مذكرات نصير العبور-١* / مؤيد بهنام

مذكرات نصير العبور-١*  / مؤيد بهنام                               

في ليلة ٩/ ٩ من عام ١٩٨٣ تقرر أن تعبر مجموعتنا الحدود السورية التركية من مدينة القامشلي..حين تبلغنا بالقرار تأججت في روحي مشاعر خوف وقلق من فكرة العبور نفسها وما ينتج عنها من احتمالات مصيرية تتوزع بين الحياة والموت كما واستشرت في روحي أهتزازات واحتقانات داخلية واستتفار نفسي مكتوم. ايقنت أنني الآن كما الآخرين قد وضعت نفسي في دائرة اللاعودة. ان لحظة العبور هي لحظة جسيمة هائلة في قوتها ودلالتها ستعني فيما تعنيه ترك عالم والانتقال إلى عالم آخر، عالم مختلف تماما محفوف بالمجازفات والمخاطر، عالم يترنح على نحو دائمي بين الحياة والموت وقائم على التضحية والقبول بعيشة الكفاف البسيطة جدا والتي تعني أيضا التخلي عن كل متع وملاذ الحياة بلا إستثناء تقريبا. ثم أنها تجربة جديدة تماما فريدة واستثنائية وغير مألوفة بكل المقاييس الإنسانية. لكن اندفاعا وحماسا كبيرين تدفقا حينها في ثنايا روحي مثل شلال هائل جرف معه كل الأفكار الضبابية التي تبعث على القلق والخوف والريبة.
عدت إلى التفكير بطريقة لم ألفها من قبل بمغزى وجودنا كبشر وفيما إذا كان هناك من هدف ما من عملية عبورنا إلى هذه الحياة وخروجنا منها، قسرا في الحالتين، وفكرت أيضا بمغزى قرار الذهاب إلى كردستان والالتحاق بحركة الأنصار وبمن الذي اتخذ القرار !
هل أنا فعلا من قرر ذلك بمحض إرادتي كما أظن ام أن الخطاب الحزبي العام والمهيمن انذاك، منذ اتخذت قيادة الحزب قرارها باعتماد اسلوب الكفاح المسلح، لم يترك لي وللكثير من الرفاق الاخرين فرصة الخيار في إتخاذ قرار حر مائة في المئة ؟ ولكي أكون صادقا تماما مع نفسي بقيت تتقاذفني، مثل ورقة صغيرة في مهب ريح، فكرة فيما إذا كان قرار الإلتحاق بحركة الأنصار حقا بمثابة قرار شخصي صائب وعقلاني، بمعنى قرار ذاتي وطوعي مائة في المئة أم أن هناك آليات قسرية صامتة تفعل فعلها في الخفاء ولا نحس نحن بها أو لا نرغب التفكير بها أو التشكيك فيها أو طرح تساؤلات بخصوصها واماطة اللثام عنها.
فكرت هل ممكن أن اقتل او أن يتم اسري في نفس يوم عيد ميلادي ! لأن عملية العبور، اذا ما امعنا التفكير والتأمل في ماهيتها، تحمل في طياتها معاني ورموز ومفارقات شتى من أهمها دون أدنى شك مفارقة الموت والحياة بكل دلالتها الغامضة الواقعية منها والرمزية.
انا الآن في ربيعي  الثامن والعشرين. تركت ألمانيا الشرقية بعد قضاء ست سنوات فيها.  الحقيقة أن اغلب رفاق المفرزة هم ممن أنهوا أو تركوا دراساتهم في مختلف بلدان أوروبا الشرقية. هل كان من الأفضل البقاء في ألمانيا وإلبدء في قسم الدراسات العليا ! ماذا يربح او يخسر الحزب في أنني اذهب الآن إلى الجبال في كردستان لكي التحق بحركة الأنصار وبكفاحهم المسلح !
أن مخالفة نهج الحزب وثقافة الكفاح المسلح التي بدأت تهيمن على الخطاب الحزبي والحديث الدائر بين الرفاق في الخارج، قيادة وقاعدة، الرد على عنف السلطة الفاشية الكاسح بعنف ثوري مماثل وصولا إلى إسقاطها، كان سينتج عنه بالتأكيد تهمة وصم من يرفض الإلتحاق بالحركة الأنصارية بالجبن والخوف وهما تهمتان خطيرتان لم يكن لي شخصيا طاقة على تحمل عواقبهما ولربما واجه الكثير من الرفاق الدارسين في جامعات بلدان أوروبا الشرقية نفس الحالة ونفس التساؤلات لكنهم مثلي حسموا أمرهم بشكل نهائي، رغم جميع التساؤلات وقرروا أخيرا الإلتحاق بالحركة الأنصارية.
ليلة العبور بدا وكأن غالبية الرفاق متوجسين من اشياء خفية ومبهمة قد تنتظرنا أثناء عملية العبور فيما لحظة الانطلاق بدأت تقترب وتعلن عن نفسها بقوة وحظور متزايدين.
الوقوع في كمين للجندرمة التركية، الموت والتشتت والضياع في أرض ومفازات وطرق وعرة وغريبة، صور كانت تعصف بمخيلتي وتتوهج في عقلي وروحي مثل لمحات البرق الصاخبة ثم تنطفيء لتختفي ثم تعود مجددا وهكذا دواليك.
نحن الآن بعدتنا وعديدنا جاهزون لاقتراف هذه المغامرة، مغامرة العبور والوقوع في فك المجهول أو العبور بسلام إلى بر الأمان.
كل شيء إنما يتوقف على الدليل الكردي، خصوصا كيف سيتصرف في حالة وقوع حدث طاريء ! ككشف المفرزة من قبل جندرمة الحدود التركية وقد تحدث معركة يتم فيها تبادل إطلاق النار. جميع رفاق المفرزة ليس لديهم خبرة او تجربة قتالية ناهيك عن كيفية إستخدام السلاح بشكل أصولي ومحترف. تلقينا تعليما موجزا مقتضبا وسريعا في أحد أطراف مدينة القامشلي هذه هي كل معرفتنا وعلاقتنا ببنادق الكلاشنيكوف التي نحملها الآن على اكتافنا.
مشاعر الخوف والغموض والترقب تتكاثف وتتقاطر في روحي كأنها مسامير تدق في جدرانها الرقيقة ونحن نقترب من شارع العبور في ليلة سبتمبرية بسماء رائقة وصافية مرصعة بآلاف من النجوم الصغيرة المشتعلة وضوء قمر خافت يسلط على المكان شعاع باهت هو أشبه بامتزاج وتلاحم ساحر بين الظلمة والنور... 

* سأحاول في حلقات خاصة الكتابة عن عملية العبور منطلقا اولا وقبل كل شيء من تجربتي الذاتية المحضة، وثانيا أيضا من حواراتي الكثيرة ومشاهداتي المثيرة مع العديد من الرفيقات والرفاق الأنصار الذين خاضوا تجربة العبور ذاتها بكل ما تعنيه من مخاطرات وتضحيات وبطولات....وأنا لا أطمح أن يتفق الجميع معي في كيفية وطريقة طرحي للمشاعر والخلجات والأفكار الدقيقة والحساسية للغاية التي ترافق عملية العبور قبل بدءها وأثناء حدوثها وبعد انتهاءها.. هل انتهت ؟!
* أحب أيضا أن أنوه أن هناك فروقات بين عملية الإلتحاق من الداخل أو الخارج بحركة الأنصار..لربما ساتطرق لها لاحقا....