مذكرات نصير/ مؤيد بهنام/ ابو نسرين فصيل

مذكرات نصير/ مؤيد بهنام/ ابو نسرين فصيل              

قلت مخاطبا نفسي: لعل الكفاح المسلح، كفكرة فحسب، فيها الكثير من الرومانسية الثورية، رومانسية مرهفة تقبع في الاعماق السحيقة المظلمة لوعينا ولها قوة جذب طاغية ولا مرد لها أحيانا كثيرة تعمل في الخفاء في منطقة اللاوعي. وأكاد أجزم أن الأمر كذلك ولا علاقة له ب لعل..

الميل للثورة، الوصول إلى ذروة الانتشاء بجذوتها المتقدة في النفوس التي نذرت عمرها لها، يماثل الوقوع بعشق امرأة لها جاذبية اخاذة لا تقاوم. ورغم كل المخاطر والمزالق المحتملة فإن العاشق والثوري مهما اختلف حالهما فكلاهما رومانسيان في نهاية المطاف لذلك يلقيان بروحيهما في مطبات العشق، عشق الحبيبة او الثورة المرتقبة، بوعي أو دونه.

قد أكون على خطأ لكن الثورة والمرأة متشابهان إلى حد بعيد في تملكهما لقوة جذب عنيفة صاعقة، والخيط رفيع وشفاف بين حالات الاستسلام او الفعل الثوري.

وإلا فما الذي ما الذي حدا بي لأن أكون هنا؟

ما الذي جعلني أترك الحياة المدنية بكل طيباتها وملذاتها وأقذف بروحي وجسدي في أتون مغامرة لا معرفة لي سابقة بها ولا تجربة ولا أعرف عواقبها ولا نتائجها المحتملة؟!

في وسط المفرزة كنت اسير اشتهيت سيجارة ونحن في طريق صاعد فاشعلت واحدة ( اريدو الذهبي ) وما كدت أنفث النفس الاول حتى لحق بي آمر المفرزة وخاطبني وكانه ينهرني:

 - شجاك ابو نسرين على صعده وتدخن... شل القضية يمعود...دخل نوصل مكان الاستراحة بعد شويه وعود دخن براحتك...

 كان الحق إلى جانبه، آمر المفرزة، الرفيق ابو أنيس. كان حينها مدخنا أكثر شراهة مني، لكني في تلك اللحظة اشتهيت تدخين سيجارة غير مبال بالطريق الجبلي الصاعد نحو السماء. فعلت أنا ما لم يجرؤ  على فعله أسوأ المدخنين: التدخين في حالة صعود جبل.

 ما زالت نكهة تلك السيجارة، سيجارة اريدو ذات الشريط الذهبي عالقة في ذاكرتي ( رغم أنني تركت التدخين نهائيا منذ عام ١٩٨٩ ).

التدخين له علاقة ما وأن تبقى غامضة بالإحساس بحالة من الانغماس برومانسية خلابة بشيء من التجلي او الانبهار الذاتي غير الموضوعي. التدخين في حالة ما إحساس شفاف بالنبل والطمأنينة الاثيرة والثورة المرتقبة.

لم اكمل تدخين السيجارة، رميت بنصفها المتبقي على قارعة الطريق أمامي ودعستها بحذاء السمسون وواصلت السير.

أحسست بآلام في كتفي الايسر*. هناك تكور في الكتف الأيسر من جهة الظهر يسبب لي أحيانا الاما مبرحة.

في اثناء الاستراحة اوقدت النار لعمل الشاي وتسخين علب اللحم البقري المفروم. بعد أن ملئنا بطوننا باللحم الساخن والخبز حان وقت شرب الشاي.

اخرج ابو أنيس سيكارتي اريدو الذهبي، تطلع في ببسمته الفريدة، قائلا:

 - هسه وكتها...هسه تدخين الجيكارة اوك..مو عله صعده!..

 تناول أبو أنيس قطعة حطب صغيرة وأشعل بها سيجارته ثم ناولني الحطبة لاشعل سيجارتي.

أحسست حينها بتعب ونعاس لذيذين. استليقت على ظهري وكورت عليجتي مثل مخدة. وقبل أن يغيب وعي بقليل حلمت بالمدن الفاضلة. الحلم الذي قضم اعمارنا مثلما يقضم العمر حبلنا السري على مهل. حلمت بسرير دافيء وببيت يلم اجزاء روحي وجسدي ويأويني وبسقف يحميني. حلمت بامرأة دافئة تشبه ثورتنا المرتقبة، تشاطرني السرير.

لا اتذكر أية ملامح ارتسمت على وجهي وقد دهمتني اغفاءة قصيرة لكن عميقة في نفس الوقت. هل كنت سعيدا ام كنت حزينا في تلك اللحظات الآسرة، لا أعرف أيضا.

وحلمت اني عدت من حيث أتيت وأن العالم ساحر وفاتن وجميل.

ثم صحوت على صوت آمر المفرزة وهو يصرخ بالجميع:

 - يا الله رفاق لازم انواصل المسير بعد شويه...او لازم انحمل البغال قبل ما نمشي !

 نعم رفيقنا العزيز آمر المفرزة لابد أن نواصل المسير لكن إلى متى؟!

 * ما انفك هذا التكور بين فترة وأخرى يعود على شكل عقدة صغيرة  في كتفي الأيسر يؤلمني ويزعحني.. فاضطر أحيانا للذهاب الى Osteopat...