أوراق أنصارية من الزمن الصعب / مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر 4 (د. أبو تانيـا)

أوراق أنصارية / مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر 4 (د. أبو تانيـا)

فصيل الأعلام المركزي

الفصل الرابع

معركة بشت آئاشان

إعداد فائز الحيدر

بعد رحلة شاقة دامت خمسة وأربعين يوما" وصلنا قاعدة بشت آشان في أوائل تشرين الثاني / 1982، تلك الرحلة الشاقة التي لا أتخيل أن ينساها أي رفيق جديد، لقساوة وصعوبة أيامها، وأعتقد أنها كانت  تجربة ومقياس لقوة التحمل والصبر لأي رفيق ونصير جديد.

 كانت بشت آئاشان في حركة مستمرة يوميا"، رفاق يبنون قاعات جديدة وحيوانات تنقل مواد تموينية لفصل الشتاء القريب ومقرات وفصائل في طور التكوين، وكانت مقراتنا ( المكتب السياسي والأعلام والحماية ) قد أنسحبت من منطقة ( ناوزنك ) على الحدود التركية لمخاوف من تقدم القوات التركية أثر أتفاقيات سرية وقعتها تركيا مع نظام صدام حسين الدكتاتوري. أما الرفاق الذين تراكمت لديهم خبرة في العمل الأنصاري أعتبروا المنطقة غير آمنة من حيث موقعها الجغرافي المحصور بين مرتفعات ضيقة من كل جوانبها وتحاذي الحدود الأيرانية من خلال أحد أعلى جبالها وهو جبل قنديل وهو الطريق الوحيد للأنسحاب في حالة تقدم قوات معادية.

 بشت آئاشان قرية صغيرة مهجرة، تحولت بمر الأيام الى مركز ثوري للأنصار الشيوعيين مما حفز الأهالي على العودة لها لفلاحة الأرض والأهتمام ببساتينها العامرة، تحولت هذه القرية المهجرة الى خلية نحل، بناء قاعات، مفارز قتالية،  خدمات طبية، أجتماعات حزبية وعسكرية، ندوات ثقافية وأذاعية، عندما أكتملت زينة بشت آئاشان وتوسعت بأبنائها وبأنصار الحزب الشيوعي العراقي أحتضنها السكان وفرح بها الأنصار ولكنها بدت مخيفة للنظام الدكتاتوري والفاشيون وقرروا منعها من النمو. في بشت آئاشان تجسدت البطولة وغرفة العمليات التي تدفع المفرزة تلو المفرزة نحو مقرات السلطة ومرتزقتها، ذلك الموقع الذي عجزت قوات السلطة وطيرانها عن أزاحته من تربته العراقية ... تحول الى جريمة سوداء بعد أن مرت مفارز أوك من أمام ربايا ومعسكرات الحكومة! وبقوة تفوق قوة الموقع عشرات المرات وبعد أن رسم وخطط للعملية قبل مدة من بدأ العدوان.

 كان السكون يسبق العاصفة لتلك الأيام من نهاية شهر نيسان من عام / 1983 وكل منا يتوقع بأن أحداث لا تحمد عقباها ستحصل. وكان توقعنا في محله، ففي 26 نيسان أطلقت مدفعية خفيفة عدة قذائف على مقراتنا، حيث جرح فيها الرفيق الشهيد ( أبو ماجـد ) من فصيل الأدارة في كتفه، وكنا نعتقد بأن الجحوش يودون جس نبض قواتنا وتحديد أماكن المقرات المتواجدة من خلال سقوط القذائف وهو ما يسمى عسكريا" بتعيين الأحداثيات. ذهبت مع الرفيق ملازم قصي وعدد من رفاق فصيل ( بولي ) الى الأماكن التي أطلقت منها القذائف وكانت تبعد عن مقراتنا ثلاث ساعات سيرا" تقريبا".

 لم يخطر في بال أحد من القيادة أو أي رفيق بأن قوات كردية حليفة (  الأتحاد الوطني الكردستاني / أوك ) تستعد لشن هجوم واسع على مقراتنا في بشت ئاشان، كان الحزب في تلك الأيام يستعد للأحتفال بمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من آيار، كان الرفيق (عماد الطائي) يفترش سقف مقر سريتنا ويرسم جدارية كبيرة على القماش، ولرفع المعنويات وزيادة روح المتعة والمرح كان الرفيق طبيب الأسـنان ( أبو بـدر)  مع عـدد من الرفاق يرفعـون الأعـلام الحمـراء مرددين الأغنية الرمضانية ....  ( ماجينا .. ماجينا حلي الجيس وأنطينا )

  مع تلك الفعاليات خطوات أقدم عليها رفاقنا في مكتب الفوج فقد نقلت عوائل الى قرية قريبة هاجر أهلها قبل فترة من الزمن، وتمت زيادة نوبات الحراسة الليلة ووضع فصيل ( بولي ) المتقـدم ربيئة متقدمة تحسبا" للطوارئ، في تلك الربيئة وفي الأول من مايس/ آيار سقط لنا أول شـهيد في بشت آشان وهو الرفيق المسرحي ( شهيد عبد الرضا / أبو يحيى ) الذي كان يحلم بأنجاز عمله المسرحي لتموز المجيد، حيث سيطرت قوات ( أوك ) على الربيئة في وقت مبكر وجرح أبو يحيى وعذب حتى الموت وبالرغم من جراحه أطفأت أعقاب السكائر على جسده ودفن أمام المستشفى، في ذلك اليوم بدأ الهجوم الذي شنته قوات ( أوك ) على مقراتنا ومن مناطق عدة محيطة، كنا نرى بالناظور كيف كانت هذه القوات تهبط من قمم الجبال المغطاة بالثلوج الى الوادي، ووصلت ألينا أخبار متفرقة وقليلة من هنا وهناك بالهجوم مما خلق نوع من الأرتباك بين الرفاق لكونه مفاجئ ولم يسمح لهم الوقت لترتيب الأوضاع بشكل أفضل، حيث لم يتبين في البداية من الذي يقوم بالهجوم.

أنتشر الرفاق في أماكن عديدة ورابض الرفاق حول مواقع الدوشكات ووضعت كمائن متقدمة، أما أنا فقد كنت مع بعض الرفاق في كمين متقدم قرب مقر ألأعلام من الصباح وحتى اليوم الثاني، وعند عودتي للفصيل طلب مني الرفيق ( أبو آيار ) المستشار السياسي للسرية بالتوجه للقرية التي نقلت أليها العوائل سابقا" وذلك لعلاج أحد رفاقنا الذي جرح هناك. وصلت القرية التي تبعد حوالي الساعة عن المقر ووجدتها فارغة ولم أجد أحد من الرفاق وتبين أنهم قد أنسحبوا الى قمم الجبال خوفا" من سقـوط القذائف في الوادي والقرية نفسها، عدت الى مقر السرية ولم أجد أحدا" غير الرفيق ( ملازم قصي ) الذي أخذ يناديني بصوت عالٍ ويخبرني بأن قوات أوك تتقدم وهي على بعد أمتار قليلة وطلب مني التوجه الى مقر المكتب السياسي .... كان ذلك ظهر يوم الثاني من مايس / آيار، كان الرفيق ( أبو عامل ) في المقر وعدد من الرفاق بينهم الرفيق ( أبو زينب ) وهم يجمعون بعض الأوراق والوثائق وحاجات أخرى لحرقها. جمعنا الرفيق أبو عامل وطلب منا الأنسحاب للحاق بالرفاق الذين سبقونا وأشار الى قمة جبل بعيدة جدا" وقال أنها قمة جبل قنديل وهي هدفكم في المسير، وبعد ساعات قليلة تبعنا الرفيق أبو عامل وبقية الرفاق بعد أن أحرقوا المقر .

بعد مسيرة حوالي الساعة في داخل الوادي بدأنا نتسلق المرتفع وننظر الى المشهد المؤلم، طابور طويل من عشرات الرفاق يسيرون ببطئ شديد نتيجة الجوع والعطش وشعور بالأحباط، شاهدت على الطريق الجبلي حاجات مختلفة تركها الرفاق لعدم أستطاعتهم حملها ... راديوات، حقائب شخصية، ملابس، وحتى بعض الأسلحة، أتذكر الرفيق ( أبو علوان ) الذي كان يحمل سلاح الستريلا والقذائف، كان متعبا" لحد الأعياء، لم يبادر أحدا" من الرفاق بمساعدته على حمله فأضطر الى تحطيمه بالحجر ولم يصل غير سلاح ستريلا واحد حمله الرفيق ( أبو حسين ) ناصرية الى آخر نقطة آمنة وأتذكره كيف كان يروي بفخر للرفاق في القيادة كيف بوحده وبدون مساعدة أوصل السلاح بأمان .

 كانت المسيرة متعبة جدا" وكل منا يفكر متى نصل الى القمة ! ؟  بدأ الظلام يخيم على المنطقة ونحن نسمع أصوات طلقات نارية متقطعة بعيدة وضوء نيران خافتة، كنا نلتهم الجليد الذي غطى الطريق بالرغم من شهرمايس / آيار ليروي عطشنا بسبب التعب الذي رافق مسيرتنا، ومن شدة التعب والأعياء لم ينطق أحد من الرفاق بأي كلمة، وربما لم يتسنى لأي رفيق بالنظر الى رفيقه الذي يسير جنبه وكل رفيق يود أن يسير لوحده لكثرة الأسئلة التي تشغل باله .

 أتذكر تناوب أحد الرفاق مع أخيه على حمل والدتهم التي جاءت قبل أيام من الأحداث من مدينة كركوك وكانت طاعنة في السن ونحيفة ومن عائلة شيوعية معروفة ولم تطاوعها قدماها بالسير فأضطروا لحملها، ومشهد آخر لرفيق يصرخ من التعب والأعياء بصوت عالي، وعدد من الرفاق وصل بهم اليأس لحد الرغبة في التسليم لربيئة حكومية. درجات الحرارة بدأت بالأنخفاض كلما أقتربنا من القمة وأخذ البرد يسيطر علينا بسبب ملابسنا المبتلة بالعرق .

 **** ملاحظة من المعد ......للمزيد من المعلومات عن معركة بشت آئاشان راجع كتاب ( بشت آئاشان بين الصمت والآلام ) ، للكاتب قادر رشيد.

 يتبع في الفصل الخامس