طريق الشعب: معالجة قانونية ام سياسية؟

اقدم مجلس النواب يوم امس الاول الاثنين على خطوة تثير الاستغراب. فقد صادق على قرار ينص على الغاء جزئي لنتائج الانتخابات التي مضى على اجرائها نحو ثلاثة اسابيع، في خطوة اولى – كما يبدو – نحو اعادة النظر فيها كاملة وإلغائها.

والمستَغرب في الامر ان اعضاء المجلس الحاضرين فعلوا ذلك وهم يعلمون ان قرارا كهذا لا قيمة قانونية له في الواقع. فالانتخابات جرت استنادا الى قانون نافذ، ونتائجها لا يمكن الغاؤها.

والاكثر مدعاة للاستغراب ان السيدات والسادة النواب، الذين يعرفون جيدا هذه الحقيقة البديهية، خاضوا طيلة الاسبوع الطويل الماضي، صراعا شديدا من اجل عقد جلسة كاملة النصاب لمجلسهم، حتى يتخذوا هذا القرار عديم الجدوى الى حد بعيد. وقد فشلوا مرتين في ذلك قبل ان يفلحوا في المرة الثالثة.

فماذا وراء الأكمة ياترى؟

نقول ذلك ونطرح هذا التساؤل، ونحن لا نريد تزكية العملية الانتخابية بقضها وقضيضها. فنحن ايضا على دراية بما حصل، خاصة في بعض المحافظات وفي مخيمات النزوح وفِي بعض بلدان المهجر. لكننا نعرف بالمثل وجيدا من هي القوى التي تستطيع التلاعب والتزوير، ونعني بذلك القوى المتنفذة التي تصول عادة وتجول في كل انتخابات، والتي تتوفرعلى امكانات تتيح لها ذلك، ويفتقدهاغيرها من الكتل المنافسة. لذلك كنا نحن نتضرر من هذه الممارسات قبل غيرنا، وكنا وما زلنا نرفضها وندينها جملة وتفصيلا.

ونحن اذ نؤشر هذا هنا، نؤكد في الوقت نفسه حق المتضررين في تقديم الشكاوى والطعون الى الجهة المحددة قانونا، وهي "الهيئة القضائية المختصة" في المفوضية العليا للانتخابات. وهذا ما جرى في انتخابات سابقة. ولكن يبدو ان ضخامة عدد من أصبحوا اليوم خارج مجلس النواب من اعضائه الحاليين، أغرت البعض على الاقدام على سابقة غير محمودة العواقب بالنسبة الى مجلس النواب، سابقة نرى انها لا توفر ارضية سليمة وسلسلة لتداول السلطة سلميا، وأنها ستترك اثرأ سلبيا على الحياة السياسية وتزيد من حدة التوتر فيها. وهذا سيترك، كما في مرات سابقة، بصماته على الوضع الأمني في البلد وعلى استقراره، مما كان يمكن تفاديه لو جرى اللجوء الى الطرق القانونية لمعالجة التجاوزات والخروقات التي ترتفع الشكوى منها.

لقد كنّا من أوائل من طالبوا بتهيئة المستلزمات الكافية لانجاح عملية الانتخابات، وبان يعاد النظر في المنظومة الانتخابية، وفِي المقدمة القانون الانتخابي الذي فصله المتنفذون على مقاساتهم. كما حذرنا من ان مفوضية مشكلة على أساس المحاصصة والحزبية الضيقة، لن تكون في موقع تستطيع فيه الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، ولن يكون في مقدورها الوقوف بوجه التحديات والضغوط التي ترافق العملية الانتخابية. لكن احدا من المتنفذين لم يستمع الى نصائحنا، بل وتمادوا جميعا في مواقفهم. وان ما يحصل الْيَوْمَ ليس بمعزل في جانب منه عن اليقين لدى هؤلاء المتنفذين، من ان الامور ستحسم لمصلحتهم، ولَن يفسح في المجال لغيرهم !

ونعود بعد هذا الى سؤالنا عما وراء اصرار مجلس النواب على اصدار قرار يعلم جيدا انه لا يتمتع بقوة القانون ولن يعالج شيئا بالتالي، لنقول ان الغاية من ذلك سياسية قبل كل شيء. لهذا فمن الحكمة والعقلانية، ومن منطق الحرص على مصالح الشعب والبلد العليا، ان لا يجري الاقدام على خطوات تزيد الامور تعقيدا، فيما تبقى الوسائل القانونية مسالك آمنة نحو معالجة ما يشار اليه من ثغرات وتقصيرات وحتى حالات تزوير.