيام، أصدرت دائرة عقارات الدولة ما يشبه الشكر للحزب الشيوعي العراقي على التزامه بأداء ما عليه من التزامات لإشغاله إحدى عقاراتها.. وقد أشّر ذلك موقفا ليس غريبا عن الحزب بكل معايير النزاهة والامتثال للقانون.. ويومها قلت: نم قرير العين شمران الياسري، فحزبك لم يزل في الصدارة من معايير النزاهة والامتثال للقانون..

ويوم السبت الثالث ما آب 2019 تم إماطة الستار عن اللوحة التي تحمل اسم شمران الياسري، على الشارع الذي يقف فيه تمثال الجواهري العظيم في مبنى اتحاد الادباء والكتاب العراقيين.. إنها بشائر على عافية بغداد، وأهل بغداد.. وقد ألقيت كلمات جميلة باسم الحزب والاتحاد وعائلة الفقيد.. وسأضع فحوى كلمة العائلة في هذا المكان، وبعدها أنقل نص عموده المنشور عام 1974 (سناين جعلوط) لمناسبة التزام الحزب بالقانون وعدم التزام آخرين...

((في مثل هذا الشهر قبل ثمانٍ وثلاثين عاما رحلَ (شمران الياسري- أبوكاطع) متأثرا بجراحِ روحهِ وجسدهِ من حادثِ سيرٍ تدبّرهُ القدرُ وربما الطغاة..

ولم تبتهجْ عائلتُنا مُذ رحيله إلى غربتهِ الأولى في المنفى، ثم رحيله الأبدي، مثلَ بهجتِها اليوم، باحتضان بغدادُ العظيمةِ لهذا الأديب الكبير..

فبغداد إذ تَمدُ يدَها بودٍّ الى روح شمران، لتضعَها مع إسمهِ في شارع رحبٍ من شوارعها، إنما تمدُ في خيمتِها لتظللَ نجما من نجومِ العراق، ولتسردَ في رحابِ مكنوناتِها ذلك الجزءَ من القصةِ المقدسةِ لمبدعي الوطن..

إننا اليوم نتشاركُ هذا الوفاءَ لبغداد..

مجلسُ محافظتها كان بارا بهذا المبدع، وأمانةُ بغداد كانت وفيةً له..

ولا أدري من تفضّلَ أيضا بدعمِ هذه البادرةِ الجميلة.. غيرَ أنَّ حزبَ شمران، حزبَ الكادحين، الذين صدحَ باسمهم أبوكاطع سنينَ عطائه، كان مبادرا ليضع اسمِ شمران في ذكرياتِ بغدادَ الحبيبة وأهلها..

شمرانُ الياسري، الصحفيُّ والإذاعيُّ والروائي والسياسيُّ، كان يجوبُ عيونَ الناسِ وعقولِهم، يرى ما فيها، فيكتبُ عنه، ويكتبُ عنهم.

وقد فتحت روايتهُ الرائعةُ سجلَّ العراقِ ودولتِهِ الحديثة منذ عام 1920 وإلى تداعيات اغتيالِ الجمهورية الأولى عام 1963. لهذا، كان وفاءُ العراقيين غزيرا، بغزارةِ القصةِ الفاتنةِ، وعمقِ الإطلالاتِ البهيةِ التي سجلها الراحل.

لقد احتفى العراقيون بشمران أيامَ الطغاةِ، مثلما احتفوا به بعد ذلك. فقد تداولوا اسمه ومؤلفاته ومنهجه. ونسخوا مؤلفاته ووزعوها سرا. ثم عند رحيلِ الطغاةُ، احتفوا به بمؤتمراتهم وندواتهم.

وكان من جميل ذلك، إعادةُ طبع روايته من قبل وزارة الثقافة في عهد وزيرها الأستاذ مفيد الجزائري.. وتخصيص جامعة واسط قاعة باسمه في عهد رئيسها المثقف اللامع الدكتور جواد الموسوي. وآخرها هذا التكريم لاسمه في بغداد.

نم قريرا أبوكاطع، فاتحادك (اتحاد الأدباء) على خطوتين منك، وبيتك (بيت الحزب) عند الركن الآخر، واسمك في صدور الملايين، وصراحتك على كل لسان..

نم قرير العين.. فشارعُ شمران الياسري شهادةٌ كبرى على عافيةِ بغداد ونجابةِ أهلها.. وعلى صدقِ أحلامِنا في أن نرى اسمك يوما في بغداد..

شكرا للحزب الشيوعي العراقي.. شكرا لمجلس محافظة بغداد وللمحافظة.. ولأهلِ بغداد..

شكرا لأمانة بغداد.. شكرا لاتحاد الادباء.. شكرا لمثقفي العراق)).

سناين جعلوط

إن موضوع الازدواج في المعايير وعدم المساواة، أحد القضايا الذي ظل يحرّض عليه أبوگاطع في الصحافة وفي مجالسه.. وقد استخدمه للتعبير عن الاحتجاج لسلوك شاع في ذلك الزمان ولازم الطبيعة المشينة لسلوك السلطة في التعامل مع المجتمع، فضلا عن المعارضين، بعد استبعاد الحلفاء عن طريقها..

وأجده اليوم في قصة امتثال الحزب للقانون، وعدم امتثال آخرين.. فقد لازَمْتُ الراحلَ مدة طويلة، لم أجده إلا منسجما مع نفسه. وهو مستعد أن يضرب مثلا بنفسه وصديقه خلف:

(( زارني خلف الدواح ضحى، في إدارة الجريدة، وجلس كعادته دون كلفة. قدمت له سيگارة وأشعلت واحدة لنفسي، ثم انصرفتُ للكتابة غير متحرّج من إعراضي عنه. وبعد قليل رفعت عيني عن الورقة وابتسمت له، لكسر حدة الصمت، فحرّك رأسه حركة مألوفة لي، وأجاب على ابتسامتي بأحسن منها، ثم نفض سيگارته دون عناية فسقط رمادها على المقعد..

اغتنمتها فرصة لمناكدته وقلت: والله مشكلة.. المعيدي ما اتصيرله چاره !! غير حاطين جِدّامك نفّاضه، ليش تنفض رماد جگارتك على القنفه؟

ضحك خلف وقال: من أول ما ورّثت جگارتك لهسه، فاطنلك، وأشوفك كلما تجذب نفس تنفضها على اچتافك، هم موش على السكملي! وانت جدّامك نفّاضه أكبر.. ردت اگلك.. وتالي شاورت روحي وگلت خايب يخلف اتظل طول عمرك شرّاي طلايب؟

هسّه ما دام انت بديتها وعاتبتني، لازم اگلك: علّم روحك يالله تحچي على الوادم !!

قلت متصنّعا الجد!: آنه وحّد وانت وحّد.. آنه اكتب ومشغول فكري بالكتابه.. انت شنهو عذرك؟

قهقه خلف الدواح منتشيا وقال: سالفتك مثل سالفة شيخ جعلوط.. يوم من الايام، گطع عگله ايسوي سناين للعشيرة.. جمع كل رؤساء الافخاذ ومذاريب العشيرة.. گاللهم: كثرت طلايب العشيرة ومشاكلها، واريد اسوي سناين مكتوبة، حتى تنضبط.. صيحوا للملا يكتب المضبطة..

بدأ شيخ جعلوط يملي على الملا بنود المضبطه:

أول شي، اللي يبوگ گرايبه ترجع البوگه امربّعه. ثاني شي اللي يصوّب ابن عمه هيچ عقوبته.. واللي.. واللي.

ما أطوّلها عليك، سوّاها سير وسريده.

وآخر شي التفت جعلوط للملا وگال: اكتب يا مُلا.. اكتب: اولادي واولاد اخوي ما تشملهم هاي الشروط !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* القاها إحسان شمران الياسري عن عائلة الراحل ابو كاطع

ادب ابو كاطع

ـ اهم روايات ابو كاطع هي ( الرباعية ) وتتضمن : (الزناد / بلا بوش دنيا /غنم الشيوخ / فلوس إحميّد ) حيث جسد فيها تاريخ المجتمع العراقي من خلال مفردات الريف الاقتصادية والسياسية والفكرية بنماذج وشخصيات رسمها من واقع الريف العراقي ... وقد كتب شمران الياسري هذه الرباعية على ضوء الفانوس في الفترة التي تخفى فيها عن اعين السلطة بعد انقلاب شباط الاسود وكان يصل الليل بالنهار وهو يكتب هذه الملحمة التي نشرت عام 1972 ضمن منشورات الثقافة الجديدة وأعيد طبعها بعد عام 2003 من قبل وزارة الثقافة.