شَذراتٍ من دفاتر ضاعت - عفريتٌ من جِنِّ سليمان !! / يحيى علوان

شَذراتٍ من دفاتر ضاعت - عفريتٌ من جِنِّ سليمان !! / يحيى علوان

فـي ظهيرة ربيعية حلـوة مـن عـام 1985 .... السماءُ نظيفةٌ ، كأنهـا صبيّـةٌ مُغرِيَـةٌ خَرَجَتْ من الحمّامِ تَـوّاً، 
قُرصُ الشمس يتأرجَـح على قمـة جبلٍ مُتَـوّجٍ بالثلـج ، ينتصِبُ قبـالتناِ فـي وادي خـواكُورك ،
... تُنَشِّفُ مـا خَلَّفَـه الشتاءُ من رطوبـةٍ لاذعـةٍ تَرَسَّبّتْ فـي العظـام ... أشـعّةُ الشمس صـافيةٌ كالعسـل  
الأرضُ تَنزَعُ رداءَ الثلـجِ ، فتفـوحُ رائحتُهـا،تُذكّـرني برائحـة طفلـةٍ ، أودعتُهـا  هبـاءً أعمـىً !

كانت عندما تشبعُ وتدفَـعُ ثـديَ أُمَّهـا تلهـو بـه وتُناغيـه ، أو تتخاصـمُ معـه فتضربـه مثلَ قِطَّـةٍ صغيـرة

!... تلعبُ بكـرة الصـوف

::::::::::::::::::::::::::::::

بعد الغداء ، دَخَـلَ فصيـلُ الأعلام المركزي فـي دهليز القيلولة،
نوبةُ الحراسةِ كانت من حِصّتي ذلك اليوم. جلستُ تحـتَ شجـرةٍ مُعمِّـرةٍ ، تتكِـأُ علـى ظِلِّهـا .                                     

عَلّقتُ تَعَبي على شفرةِ زهـرةٍ . أرخيتُ البندقيةَ فـي حُظنـي.. ... وأَدرتُ مفتـاحَ الراديو الصغير فـي جيبي

.......................
........................

طائرُ السنونو الرشيقُ ، لا يدري إلـى أين يطير ، مفزوعـاً من شخيرِ القصف ،

... حيثُ يرتَـجُّ الضـوءُ مذعـوراً مع كـلِّ إنفجـار
...أُنصِتُ ، أُرخـي أجفانـي فـي قلبـي ، وأُحَـدِّقُ فيـه ، فأسـمعُ
هـا هـو الخـوفُ يـدًقُّ طبـولَه فـي صـدري ، أيـنَ اُخبئه ؟
ثمَّ أَسألُ نفسي لمـاذا الخـوف ؟ فالرصـاصةُ ، التـي ستُصيبُني ، لـن أسمـعَ
 ... صـوتَها ، والقذيفـةُ ، التـي أسـمعُ صوتَها ، ستكونُ عَبَرَتنـي
أَيكـونُ خَـوفَـاً مِـنْ مُخـاطَـرةِ أَنْ تَنظُـرَ الصـورةُ فـي المـرآة ..؟!
..........................
..........................

القـواتُ الإيرانية تشقُّ طريقـاً عسكرية داخلَ الأراضـي العراقية ... أدلاّؤُهـا حُلفاؤنا !!

على السفح المقابلِ لَنـا ، قصفٌ متـواصلٌ...
إقتَرَبَ ( أبو جعفر)* مني ، يُخبرني أنـه لم يستطع النومَ ، فآثـرَ سقايةَ مزرعة الخُضـار...

يهتـزُّ المكـانُ بفعلِ قذيفـةِ مدفعيةٍ سقَطَتْ علـى كَتِـفِ الجبـل ، الذي بخاصـرته نلـوذُ ،

 ... ننتَحـي بأنفسنا خلفَ صخـرةٍ عظيمة
فيواصِلُ ( أبو جعفر) الحديثَ كـأنَّ القصفَ ليس موتـاً ، بَـلْ جملـةً إعتراضيةً فـي كـلامٍ أَهَـمْ .... لكننـي أُحـبُّ بساطَتَـهُ ، طيبتَه وإخلاصَـه وتفانيـه ، الذي لا يباريـه ، إلا ( أبـو سُهيل)**
خَفْـقُ أجنِحَـةٍ ، يقطَـعُ الحـديثَ ،.... أُتـابِـعُ سِربـاً مـن الطيـرِ مفزوعـاً يغـادِرُ أعشـاشَـهُ ، مَخـابِئَـهُ 
أرى شـيئاً رماديـاً يَلـصِفُ فـي السماءِ يتّجِـه ناحيتَنـَا قادِمـاّ مـن عينِ الشمس دونَ صـوتٍ أو ضجيـجٍ ، كأنـهُ طائـرُ القُطرُس ، خبيـرٌ بتضاريسِ الهـواء ، يمتطـي ظهـرَ الريـحِ فـلا يحتـاجُ خَبطَـةَ جنـاح ...  
ينقطِـعُ حبـلُ الكـلام ، وبحـركـة لا إراديـة ، يمُـدُّ كـلٌ منّـا يـدَه إلـى كَتِفِ الآخـر ، كأنـه يريـدُ إيقـاضَ نـائم أو إنتزاعَ حالـمٍ وجَرجَرَتَـهُ إلـى اليقظـة ، ثـم بحـركـةٍ سنكرونيةٍ تمتَـدُّ السُبابتانِ نحـو ذاكَ الشيء الطافـي ، الواضِـحِ
مثلَ نواياه الغامضـةِ ، حَـدَّ الإلتباسِ تمـامـاً ..

 
.............................
.............................
لا تَعـرِفُ السمـاءُ الـ" بينَ ، بينْ "،
إمـا أنْ تمطُـرَ خيـراً أو قحطـاً ،
رحمَـةً أو عـذابـاً ... هكـذا تَعَلّمْنـا !
أَيـنَ أضعـهُ الآنَ فـي هـذه المعـادلـة ..؟!
..........................

.. لـم يُمهلني برهـةً للتأمُّـل ، قامَ بحـركـة رعنـاءَ  فـي وادٍ ضيِّـقٍ نسبياً ، لا يسمح كثيـرأ بمنـاورةٍ إنتحاريـة كهـذه.. إنقضَّ مثلَ حجرٍ سقطَ من علٍ. إتكـأتُ علـى عصـايَ ، نهضتُ وفتحتُ أمـانَ الكلاشـن ،
جَـرَّنـي ( أبو جعفر ) من ظهـري وصـاحَ : " أمجنـونٌ أنتَ ؟!"
بمـا لا يزيـدُ علـى خفقـةِ قلـبٍ ، مَـرَّ من فوقنـا ، واطئـأً ، مُعتَدّاً بكفاءته ، مُتَحديـاً ، حتـى بانتْ بـراغي جسـم الطائـرة ... ثـمَّ إستدارَ برشاقة دلفينٍ سيركٍ ، كـادَ يُلامِسُ الجبَـلَ ،
تـوارى..
خَلَّـفَ مـا لا تُـدانيـه الصاعقـةُ من ضجيجٍ ، رجرَجَ الـوادي ،
إبتلَعَـه جُبُّ السـماء !!
........................

! كُنّـا أجرينـا مـا يلـزم لإستقبالك !" لـمْ تُنذِرنـا ، يا هـذا ، قبـلَ مجيئكَ
فالقريشيونَ والبـدوُ ، عمومـاً ، إن إقتربـوا من مَضرَبٍ أو بيتٍ ، حمحَمـوا وتنحنحـوا ، إشـارةً لقـدومِ ضيفٍ أو سـائل !

تُرى مَنْ تكون أنتَ ؟! "
::::::::::::::::::::::::::::


عَقَـدَت الدَهشَةُ لسانَينا ... أتكـونُ منـاورةً لتجـريبِ الكفـاءةِ ؟ أم رسـالةَ إنـذارٍ : " قـادرونَ أن نصِـلَ إليكـم أَنّـى شِئنا !!"
أوَّلُ مـا خَطَـرَ ببـالي ، أنـه جـاءَ يستكشِفُ مـوقِـعَ الإذاعـةِ ومُـرسلاتِهـا ، ثم يعـودُ بعـدهـا ليُكمِـلَ بقيَّـةَ " المهمّـة !"
 فقـد يكـرّرُ المحـاولـةَ بعـدَ أن جـرَّبَ فـي المـرَّةِ الأولـى ...  
رصـاصتينِ مُتتابعتين أطلَقتُ على الفور ، إنـذاراً بالإنتشـار ... وبقيتُ أُحَـدِّقُ بإتجـاه قُـرصِ الشمس،
لـمْ يَطُـلْ الإنتظـارُ حقّـاً ... ظهَـرَتْ فـي الأفُـقِ بقعَـةٌ رمـاديـةٌ تنزلِـقُ مــعَ خيـوطِ الشمسِ ، بإتجـاهنا ...
تسـاءلنا : " مـاذا تُـراهُ فاعِـلاً هـذه المـرّة ؟ " لكنّنا لـم نفكـر بمـا يمكننا أنْ نفعَلَ ! ... تَسَمّرنا !
فالدِفـاعاتُ المُضـادةُ للطائـرات ، من صـواريخ ستريللا ودوشـكا نُقِلَتْ إلـى موقـعِ موصه لوك ، على مبعـدةِ ساعة عنّا ، أمـلا فـي تأمين الحمايـة لنـا ولمقـر القيادة من هناك.. 

مـالعمَـل ؟!
:::::::::::::::::::::::::::

 شُـلَّةُ رصـاصاتٍ  وأخـواتِهـا من الصـواريـخ والقذائف ، مودَعَـةٌ فـي " بيتِ النـار" تَتَرَصَّـدُكَ ، تُحصـي أنفاسَكَ !    

أَنَّـى لكَ تتعلّم السـحرَ كـي تَتحـاورَ معهنَّ ، هـنَّ المصوّباتِ إليكَ ، المُصـرّاتِ علـى إنـدماجِ الحديـدِ باللحـم،                     كيفَ تتصَرَّفُ مَعَهـنَّ ؟ كـيفَ تُقنِعُهـن أنْ يُضرِبنَ عـنْ الإنطلاق ؟  
أهـوَ رصـاصٌ ربّـانـيٌ ، رؤومٌ ، لا يُريـدُ لكَ سـوى أنْ تَتَـوَحَّـدَ مـعَ الأرض ؟!
كـي تعـودَ إلـى سيرَتِكَ الأولـى .... تـراب ؟!

.... أيـا زمنـاً لـم ينوَجِـدْ بعـدُ ،
أَيـا زمـانـاً يأتـي مـن خلفِ السحاب ،
ها أنـذا أُديـرُ لكَ وجهـي ،
باسماً أنتظـرُ الظلمـةَ ، باسمـاً أمـوت فـي زمـنٍ أجـرَب ..
الحمـدُ لنعمَتـه مَنْ أعطانـا الليلَ... !!

صمتُ الكـونِ وسادتُنا ،
والظُلمَـةُ فـوقَ مناكِبنـا سِـترٌ وغطـاء ،
فالليـالـي الحُبالـى ، يَلِدنَ ضُحـىً مُجهَضـاً ، جاءَتْ إشـاراتُه مـن مرصَـدِ الغيبِ ، فكَشَفَ العُلمـاءُ الثُقـاتُ عـنْ سِـرِّهـا :

"مـا  من غودو تنتظر، تَصرَّف!!"

مـاذا تنفعنـي لُغَـةٌ صـافِيَـةٌ ، خُلـوٌ مِـنْ بعثَـرَةِ الدلالاتِ والرمـوز ؟!
إذن للريـحِ سأُحَمِّـلُ لُغَـةً تَسوحُ فـوقَ الرمـلِ ، أُخفيهـا فـي أَفواهِ حُـداةِ الأِبِـلِ الهائمـةِ على وجهِ الصحـراء
::::::::::::::::::::::::::
::::::::::::::::::::::::::

خيَّمَ هـدوءٌ صـارمٌ ، مثـلَ حجـرٍ صلـد...
لـمْ نَعُـدْ قادريـنَ علـى الخـوفِ واليأسِ أكثـرَ ممـا فَعلنـا ،
ولـم يبـقَ أمـامَنا سـوى المشيِ بخطىً رصينـةٍ فـوقَ أديـمٍ منقـوعٍ بالدمـعِ والدم ...
قلـوبٌ أَسيانـةٌ ، تبكـي دِمامَ زمـنٍ لقيـط ..!
 !!... الحمـدُ لسلطانـه مَنْ أعطانا ألاَّ نختـار
فلـو إخترنـا ، قد نكونُ أخترنـا أخطـاءً أكبـرَ وحياةً أقسى ،
مَـنْ يـدري ؟!
:::::::::::::::::::::::::
:::::::::::::::::::::::::
هـا هـو ، مـن جديـدٍ يتزحلـقُ مُتَخفِياً بعبـاءةِ "أبولو"..
طفوليـةٌ رافَقَتني حتى بداية المراهقَةِ ، فـي الحصـولِ على " طاقيـةِ الإخفـاء"، تتملكني رغبة
وتجتاحني رغبـةٌ شديدةٌ أنْ أرى وَجْهَهُ ، أتفَحَّصُ ملامِحَـه ، كيفَ يجلِسُ في قَمرَتِـه ، وبيده " عصا القيادة " أمامَ لوحةِ تحَكُّمٍ تَلمِضُ فيهـا أضواءٌ صغيرةٌ ، مختلِفَةُ الألوان ...

" بمـاذا يُفَكِّـرُ ؟ أَتُراهُ يعـرِفُ أَحـداً منّـا ؟ أو كانتْ له خُصـومةٌ معَ أَيٍ مِنّا ؟    

أَمْ تُـراهُ فَقَدَ واحِـداً من أَعِزّتِـه في – لقاءٍ - معَ الأنصار؟  أيكـونُ أَحَدُنـا إنتزَعَ فتاةَ أحلامه دونَ أنْ يدري أوتدري؟!

 أَمْ تُراهُ لا هذا ولا ذاك ، مَلاكـاً يُنَفِّذُ مـا تَـأمُرُ بـه الآ لهــة ؟!"

:::::::::::::::::::::::::::

 
يَقْشَعِرُّ بَدَني ، وأنـا ألمَحـهُ يَقَتَرِبُ مِنِّا ، كأنّنـا نُحَـدِّقُ فـي عـينِ بعضٍ .. 
الناظـورُ يُؤكِّـدُ تآمُـرِهِ معَ " أبولو "، الـذي يستره بشعاعٍ من ذهب ..
صـاحَ (أبو جعفر ) : " وين الستريللا هِسَّه ..؟!"
:::::::::::::::::::::::::


وقبلَ أنْ أُجيبه، إنزَلَقَ "الطائرُ " الغريب من فوقِ رؤوسِـنا واطئاً ، واطئـاً جداً ،

حَسِبناه مـَسَّ ذؤاباتِ الشجرِ ، الذي راح يختضُّ ، فتتلوَّى مـا جـاءَ بهـا الربيع من طرِيِّ الأغصان ، وأنـه على وشـكِ الإنتحـار أمامنـا كـأيِّ طيّـارٍ إنتحاريٍّ ياباني ، ممن كانوا يُسمّونَ بالكاميكاتسا ، حتـى رأيناه بقمْرَتِـه ،

وأُقسِمُ أنـي رأيته يرفعُ يسراه مُلَـوِّحَـاً نحونـا..

 
::::::::::::::::::::::::
::::::::::::::::::::::::


بخِفَّـةِ طائـرِ السنونو ورشاقَتِه يرتفعُ شاقوليَّاً ...

صليلُ مُحرِّكـاته يذبحُ هـدوءَ المكـان ... 
وعندما يصيرُ فـوقَ القمةِ ، يتخَفَّفُ مـن بعـضِ "حمولته !"دونَ أَنْ يصيبنا بأذىً!
:::::::::::::::::::::::::

نسمعه على موجة أَفْ. أَمْ 96  يبلِّغُ قاعـدتَه بكـلامٍ يُفتَرضُ أنْ يكـونَ مُشفّراً : " الشايب بعده نايِمْ ، شعر راسه كُلّه أبيضّ! لكن الهديه وصلته..! 
وكان يريدُ بذلكَ أنَّ قممَ الجبال مازالت مُغطـاةً بالثلوج مما يعرقِلُ أي زحفٍ نحـوَ المنطقة .. وأنه أنجـزَ مهمـةَ القصف 
::::::::::::::::::::::::
::::::::::::::::::::::::


تباركتَ عفريتاً من جندِ سُليمانَ ، يَمتطي الريـحَ عـاتيةً ، يـأتيه قبـل أَنْ يَرتـدَّ إليه طَرْفُـه !!  

وَصَلَتْ رسالتُكَ
شـكراً كثيـراً !!..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إداري فصيل الأعلام المركزي ،كان مهندساً زراعياً تخرج في هنغاريا.

** مهندس كهرباء ، كان مسؤول قسم الهندسة في إذاعة "صوت الشعب العراقي".