مذكرات نصير – العبور4 / مؤيد بهنام ابو نسرين فصيل

مذكرات نصير – العبور 4  /      مؤيد بهنام ابو نسرين فصيل             

فجأة ونحن نخترق بمسيرنا ظلام الليل يأكل أجسادنا التعب والإرهاق اللذين فاقا كل حدود، انطلقت صرخة من أحد الرفاق فيها الكثير من الوجع الإنساني شقت الفضاء الصامت بيننا وأوقفت على الفور مسيرنا الليلي. كانت صرخة موجعة، صرخة إنسان جريح، اججت في نفوسنا اضطرابا جما ومشاعر خوف عميقة. توقفنا عن المسير في تلك الليلة القمرية الهادئة. ترى ما الذي حدث؟ دب فزع وقلق كبيرين في نفوس الرفاق. عرفنا بعد لحظات قصيرة أن أحد الرفاق سقط في حفرة صغيرة استقرت على حافة الطريق وأصيب برضوض جمة في أنحاء كثيرة من جسمه ولم يعد بذلك قادرا على المسير إلا إذا تخلى عن حمله وسلاحه.

سقطته أجبرت ادلاء المفرزة على وقف المسير وبالنسبة لنا كانت تلك فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس إذ أن التعب والإرهاق الجسديين كانا قد فاقا كل الحدود البايولوجية المعقولة والممكنة دون أدنى مبالغة. فما كان مني إلا أن اقتعدت الأرض الجبلية الصلدة وكان النعاس قد دهمني كوحش مفترس فغفيت في الحال انا الذي لا انام بهذه السهولة المفرطة.

كان السير لساعات طويلة وفي أغلب الأحيان تحت جنح الظلام في طرق وممرات جبلية وعرة تنحدر بشدة وبحدة، صعودا وهبوطا، أمرا غير مالوفا لجميعنا البتة، وفوق طاقة الاحتمال مرات لا تحصى ولا تعد. في إحدى الاستراحات سألت رفيقي الاتي معي من ألمانيا : 

- اكلك انت هم تغفه من تمشي؟

أجابني بصوت خافت ومرهق جدا :

- طبعا....

- زين لعد عبالي بس اني اسويها....

اتفقنا ان نمشي قريبين الواحد من الآخر، نوع من التآزر والتعاضد الرفاقي وأن يأخذ أحدنا بيد الآخر إلى أن نصل هدفنا. أنا نحيف الجسد متوسط الطول اما هو فعلى الضد مني تماما، طويل وضخم، انا رشيق وخفيف الحركة، هو على العكس بطيء الحركة نوعا ما وثقيل الخطى.

الرفيق ابو آذار كان دليل المفرزة يرافقه حسب ما اتذكر أيضا  الرفيق ابو خولة ( بعد سنة او اكثر من هذا التاريخ سينتقل الرفيق ابو آذار إلى نفس فصيلي، فصيل الحماية في مقر قاطع بهدينان ).

كانا يحثانا بإستمرار على المشي السريع وعدم التلكؤ ويخيفاننا بحجتين دائميتين، اكتشفنا لاحقا انهما ما كانتا سوى وسيلتان لخداعنا لمواصلة السير إلى الأمام وعدم التقاعس والتحجج بأي أمر لوقف المسير نحو هدفنا. الحجة الأولى كانت عبر تخوينا بالجندرمة التركية التي تراقب وتتعقب حركات البيشمركه  والحجة الثانية كانا يشيران فيها إلى قمة جبلية تبدو للناظر قريبة جدا ولكنها بعيدة في الواقع والوصول إليها يتطلب احيانا كثيرة تجاوز مرتفعات وانحدارات جبلية عديدة.

كانا، ابو آذار وأبو خوله متمرسان على المشي في الطرق الجبلية على الضد منا.

في العبور كان معنا الرفيق ابو شهاب طريق وكان رفيقا مجربا سبقنا في الإلتحاق بالحركة الأنصارية بسنين عديدة. وهو متدرب على المشي في الطرق والمسالك الجبليةالمضنية والوعرة تلك. كان في مهمة خاصة حسب ما افهمنا ولم يكن له أي دور خاص في المفرزة..

حينما خطونا خطواتنا الأولى داخل الأراضي العراقية، بعض الرفاق تملكتهم عواطف جياشة فاغرورقت أعينهم بالدموع. كان معنا رفيق في المفرزة بالغ جدا في حالته العاطفية حيث اخذ بكاؤه يشبه النحيب والصراخ والعويل. من جانبي اعتبرت ردت الفعل تلك على دخولنا الأراضي العراقية مبالغة فيها وأقرب إلى التمثيل منها إلى الانفعال الحقيقي الصادق...

فجأة سمعنا رفيقنا أبو شهاب يقول بأسلوب ساخر جدا وضحكة كبيرة تسور شفتيه مشيرا إلى الأرض :

-  هاي الكاع الصبخة الكاتلين روحكم عليها...تفضلوا.. ياما لوعتنه وعذبتنه...من مطاردات الجيش والجحوش.. ويا ما نفذنا بجلدنا بقدرة قادر !

فيما يخصني شخصيا لم أشعر بتلك العاطفة الجياشة التي انتابت بعض الرفاق في مفرزتنا وإنما على العكس تملكني حزن شفيف وإحساس شديد بأنني ما زلت في أرض غريبة لا علاقة لي بها لا من قريب ولا من بعيد.

كان الوطن بالنسبة لي ليس سوى بغداد في تلك اللحظات. وهو موضوع شائك لربما سأعود إليه لاحقا.

رفيقي من ألمانيا خاطبني :

- أشو ما ده تبجي مثل البقية عله تراب الوطن ؟

أجبته بثقة وببساطة تامة أنني لا أشعر أن هذا التراب هو تراب الوطن وحينما سرحت في تفكيري عاد فقاطع شروكي الذهني مجددا :

- بيش دتفكر ؟

أجبته بنبرة مشوبة بحزن صادق :

- دا افكر ابغداد..

أجابني على الفور :

- اني هم دا افكر ابغداد...

كان بغداديا هو الآخر...

لحظتها أحسست أن الدموع ترقرقت في عيني ولم نلبث أن سمعنا صوت الرفيق ابو آذار الحاد الرفيع :

- رفاق يله خلصت الاستراحة..تره الجندرمة الأتراك ورانا ورانا وبعدين تصير مو خوش...ومن نوصل ذيج القمة اللي دتشوفوهه نأخذ استراحة مرة لخ.. .

وأشار إلى تلك القمة القريبة التي استغرق وصولها مشيا على الأقدام أكثر من ساعتين !

* لابد هنا من أن أوجه تحية خاصة لكل الرفاق ابطال مفرزة الطريق الشهيرة..التي كانت تتكون من مجموعة كبيرة من الرفاق الأبطال والشجعان، الذين استشهد العديد منهم..اذكر ذلك بلوعة وحرقة صدر كبيرتين جدا...والعديد منهم ما زالوا يعيشون بيننا....

 

http://www.yanabe3aliraq.com/index.php/2017-01-23-16-10-51/2017-01-23-16-11-57/12890-3-2  العبور3 

 http://www.yanabe3aliraq.com/index.php/2017-01-23-16-10-51/2017-01-23-16-12-30/12970-2-3 العبور2 

http://www.yanabe3aliraq.com/index.php/2017-01-23-16-10-51/2017-01-23-16-12-30/12705-2019-02-24-17-57-38 العبور 1