مذكرات نصير – زيوة مقر قاطع بهدينان - مخلص / مؤيد بهنام

مذكرات نصير – زيوة مقر قاطع بهدينان - مخلص / مؤيد بهنام

كيف لي ان اصفَ مخلص ؟ من اين أبدا وكيف انتهي؟ وما هي العبارات التي تليق به وبدوره في فصيل الحماية وفي حركة الأنصار عموما* ؟

ككل الذين كتبت عنهم، لا أتذكر متى رأيته أو تعرفت عليه في المرة الأولى. وعلى اغلب الظن فإن مخلص كان الاصغر منا جميعا من ناحية العمر. التحق بحركة الأنصار ولمّا يزال فتى يافعا، مراهقا في مقتبل العمر، روحه مترعة بطاقة جامحة لا تنضب، واندفاع هائل لا يعرف الكلل وفيه شهية المجازفة والمخاطرة ولا يعرف طعما للخوف. هذا الفتى

 

الضحوك دوما ، الذي يشبه فرسا في انطلاق لا ينقطع، اليافع المتورد حماسا واندفعا يخلق لدى الآخرين إحساسا انه إنما خلق ليكون شيوعيا وان مهمته في الحياة هي أن يقاتل من أجل الحزب، وان الحركة الأنصارية كانما صممت لهذا النوع من الفتيان الاشداء الذين يمضون في طريق عشقهم غير حافلين بما يحفّ بهم من مخاطر، مكرسين حياتهم لأجل قضية آمنوا بها، حتى الرمق الأخير.

مخلص فتى ذو شخصية الكثير من مواصفاتها تقبع خارج ماهو مألوف وعادي أو تقليدي. يعشق المزاح ويذهب به احيانا إلى أبعد من حدوده المعهودة. وساتطرق الى اثنتين من مزحاته تلك غير المألوفة والتي لا يمكن ان تخطر على بال احد منا.

في وقت من الأوقات اتخذ قرار بأن يتفقد أمر سرية المقر العسكري الحراسات الليلة، ليتم التأكد ان الأمور تسيير على ما يرام. وكان الرفيق ابو تحسين هو آمر السرية العسكري حينذاك. اثار القرار عدم ارتياح لدى معظم الرفاق لأنه لم يكن هناك من سبب يوجب اتخاذ مثل هذا القرار، اللهم إلا تلبية لرغبات شخصية عقيمة وبلا معنى. قرر مخلص ان يعمل مقلبا بابي تحسين اذا قرر هذا أن يتعسس على  فصيل الحماية في تلك الليلة. وكان على مخلص ان يكون الحرس ما بين الساعة الثانية والثالثة ليلا.

سألنا مخلص حينها :

 - شمدبر من مقلب ل بو تحسين ؟!

 أجاب مخلص بهدوء :

 - والله اذا اجه ال فصلينا اله اخلي يبطل من هاي الشغله !

 في تلك الليلة الشتوية الجافة والقارصة البرد، وبينا الرفاق في قاعة الفصيل يغطون في نوم عميق، بعد عناء نهار شاق  ومضني، سمعنا صوت الرفيق ابو تحسين، حوالي الساعة الثانية والنصف ليلا، يرعد ويزبد ويهدد :

 - وين الحرس؟ يبدو الأمور صايره فالتون بفصيل الحماية.

 وبملح البرق تناهى الى سمعنا صوت سحب أقسام من بندقية كلاشينكوف، وإذ  بمخلص يصرخ في ذات الوقت بابي تحسن مهددا :

 - رفيق ابو تحسين والله اذا ما تروح منا هسه ارميك بصلية واكتلك !!!

 ونزل تحذير مخلص نزول الصاعقة على الرفيق أبو تحسين، الذي أسقط في يده، فقد اوقعه مخلص في ورطة لا يحسد عليها. لكنه عاود الصراخ :

 - هو صوجك لو صوج اللي يقبلون زعاطيط من امثالك ويانا ب الأنصار...

 وترك الرفيق أبو تحسين ساحة الفصيل في حالة عصبية وهو يتمتم بكلمات لم تعد مفهومة لأحد. ثم انتهت إلى سمعنا  ضحكة مخلص الهادرة المنتصرة. لقد تسلق مخلص شجرة كبيرة تنتصب في ركن قاعة فصلينا، واختبأ وتلاشى بين أغصانها الكبيرة، ناصبا كمينا محكما لابي تحسين المسكين. الغيت عملية تفتيش الحراسات بعد هذا الكمين القاتل بوقت قصير.

وكلما أتذكر فعلة مخلص هذه لا أملك إلا أن اغرق في الضحك وأردد مع نفسي :

 - عاشت ايدك مخلص على هل الدكة المحترمة، ضربة معلم !

 المرة الثانية، عندما دخل الرفيق الحرس قاعة فصلينا، بعد منتصف الليل، ليوقض الحرس الذي بعده. مخلص ينام عادة جنب الرفيق عدنان القوشي، وعدنان كان هو المعني بالحراسة وليس مخلص في تلك الساعة. غير أن الرفيق الحرس لكز قدم مخلص عن طريق الخطأ، معتقدا انها قدم الرفيق عدنان، فأجابه مخلص من تحت البطانية، دون أن يكشف عن وجهه :

 - أي رفيق هسه اجيك !

 وطال انتظار الرفيق الحرس دون نتيجة وعندما يأس من خروج الرفيق عدنان، عاد إلى القاعة متوترا وعصبيا فرآى مخلص يغرق في ضحكة  عميقة في عزّ الليل والرفاق النائمون اخذ الضجيج المتعالي يوقظهم من منامهم.

 مخلص لم يكن يتأفف من واجب أو مهمة يكلف بها ابدا. وفي تأدية المهمات مهما صغرت أو كبرت يطفو الجانب الجدي والملتزم من شخصيته اليانعة والفتية إلى السطح آنذاك. وهو وان يمتلك شخصية بسيطة، واضحة وعفوية وحتى عبثية في البعض من قسماتها، مما كان ينعكس بشكل واضح وجلي في أحايين كثيرة على أفكاره ومشاعره وسلوكه ونشاطه وتصرفاته، إلا أن في شخصيته جانب جدي وملتزم ومنضبط حقا. واضيف أنه واحد من شجعان الرفاق الأنصار دون زيادة أو نقصان.

ومخلص محبوب من الجميع بلا أدنى اشك، يدخل القلوب بسهولة ودون استئذان، رفيق متفاني ومخلص، إسم على مسمى حقا، في تنفيذ مهامه وواجباته وفي إيمانه بالحزب وبالحركة الأنصارية.

قضيت انا مع مخلص ثلاثة سنوات أو أكثر في فصيل الحماية،  تم نقله بعدها إلى الفوج الأول.

 التقيت به قبل عامين في تجمع الرفاق الأنصار في مدينة مالمو السويدية. أحسست أن بأنه قد كبر جسديا لكنه ما زال محتفظا بشخصيته العفوية، الطفولية، المرحة والجميلة وبجانبها الجاد والملتزم.

 * في روايته المثيرة " حصار العنكبوت " يتناول الرفيق كريم كطافة، الكثير من جوانب شخصية الرفيق مخلص، تحت اسم آخر، تناولا هادئا، تفصيليا وصادقا، يقترب إلى حد بعيد جدا من التحليل والوصف الموضوعين للعديد من جوانب شخصية هذا الرفيق الرائع.

 الف الف تحية له.......