مذبحة صوريا و مجزرة ده كان../ صباح كنجي

مذبحة صوريا و مجزرة ده كان../ صباح كنجي                           

نتوقف مع توما توماس في اوراقه عند حدثين مهمين تطرق اليهما في سرده للأحداث التي تتالت مع مجيئ حزب البعث للسلطة من جديد عام 1968.. حيث تصاعدت حدة الخلافات والمواجهات العسكرية بين سلطة البعث وقيادة الثورة الكردية ..

وبالتفاصيل يمكن التأكيد .. أن سلطة البعث قد عزمت على تصعيد الموقف وتوتير الاوضاع لتبرير المواجهة العسكرية.. كنهج شوفيني يعكس طبيعة حزب البعث العنصري.. وينسجم مع تركيبة قياداته الاجرامية.. و اندفاع القادة العسكريين الأهوج.. وهو ما أكده حردان التكريتي في مذكراته التي اقتطف منها الراحل توماس في اوراقه :

( في الواقع أن الاكراد استطاعوا بصمودهم البطولي خلال قرن كامل أن يركعوا الحكم الى درجة بتنا نخشى أن يؤدي استمرار الحرب الى سقوط بغداد بأيدي الملا مصطفى البارزاني. وقد بلغ معدل ضحايا الجيش العراقي قبل شهور من بيان 11 آذار الى 325 بين قتيل وجريح اسبوعياً . وبعد أن قمنا بمحاولة أخيرة للقضاء على المقاومة قبل 11 آذار بشهرين فقط، وفشلنا فيها قررنا إجراء مفاوضات مع الملا، لإنهاء القتال لان ذلك كان سيعطينا فرصة طويلة للبقاء في الحكم.

وكان القصد من المفاوضات إعطاء الملا كل التنازلات التي يريدها، فهي محاولة لاحتوائه أو تنظيم انقلاب عسكري ضده. ولكنه كان اقوى واذكى وأكثر تمرساً بالأساليب السياسية والعسكرية. ولذلك فقد اشترط في بند سري من بنود  البيان بقاء (25) ألف جندي من البيشمركة تحت السلاح. وقد اعطيناه  ذلك. ولكن قررنا أن نستغل فترة انتهاء الحرب لإدخال عناصر من جماعة جلال الطالباني، وهو عدو تقليدي للملا في جماعة الملا، والقيام باغتياله عند اللزوم . فالحزب لا يمكن أن يطبق بيان 11 آذار  بكامل بنوده لان ذلك يعني اعطاء اضخم حقول البترول العراقية للأكراد، وهو حقل كركوك، وذلك يعني إفلاس الحكومة تقريباً . من هنا، فقد قرر الحزب القيام بإحدى الخطتين:

1ـ أما اعلان الغاء اتفاقية آذار ضمن حملة عسكرية ضخمة تقوم بها القوات العراقية، وانهاء قضية الحكومة اللامركزية التي يطالب بها الملا .

2ـ أو القيام بتوطين عائلات عربية في المناطق الكردية قبل اجراء احصاء عام فيها، الامر الذي سيمكن الحزب من بقاء سيطرته قانونياً في تلك المناطق . وللحقيقة فان حكمنا لم يكن مخلصاً للأكراد في أي يوم ولن يستطيع أن يصبح مخلصاً لهم في المستقبل اطلاقاً. وسيكتشف الاكراد ذلك ان لم يكن قد اكتشفوه فعلا. )

في سياق هذه المعادلة السياسية المعقدة.. التي فرضتها موازين القوى بين الطرفين .. لجأت السلطة للخديعة والمناورة.. واستخدمت القوة المفرطة للتأثير على الخصم.. وكانت الجماهير ضحية هذه المناورة والخديعة .. حيث ارتكبت ابشع جريمتين بحق المواطنين العزل في فترة لا تتجاوز الشهر بين الثامن عشر من آب ـ والسادس عشر من أيلول عام 1969 ..

متمثلة بمجزرة كهف داكان في قضاء الشيخان .. ومذبحة صوريا في زاخو.. كما وردت في الاوراق بشكل مكثف ومختصر .. لأنها شكلت تطوراً خطيراً في نهج البعث.. تجاوز ارثه وسجله الاجرامي في شباط عام 1963.. التي شهدت ممارسات دموية بشعة بحق الخصوم السياسيين.. وتعدته الى ما يمكن اعتباره اول الجرائم البشعة.. التي يمكن تصنيفها بالإبادة الجماعية والجينوسايد ..

شملت مجموعتين من المواطنين المدنيين العزل من الكرد الزيباريين في قضاء الشيخان.. الذين تم حرقهم وقتلهم في الثامن عشر من آب.. واعقبها  بعد أقل من شهر ..مذبحة قرية صوريا الآشورية في قضاء زاخو ظهيرة السادس عشر من ايلول ..

عكست طبيعة السلطة الفاشية ونهجها الدموي في المرحلة الجديدة وأسست لما تلاها من جرائم تواصلت للثالث من نيسان عام 2003 الذي شهد زوال النظام واختفائه ..

مجزرة كهف داكان ..

التي زهقت ارواح 67 فرداً من مجموع اهالي القرية التي لا يتجاوز عدد بيوتها الثلاثين بحرقهم داخل الكهف.. الذي لجأوا اليه بسبب القصف المدفعي والصاروخي.. واطلاق النار عليهم من قبل الجحوش والجيش.. الذي كان حينها بأمرة الفريق الركن عبدالجبار عبدالرحيم الأَسَدِيّ قائد الفرقة .. وشكلت بداية تاريخية لسلسلة عمليات اجرامية يمكن ادراجها ووصفها بالجينوسايد والابادة الجماعية.. لم تتوقف عندها الاحزاب السياسية والمجتمع الدولي ..وتخطتها سلطات الاقليم بالرغم من ان الفقيد حسو نرمو.. قائمقام الشيخان الراحل.. بالتنسيق مع وزارة الشهداء و المؤنفلين قد اثارها من جديد.. واعد ملفاً خاصا بها في الذكرى 42 للحدث.. داعياً لإدراجها في ملفات الابادة الجماعية ..ومعاقبة مرتكبيها..

 وعموما فإن هذه الجريمة البشعة لم تلقي الاهتمام الكافي من لدن الاحزاب والحكومة الاقليمية في كردستان.. ويشكل تثبيتها في الاوراق توثيقاً للحدث من لدن قائد ميداني مطلع على حجم وتفاصيل  الجريمة الكبرى.. التي نفذت مع بداية وجود حزب البعث في السلطة.. وتعتبر حلقة في سلسلة سياساته الاجرامية تستحق التوقف عندها وتدوين تفاصيلها بالأسماء.. لأنها شكلت بداية صفحة جديدة تمثلت بنهج الابادة الجماعية للسكان..

مذبحة صوريا..

شكلت مذبحة صوريا  في زاخو التي اعقبت مجزرة كهف داكان تصعيداً وتواصلا لذات النهج الدموي لسلطة البعث الاجرامية وقد ورد في الاوراق.. ( في صباح يوم 16\9\1969، انفجر لغم مضاد للآليات تحت ناقلة عسكرية، وقتل وأصيب على اثره عدد من العسكريين وكان بينهم احد المسؤولين. ونظراً لأن قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار، فقد اختارها الفاشيون هدفاً لهم كي ينتقموا ويستعرضوا قوتهم وبأسهم ) ..

للمزيد من الدقة حول هذه الجريمة .. فإن اللغم المنفجر لم يسبب اية خسائر في صفوف الرتل العسكري المكون من اربعة اليات اثناء حركته الروتينية صباح كل يوم ثلاثاء بين ناحية العاصي ومنطقة الفيشخابور في المثلث الحدودي (العراقي ـ السوري ـ التركي)، ضمنها قرية صوريا الصغيرة التي لا يتجاوز عدد دورها العشرين داراً.. التي دخلها الرتل في الساعة التاسعة صباحا قبل الانفجار وغادرها بسلام..

بعد ان لاقى ترحيباً من المتواجدين فيها.. حيث قدم أهل القرية الماء واللبن للجنود، وبعد وقت قصير من مغادرة القافلة على بعد خمسة كيلومترات أنفجر لغم أرضي تحت إحدى العجلات العسكرية للقافلة وبالرغم من ان الانفجار لم يسبب أية أضرار بشرية وعدم وجود اية صلة لأهل القرية الاشوريين بالحدث أمر الملازم البعثي المجرم عبدالكريم خليل الجحيشي من الفوج 4 اللواء 23 .. المعروف بوحشيته وسلوكه العدواني تجاه القرويين .. بالانتقام فوراً من اهالي القرية وأطلق النار على اول مجموعة من ثلاثة رجال توجهت نحوه ..

هم القس حنا والمختار خمو مروكي وسائق سيارة الجيب للأجرة حسين محمد .. اعقبها  قتله لـ ليلى  خمو الفتاة الشابة التي تقدمت نحوه طالبة الرأفة بوالديها اللذين وقعا أرضا حيث وجه فوهة مسدسه اليها وأرداها قتيلة..

كذلك الحال مع السيدة كاترين شمعون التي حاولت الأخرى حماية زوجها حينما ألقت بنفسها على جثة زوجها الجريح ولم تتأخر الرصاصات الغادرة من الحاقها به هي الاخرى .. قبل أن يأمر بجمع بقية السكان بمن فيهم الاطفال والنساء والشيوخ في ارض مسيجة لقتلهم واعدامهم ومن ثم حرقهم وحرق بيوتهم ونهب ممتلكاتهم وتقطيع اوصالهم وانتزاع الحلي من اصابعهم ورقابهم ..

ولم يكتف الجحيشي بهذا القدر من الوحشية والحقد تجاه أهالي القرية العزل من النساء والأطفال والرجال، بل أمر جنوده بإطلاق النار على الماشية والأبقار، والدواجن. وظلت جثث الحيوانات متروكة على الأرض لعدة أيام.

واستكمل بقية فصوله الاجرامية بإشعال النيران في المحاصيل الزراعية ولإشباع غرائزه الحيوانية. توجه الى المركز الصحي وهدد الموظفين العاملين فيه بالعقاب الشديد إن حاولوا إسعاف الجرحى  والناجين من قرية صوريا، مما اضطر القرويون لنقل جرحاهم الى قضاء زاخو.

 جريمة ذهب ضحيتها معظم أهالي القرية.. تجاوزت حدودها واطرها المحلية .. ذكرت بمذابح الاشوريين وجرائم الحملات الاسلامية التي تواصلت عبر التاريخ مع سلسلة جرائم ومذابح في عمليات سيفو و سميل وقد تمادى الجحيشي وازلامه معبرين عن حقدهم وكراهيتهم للإنسانية بهذا الشكل الوقح لحد قتل وذبح الأبرياء بهذا الشكل السافر..

لإدراكهم انهم لن ينالوا المحاسبة والمعاقبة بل التكريم والتقدير من لدن السلطة الاجرامية للبعث في عهدها الثاني.. الذي شهد تخطيطاً مبرمجاً لنشر الجريمة واشاعتها في كردستان وعموم العراق بادياً بالأهوار والاغتيالات في بغداد وبقية المدن التي بدأت تشهد كل يوم المزيد من  جرائمهم ..

 وتبقى جريمة صوريا بتفاصيلها حلقة من حلقات هذا الاجرام المنفلت تستوجب التوثيق والادانة ومعاقبة مرتكبيها لأنها من النمط التي يسجلها التاريخ لا تسقط مع الزمن ..حيث بلغ عدد ضحاياها 60  فردا منهم 38  قتيلا و 22 جريحاً .. بينهم العديد من الأطفال.. دفنوا  جميعاً بعد حرق مساكنهم وتدميرها من قبل اهالي القرى المجاورة .. الذين سمعوا خبر الجريمة من الشباب الذين فلتوا من براثن الموت وتمكنوا من  الهروب بعد أن سمعوا دوي الانفجار ولاذوا لشعاب الجبل.. 

ورغم  اقفال  باب التحقيق في هذه القضية الاجرامية في عهد البعث لسنوات طويلة .. الا انها لا تسقط  مع الزمن ومن الضروري ملاحقة المجرمين وادانتهم من قبل المؤسسات الرسمية في الاقليم والحكومة المركزية.. مع ضرورة التأكيد على اهمية انجاز ملف متكامل عن الجريمة ووضعه تحت تصرف القضاء من قبل منظمات المجتمع المدني وذوي الضحايا.. خاصة وان و المعلومات تؤكد ان الناجين من المجزرة يقيمون في كل سنة استذكاراً للضحايا والجريمة التي تشكل ثان مذبحة آشورية  جماعية في عهد الدولة الحديثة بعد مذابح سميل 1933..

هذه المجزرة التي اختلفت كثيراً عن كل المجازر التي ارتكبت بحق ابناء شعبنا وانفردت عنها وتميزت بكون ضحاياها لم يكن لهم اية علاقة بالسبب المباشر الذي ارتكبت من اجله الجريمة فهي حدثت نتيجة الصراع الدموي الذي كان يجري بين الحكومة العراقية التي كانت تحاول القضاء على ما كانت تسميه التمرد الكردي وبين المقاتلين الاكراد الذين كانوا يطالبون بحقوقهم المشروعة ولم يكن لهؤلاء الضحايا  الآشوريين علاقة مباشرة بهذا الصراع سوى تواجدهم التاريخي في هذه الرقعة الجغرافية الدامية ..

ولم ينجو منها احدا.. سوى الذين وقعوا تحت الجثث .. منهم الطفل جبرائيل يلدا رشو الملقب  بـ (باسم رشو).. الذي لم يتجاوز الاربعون يوماً حينها .. لم تشأ امه ان توقظه فحملته بمهده الى هناك.. وجدوه بعد المذبحة حياً تحت الجثث.. بعد أن حمته امه بجسدها.. واطفال اخرون وقعوا تحت اجساد ابائهم.. او لربما ان ابائهم قد ضموهم تحت اجسادهم في لحظاتهم الأخيرة ..

ويؤكد ناجي آخر وهو يعيد سرد تفاصيل الجريمة التي علقت في ذاكرته الطرية وتأبى ان تغادرها..  

( اتذكر انه عندما وصلنا انا ووالدي واختي بصحبة جدي وجدتي الى هناك كان الجنود يطوقون المنطقة وكان معظم اهالي القرية هناك وفي مقدمتهم الكاهن والمختار وكانوا قد امروا ان يقف الرجال على جهة والنساء على جهة ثانية .. وما اتذكره انني كنت واقفاً امام والدي وكان يضغط بكلتا يديه فوق كتفي ..

بعدها حدثت فوضى وصياح وعويل واطلاق نار على جهة الرجال اولا .. ولا اعرف ماذا حدث بعد ذلك لكني شعرت بأن والدي كان يضغط على كتفي بقوة من دون ان اعرف لماذا .. ولا اتذكر ما الذي جرى اثناء ذلك بالضبط الى ان وجدت نفسي تحت الجثث ورأيت بعضهم يهربون من خلال فتحة في السياج الخشبي الذي حطموه فهربت معهم من دون ان اعرف لماذا ولا الى اين انا ذاهب .. وهكذا هربت مع الفارين وبعدها لحق بنا ابن عمتي الذي كان في نفس عمري فمشينا سويا مع الهاربين الفزعين من دون ان نعرف الى اين نحن ذاهبون) ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صباح كنجي

5\3\2018