أوراق أنصارية من الزمن الصعب / مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر 7 (د. أبو تانيـا(

أوراق أنصارية / مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر 7 (د. أبو تانيـا)

فصيل الأعلام المركزي

الفصل السابع

إعداد فائز الحيدر

فصيل دراو /  1984

  بمرورالوقت قل عدد الرفاق نتيجة سفر بعضهم الى أربيل وآخرين الى قاطع بهدينان وأنشغل الرفاق بأستطلاع المنطقة والبحث عن ركائز جديدة وتهيئة المواد التموينية حيث بدأت السلطة حصارها الواسع على قرى المنطقة وقلت المواد التموينية وأرتفعت أسعارها.

وفي الليالي وحول النيران كنا نتبادل الأحاديث وننظم الأمسيات الثقافية، فقد قدم الرفيق ( فالح عبد الجبار ) أمسية حول التيارات الدينية في أيران ومواقفها حيث أجرى في فترة تواجده في أيران عدة لقاءات مع ممثلي هذه التيارات، وبنفس الوقت كان مشغولا" بترجمة كتاب رأس المال عن الأنكليزية، كما قدم أحد رفاق (الهورمان)* أمسية حول حزب تودة والمعلومات الجديدة حول ظروفهم الحالية بعد الضربات التي وجهت أليهم وقدمت بنفسي محاضرة طبية حول أرتفاع ضغط الدم والذي يعاني منه معظم الرفاق .

 بعد أيام توجهت مع الرفيق كاظم حبيب ( أبو سامر ) ورفيقان آخران الى منطقة ( لولان ) التي أصبحت فيما بعد مقرا" للأعلام والقاعدة، وبدأ الرفيق منذ تلك الفترة بترتيب أوضاع الأعلام، وطلب الحزب حينها من قيادي القواطع برفد الإعلام بالرفاق الذين لهم أمكانيات صحفية أو ألمام بالطباعة من العرب والأكراد، وفعلا" جاء عدد من الرفاق والرفيقات من قاطع السليمانية وأربيل وبهدينان وعملوا لفترة طويلة في الأعلام. ولكوني محط ثقة الرفاق في قيادة الحزب تم تكليفي بتشخيص الرفاق الذين يصلحون للعمل في الأعلام ومقر القاعدة لكوني قد عاشرتهم فترة من الوقت ولدي أنطباع عن كل واحد منهم، وفعلا" شغل الرفاق المرشحين مهمات مكتب الفصائل للأعلام وبعدها مقر المكتب السياسي لسنوات.

 عدتُ الى (ليلكـان) محملا" بأكياس من الأدوية التي كانت تنقصنا وعملنا بمساعدة الرفاق الهورمان على بناء ( كبرة ) كبيرة بسرعة لخبرتهم في هذا المجال كما ساعدونا في بناء مقراتنا في ( دراو السفلى ) وأصبحت الكبرة الكبيرة مكان للطبابة والعلاج، وبعد أيام قليلة شخص الرفاق منطقة (  دراو السفلى ) والتي تبعد أربع ساعات سيرا" تقريبا" من لولان وساعتين عن ليلكـان لتكون مقر لفصيل متقدم وحماية للأعلام والقاعدة وكانت دراو تبعد عن مقر الأقليم بحدود نصف ساعة وقد نسب الرفيق أسعد خضر أربيلي ( أبو جبار ) سكرتيرا" للأقليم خلفا" للرفيق ( أبو آسوس ) .

 في شهري تموز وآب من عام 1983 ذهبت مع عدد من الرفاق الى دراو وشخص مكان قرب نهر صغير ليكون موقع مناسب لنا وشخص الرفاق الهورمان مكان مناسب لهم بالقرب منا .

في تلك الأيام وصلت ( دراو ) مجاميع كبيرة من الرفاق عن طريق أيران ومكثوا عدة أيام قبل توجههم الى قاطع أربيل وبقينا بحدود ثلاثين رفيقا" فقط في ( دراو السفلى ) تنتظرنا مهمة بناء مقرا" لنا والبحث عن مواد تموينية.

 في بدايـة تواجـدنا في ( دراو ) تـم نصب خيمتـان خصـصت واحـدة منها للطبابـة حيــث توفرت لدينا كمية لا بأس بها من الأدوية وأخرى لحفظ الأسلحة التي كانت تتدفق علينا من قاطع بهدينان وقد أوصى المكتب السياسي للحزب ( م . س ) برسالة موجه ألينا بظرورة جردها والأهتمام بها وتنظيفها وعدم التصـرف بها إلا بموافقة منه، وكـاد ذلك أن يخـلق مشـكلة مع الرفـاق فـي أقـــليم كردستان، حيث وصلوا في أحد الأيام ومعهم عدد من الحيوانات وطلبوا نقل الأسـلحة والعتاد الى مقر الأقليم ولكننا رفضنا ذلك بشدة ووصل الأمر الى حد التهديد ولم نطلعهم في البدايـة على رسالة المكتب السياسي ولكن عندما توتر النقاش حول الموضوع وتجنبا" لتطورات أخرى أطلعهم المستشار السيـاسي الرفيق ( سـامان ) على الرسـالة ومضمونها فعـادوا غاضبين علينا وسـط كلمات تهـديد ورد فعل حول التمـوين وعـدم مد المساعـدة من قبلهم في الحصول عليه ولكن بعـد فـترة حصـل العكس حيث تمـت مسـاعدتهم من قبلنا في كـل ما طــلبوه من أحتياجات تموينية بعد أن حصل لديهم نقص شديد في الكثير من المواد.                               

بعد فترة ولكى لا يسبقنا الخريف بأمطاره وبرودته بدأنا عملية البناء تحت ظروف غاية في الصعـوبة، كان عــددنا في البداية لا يتجاوز العشرين نصيرا" ثم وصل رفاق آخرون ليصل عددنا الى ثلاثين نصيرا" ومن جانب آخر بدأ الرفاق { الهورمان }* في بناء مقرات لهم بالقرب منـا وساعدنا بعض رفاقـهم في عمليـة البناء لعـدم معرفة رفاقنا بشكل جيــد بوضع الأساس وعملية التسقيف، كنا متعبين جداً ليس من البناء نفسه بل من صعوبة الحصول على المواد التموينية نتيجة الحصار الذي فرضه النظام الصدامي على القرى الكـردية العراقيــة.

كان الـرفيق  ( أبو زوّيا )  يقوم بجـولات عديدة في عمق القـرى الأيرانيـة والتركيـة في محاولات للحصول على مواد تموينيـة يمكن الأستفادة منها ، في البداية كان طعامنا محدوداً للغاية وأقتصر على قطعة من الخبز وبصعوبة حصلنا على الـرز الذي بدأنا نأكـله بوجبات وبـدون ملـح وحينـها فقط عرفنا أهميـة الملح فـي الطعام. 

ثم حصلنا على الشاي الذي فقدناه فترة طويلة لأسعاره الخيالية وكنا نشربه بدون ســكر وأستطاع الرفيق  ( أبو زويا ) بجهــود أخرى أن يحصل على الطرشانة ( المشمش الجاف المكبوس ) وكنا نأكل الطرشانة صباحا" كمربى وظهراً مركة القيسي مع الرز، في حين لم يبادر رفاق الأقليم بمد يد المساعدة ألينا رغم أن مقرهم لا يبــعد أكثر من نصف ساعة عنا ويملكون مواد تموينية جيدة وكبيرة وأتخذوا من بيوت تركها القرويين مقرات جاهزة لهم ولم تنتظرهم عملية بناء متعبة وشاقة.  

 في تلك الظروف بدأنا البناء وبذلنا جهودا"  كبيرة في هذا المجال وشاركنا العملية رفيقاتنا الثمانية الموجودات ظمن الفصيل، كنا ننقل الحجر من أماكن بعيدة وعلى شكل مراحل ولفترة طويلـة يومياً من الساعات المبكرة صباحاً وحتى المساء، وبعد أن تجمعت لدينا كميات كبيرة من الأحجار بدأنا بوضع حجـر الأساس بأحجار كبيرة في الزوايا وتطلب ذلك تعـاون عــدة رفاق لرفع حجــرة واحـدة وأجـاد الرفيـق ( سعيد عرب ) عمــل الطبخة الماء والتراب  وأتقنها ولقب ( بسعيد كرابة ) ولازمه هذا اللقب لسنوات طويلة.             

نقلنا الأخشاب والأغصان من مسافات بعيدة من الضفة الثانية لكنه، وقبل سقوط أولى الأمطار كنا قد أنتهينا تواً من وضع كميات من التراب وننهي في شهر ونصف أتمام قاعتين، ففي فترة الصيف كنا ننام في العراء مفترشين الأرض المحيطة بالمقر وليلا" نوقد النيران ونجتمع حولها في حلقات.                             

في أواسط تشرين الأول أستطعنا من بناء غرفة صغيرة لحفظ التموين ولكننا لم نستطع بنــاء حمام بسبب برودة الجــو وتساقــط الأمطار وحلت هذه المشكلة بعد أن خـصص الهورمان يوما" في الأسبوع لنا للاستحمام عندهم .......                                           

أما المطبخ فكانت له قصة طريفة، قرر الرفاق بناءه حتى لا نثقل على الرفاق الهورمان في طلباتنا، أن بناء مطبخ يتطلب جهداً أقل من بناء قاعة كبيرة وخاصة أن من بين الرفاق مهندسان معماريان هما الرفاق أثير منصور( أبو حسين ) وحسام يوسف آل زوين ( أبومحمد يماني )، ولكن بناء العمارات من الحديـد والأسمــنت وبنسب معينــة ليست كبناء غرفة ولو صغيرة من الحجر والتراب، وكان النقاش يدور بينهم يوميا" ويأخذ فترة من الوقت وأكثر من وقت البناء، وبعد جهود كبيرة أتممنا بناء المطبخ في ساعة متأخرة مساء وعدنا متعبين فرحين بهذا الأنجاز الكبير لنأخذ قسطا" من الراحة، ولكن فرحتنا لم تستمر طويلا" فبعد أقل من خمسة دقائق جاء من يخبــرنا أن المطبخ قد سقط وكنا نظن في البداية أنها مزحة وخرجنا من القاعة مسرعين لننظر بدهشة الى للاحجار المتناثرة وجذوع الأشجار والتراب ولحسن الحظ لم يصب أي من الرفاق بسوء.

 بدأنا العمل في اليوم التالي لأعادة بناءه وبشكل مختلف ولحد النصف وتغليف القسم العلوي بالنايلون وصمدنا طيلة فترة الشتاء في هذا المطبخ البارد، الرفيـق (أبو حازم ) أستطاع بدوره أن يبني غـرفة له وزوجته ( شيرين ) على بعــد أمتار من المقر وعلى ضفــة النهـر وكانت هذه الغرفة تستــغل لغرض الأجتماعات الحزبية شتاءً، أما الرفيق ( أبو ناتاشا ) فقرر أن يبني غرفة خاصة به ولكنها لم تصمد فقد سقطت قبل أن يضع السقف فأضطر مرغما" السكن مع الرفاق في أحدى القاعات. بمرور الوقت أخذت الأوضاع تستقر في فصيل دراو وشكل مكتب الفصيل من الرفاق ( هه زار ) كمسوؤل العسكري و( أبو زيوا ) مسؤولا" لللأدارة و( سامان ) كمستشار سياسي وبعد فترة حل محله الرفيق ( أبو حازم ) .                                                        

الهوامش ....

ــــــــــــــــــــــــ

*الهورمان : تسمية تطلق على الرفاق في الحزب الشيوعي الأيراني / تودة 

    

ـ بعض الأسماء التي ذكرت هي أسماء حركية للرفاق يتطلبها الوضع الأمني للحزب 

يتبع الفصل الثامن