الذكرى الثلاثين لمأساة الأنفال (1) / د. يوسف شيت

الذكرى الثلاثين لمأساة الأنفال / د. يوسف شيت                        

الجزء الأول

مرتّ ثلاثون عاما على تلك الأيام الدامية , أيّام الأنفال السيئة الصيت , التي نفّذها نظام البعث الفاشي في كردستان بين شهري شباط وأيلول 1988, قتل فيها أكثر من 200000 (مائتي ألف)مواطن عراقي, أغلبيتهم الساحقة من الأكراد الآمنين , ودمّرت ألاف القرى ومزارعها وينابيع مياها وكلّ ما له صلة بالحياة .

في الجزء الأخير من هذه الذكريات سأخصّ منطقة بهدنان, وحصرا الفوج الأول للأنصار, التي كنت نصيرا فيها لمدة ثمان سنوات (تمّوز 1980 – آب 1988, ثمّ سنتان في منطقة سوران- ناوزنك بعد الأنفال، حتى كانون ثان 1990), وتحديدا، الأيّام الأخيرة من الأنفال من 8 آب إلى 10 تشرين أوّل 1988   . 
قبل البدء بذكر الأحداث , لابدّ للقارئ الكريم أن يتعرّف بشكل أكثر على فصائل الأنصار الشيوعيين التي أضافت سطورا مجيدة وجريئة, سواء إلى تأريخ الحزب الشيوعي العراقي الذي يمتّد نضاله لثمانية عقود ونصف بشكل خاص, أو إلى تاريخ العراق المعاصر بشكل عام. كما نريد إلفات أنظار القرّاء إلى صدور الكثير, وستصدر مستقبلا مذكرات وكراسات وكتب, وبشكل أساسي على الكثير من المواقع الإلكترونية, توثّق حركة الأنصار التاريخية (وآمل أن تتحول إلى مسلسلات تلفزيونية تحكي قصة بطولات عراقيات وعراقيين أفنوا حياتهم وشبابهم من أجل عراق ديمقراطي حرّ، لا قصص مختلقة لبطولات فارغة لحكام لوثّوا سمعة العراق داخليا ودوليا).  وأصبح للأنصار منظمة واسعة لها فروع في أوروبا وأميركا وأستراليا وبغداد وأربيل وموقع إلكتروني . 
- بدأت حركة الأنصار الشيوعيين كقوة مقاتلة لأوّل مرّ بعد الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963 بعد انسحاب أعداد من أعضاء الحزب وأصدقاءه من مختلف محافظات العراق إلى كردستان, وأصبحت فصائلها صرحا مهمّا للكفاح المسلّح إلى جانب قوّات البيشمةركة بقيادة المرحوم الملاّ مصطفى البارزاني . خاض الأنصار الشيوعيون معارك بطولية سواء على إنفراد أو بالتنسيق مع فصائل البيشمةركة، (كانت فصائل الأنصار حينها منضوية تحت قيادة الثورة الكردية), ويشهد على ذلك مأثرة معركة هندرين التي خطط لها وقادها ونفذها الأنصار الشيوعيون وبدعم من البيشمةركة في 7 أيار 1966, ومنهم, نعمان علوان (ملازم خضر- أبو عائد) والشهيد خضر كاكيل والمرحوم الملازم أحمد الجبوري (أبو ازدهار), وأرغمت هذه المعركة نظام عارف للدخول في مفاوضات مع قيادة الثورة الكردية وتوقيع اتفاق هدنة في 29 حزيران 1966 والتي خرقها نظام البعث بعد مجيئه الثاني عام 1968 ليزرع من جديد الخراب والدمار في كردستان حتى أرغمته قوّات الثورة الكردية لتوقيع اتفاقية آذار 1970. وبعد هذه الاتفاقية حلّ الحزب الشيوعي أعدادا من فصائل الأنصار .
- بدأ الحزب الشيوعي بإعادة تشكيل قوّات الأنصار بداية عام 1979, رغم غياب القرار بذلك من قيادة الحزب , أي قبل بدأ الحرب العراقية الإيرانية بأكثر من سنة ونصف السنة وبعد الانهيار الرسمي للجبهة بين الحزب الشيوعي وحزب البعث منتصف عام 1978 (كانت بوادر هذا الانهيار ظاهرة للعيان منذ أواخر عام 1976وعلى صفحات جريدة الرّاصد لصاحبها المقبور طلفاح- خال البعث) . إلاّ أن بعض رفاق الحزب وأصدقائه بادروا بتشكيل فرق مسلحة منذ خريف 1978 في مناطق أربيل وكركوك والسليمانية (منطقة سوران) ثمّ امتدت إلى محافظة دهوك وأجزاء من سهل نينوى (منطقة بهدنان- وليس المقصود هنا إداريا) . في هذا العام بالذات,1979, دخل ما يقارب 700000 (سبعمائة ألف) عراقي أقبية أمن ومخابرات ومقرّات حزب البعث الفاشي من رجال ونساء ومن مختلف القوميات والأديان والطوائف والمهن بتهمة واحدة وحيدة وهي الانتماء أو مناصرة الحزب الشيوعي العراقي , وتعرضوا إلى شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي والاغتصاب واستخدام واستخدام السموم لقتلهم، مثل الثاليوم, واختفى الكثير منهم حتى يومنا هذا , بينما عثر على رفات آخرين في المقابر الجماعية التي اكتشفت وتكتشف لحدّ الآن منذ 2003 . لم تقرّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أسلوب الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي في النضال إلاّ في اجتماعها الموسع المنعقد في تشرن الثاني 1981، حينها كانت قوّات الأنصار وبيشمةركة الأحزاب الكردية تنزل خسائر كبيرة بقوات النظام وأزلامه . وجاء تأخير هذا الإقرار لعدم تمكن اللجنة المركزية للحزب من الالتئام بسبب الخلافات وعدم قناعة البعض من أعضائها, أصلا, بالكفاح المسلّح (1) .
- تشير الإحصائيات الموثقة إلى استشهاد ما يقارب  1000 (ألف) نصير دفن معظمهم في مقابر شيدت لهم في محافظات كردستان وفاء لهم من حزب الشهداء , ولم يتمّ العثور على رفات آخرين . وما هذه المقابر إلاّ وثيقة أخرى لمن يحاول تهميش شهداء الحزب أو ترحيلهم قسرا من قبل بعض أحزاب الإسلام السياسي إلى مقبرة المحاصصة الطائفية المحتقرة من قبل الشعب , فنحن لا نفرّق بين شهداء وطننا مهما كان معتقده وانتماءه السياسي والديني والطائفي والقومي, فالشمس لا تحجب بغربال .
- كان الأنصار الشيوعيين خير من يمثّل أطياف المجتمع العراقي , الذي سادته طيلة عشرات القرون أواصر الإلفة والمحبة , من نساء ورجال , عرب وأكراد , كلدان وآشوريين وسريان , تركمان وأكراد فيليين وأرمن , مسلمين سنّة وشيعة , مسيحيين وصابئة وإزديين وشبك , عمّال وفلاّحين وكسبة , وطلبة من مختلف المراحل الدراسية , عسكريين جنود وضبّاط من مختلف المراتب , أدباء وشعراء وصحفيين وفنّانين ورياضيين وحملة الشهادات العالية والجامعية والمهنية , إنّهم عكسوا بحق , وبوضوح , الرابطة التاريخية لتآخي الجماهير العراقية التي لم ولن يستطع لا الغزاة ولا المحتلون ولا الطامعون بالسلطة والمال من ثنيها . كان الأنصار الشيوعيين يربطهم بطيفهم هذا أفكار وأهداف واحدة : حب الوطن بلا حدود , إسقاط الدكتاتورية الفاشية وإقامة نظام حكم ديمقراطي عادل ينهي كلّ آثار الدكتاتورية ويمنح القوميات المتآخية كامل حقوقها القومية وينبذ كل ما يسيء إلى وحدة العراق أو مصادرة حريات المواطنين والمضي نحو مجتمع اشتراكي عادل .
- كانت مشاركتها في الكفاح المسلّح جنبا إلى جنب مع الرجل إحدى الملاحم البطولية للمرأة العراقية . لقد شاركت في مختلف نشاطات قوّات الأنصار, سواء في المعارك القاسية ضدّ قوات النظام ومرتزقته , واستشهاد الكثيرات منهن , لتعيد بذلك أمجاد المرأة العراقية التي ساهمت في وثبات وانتفاضات الشعب العراقي ,أو مزاولتها لمهنة التمريض والطبّ والاتّصالات وغيرها, واستطاعت بذلك فرض احترامها وهيبتها بين الجماهير وكافة الفصائل المسلحة في كردستان .
- خطط ونفذّ الأنصار مئات العمليات العسكرية وقاوموا وردوا كلّ أنواع الهجوم على مقراتهم وعلى القرى الآمنة التي يشهد لها الشعب الكردي وقادة الأحزاب الكردية . ومن أجل تصعيد وتيرة العمليات المسلحّة في عموم كردستان كان الأنصار ينسقون مع فصائل البيشمةركة التابعة للأحزاب الكردية للقيام بعمليات أخرى ضدّ قوات النظام وأزلامه من الاستخبارات والجحوش ( أطلق عليها النظام "الأفواج الخفيفة") وتدخل الرعب في صفوفهم . بهذه الجرأة والشجاعة استطاع الأنصار كسب ودّ واحترام الشعب الكردي , فانخرط الكثير من الشباب في فصائلهم ليتعزّز دورها أكثر فأكثر , رغم أنّ الحزب , وفي فترات سابقة , كان مغيّبا قسرا في بعض م

- كان الحصول على المواد الغذائية,حتى عام 1982, أمرا صعبا في منطقة بهدنان بسبب بعد المقرّات عن المدن والقرى ووقوعها في "المنطقة المحرّمة" على الحدود التركية، خاصة في فصل الشتاء حيث تتساقط الثلوج بكثافة وتنقطع الطرق. وكان الاعتماد الرئيسي للتمويل من المهرّبين الأتراك وكذلك في سهولة التعامل مع حرس الحدود الأتراك, حيث كانوا يقتنعون ب"هديّة" (ربع أو نصف كيلو من الشاي وبعض علب السيكائر) مقابل السماح لنا بالدخول إلى القرى التركية لشراء المؤن . وبعد انتقالنا إلى العمق في الداخل,أصبح من السهل الحصول على المؤن من المدن والقرى العراقية . 
- رغم الأعمال البطولية للأنصار الشيوعيين لكسر شوكة النظام الفاشي , اعترت الحركة أخطاء وصعوبات ليست بالقليلة , ولم تتم معالجة البعض منها في حينها , والسبب الأساسي في ذلك استمرار الخلافات داخل قيادة الحزب, ومنها الإخفاق في الإجابة على السؤال : من يقود العمل الأنصاري , التنظيم الحزبي أم مسئولي التشكيلات الأنصارية ؟ وأدّى ذلك إلى الاختيار الخاطئ لبعض القيادات العسكرية والسياسية , وخاصة في تشكيلة المكتب العسكري (2) خلقت حواشي راخية في تنظيمات حركة الأنصار الحزبية والعسكرية، بما في ذلك تنظيمات الداخل، استغلها النظام البعثي لدسّ عملاءه أو شراء بعض ضعفاء النفوس من داخل التنظيم الحزبي ودسّهم في التنظيم وقوّات الأنصار.جاءت هذه الأخطاء كنتيجة حتمية لسياسات خاطئة سابقا، خاصة طريقة التعامل مع البعث طيلة مدة الجبهة معه. والأسباب الأخرى كانت نتيجةّ تقلب الظروف الموضوعية , ومنها حالات الإقتتال بين الفصائل المسلحة , وأخطرها الاعتداء الغادر لقوات الإتحاد الوطني الكردستاني (اوك)على مقرات الحزب الشيوعي ومقر الجبهة الوطنية الكردستانية في باشتاشان, يومها كان الأنصار يتهيئون للإحتفال بعيد العمّال العالمي في 1 أيار 1983,استشهد خلاله ما يقارب مائة (100) نصير, معظمهم عرب من بغداد ومحافظات الجنوب, وأطلق الجناة الرصاص على بعض أسرانا على هويتهم القومية . كان العدوان عربونا مفضوحا قدمه (أوك) لسلطة البعث مقابل قبول الأخيرة للدخول في مفاوضات معه وحصول على مكاسب حزبية تمكّنه من الانفراد بالساحة الكردستانية, إلاّ أنّ الراشي لم يحصل من المرتشي حتى على عقب سيكارة ! أرهق هذا الاعتداء الحركة المسلحة في كردستان وزعزع ثقة أوساط واسعة من الجماهير الكردية بها ومهدّ الطريق أمام سلطة البعث لعقد صفقات مع بعض رؤساء العشائر الكردية التي كانت تهاب قوّات الأنصار والبيشمةركة, وتشكيل تنظيمات مسلحة معظمها من الهاربين من جبهات القتال, بعد إصدار عفو عنهم سميت بالأفواج الخفيفة, أوكلت إليها مهمة مقاتلة البيشمةركة والأنصار مقابل أموال استحوذ عليها رؤساء العشائر . وانحسر بذلك توافد الشباب للتطوع في صفوف البيشمةركة والأنصار . ومن العوائق التي صادفت الأنصار هو دخول مسلّحي حزب العمّال الكردي التركي (ب ك ك)   منطقة بهدنان وفرضوا أنفسهم "كمحرري كردستان الكبرى". أخذ هؤلاء يستفزون مقاتلينا ويعتدون عليهم , ونتيجة أعمالهم العدائية استشهد ثلاثة من أنصارنا, ومنهم الشهيد أبو آذار من الناصرية . إلاّ أنّ الأنصار لم يسكتوا على هذه الاستفزازات بل ردوا عليها , والتحق البعض من هذه الجماعات بأنصارنا بسبب عدم قناعتهم بمثل هذه الأعمال الغادرة . وينطبق على هؤلاء المثل الشعبي العراقي " هم نزل وهم يدبّج عاسطح" . ولكن , ومع الأسف, كان بيشمةركة حدك يحمون هؤلاء من ردّ الأنصار على أفعالهم . 
- لم تثن الظروف القاسية عزيمة الأنصار في مواصلة القراءة والكتابة والنقاشات الساخنة والهادئة والاستماع إلى آخر أخبار العراق والعالم . فوضعوا القلم والكتاب والمسرح والراديو إلى جانب البندقية لمواصلة تطوير ثقافتهم وآرائهم . أبدع المسرحيون في كتابة النصوص المسرحية وإخراج المسرحيات والتمثيل, وأذكر منهم أبو داود- سلام الصكر وهادي الخزاعي-أبو أروى، وجذب هواة التمثيل من الأنصار إلى المسرح , وقدّموا عشرات المسرحيات في مقرّات القواطع والأفواج في الكثير من المناسبات , وأقام الفنانون التشكيليون – الشهيد أبو أيار وأبو فائز, والرسم الكاريكاتيري الفنّان أبو بسّام وغيرهم عدد من المعارض نالت إعجاب الأنصار وضيوفهم . كانت السرايا المتنقلة وسرايا حماية المقرّات , وكذلك بعض الفصائل , تصدر مجلّاتها الخاصة بها , يرفدها الأنصار بمقالات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وقصائد شعرية وخواطر وقصص قصيرة, كما لم تخلو من فكاهات وكاريكاتير . كانت تكتب وتستنسخ باليد ويتم تداولها بين مقاتلي السرية وبين السرايا الأخرى . وقد وصل عددها إلى حوالي ثلاثين مجلّة وبمئات الأعداد. المثال على ذلك , مجلة "النصير الثقافي" وهي أول مجلة تصدر للأنصار في تشرين أول 1980 وصدرت في قاعدة بهدنان , مجلّة "فجر النصير" صدرت في قاعدة هيركي – قاطع أربيل منذ كانون ثان 1981, مجلة "رينوين- الدليل" صدرت في قاطع السليمانية منذ آذار 1984. ولم تخلو أية من هذه السرايا والفصائل من الكتب في مختلف المواضيع , رغم أنها كانت تشكل ثقلا إضافيا قي حقائبهم التي تحوي حاجاتهم , وخاصة الأكل الذي كانت جماهير قرى كردستان تخصصه لفصائل البيشمةركة المقاتلة إلى جانب حملهم السلاح وعتاده (3).ومن رواد الثقافة الأنصارية, ومن ضمنهم إعلاميون,أتذكّر منهم, عوّاد ناصر,داود أمين,أبو دجلة, زهيرالجزائري,أبوسهيل, كامل الركابي,أبو طالب,مفيد الجزائري,حيدر أبو حيدر, يوسف أبو الفوز, رياض محمد,قاسم الساعدي, وعشرات غيرهم . ولم يتخلى الأنصار عن تشكيل فرق رياضية , مثل كرة القدم والطائرة ,وإقامة المباريات فيما بينها وبين فرق بيشمةركة الأحزاب الأخرى . 
- استطاعت السلطة الفاشية التعتيم على الكفاح المسلّح في كردستان بوحدانية إعلامها الغوبلزي "كذّب ثمّ كذّب ثمُ كذّب حتى يصدّق الناس", فكانت تهدر أموالا طائلة لتشتري ضمائر وشرف البعض وزجها في مجمعها الإعلامي المتكون من إذاعات ومحطات تلفزة وصحف ومجلاّت ومراسلين داخل وخارج العراق ومحطّات تشويش على كل إذاعة لا تتلاءم وسياسة النظام مستخدمة لذلك أحدث المعدات التكنولوجية , وحجبت عن الجماهير العراقية وسائل الاتصالات الحديثة مع العالم الخارجي , مثل الإنترنت والستلايت والهاتف النقّال , ومنعت الكتب التي لا تمجّد " القائد الضرورة" وحزبه الفاشي. وعبر هذا الإعلام المتهور فتحت سلطة البعث أبواقها لتشويه الحقائق , ومنها تأريخ العراق وحضاراته العريقة , ولم تنطق بكلمة حقّ واحدة ,لا أمام الرأي العام في الداخل ولا في الخارج . كلّ ذلك مقابل إعلام بسيط متواضع للحزب الشيوعي لم يكن بمقدوره إيصال صوته إلى أغلبية الشعب , لم يكن ليتعدى إذاعة متواضعة وصحيفة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة وكان توزيعها في الداخل محدودا . مع العلم كان للحزب رفاقا إعلاميين متمكنين وماهرين في مختلف المجالات , عملوا مع معدّات وأجهزة قديمة مضى زمنها ولا وجود لأدواتها الاحتياطية,و ضمن ظروف في غاية الخطورة ولم يبخلوا براحتهم وصحتهم والعمل لساعات طويلة والسهر على حماية وصيانة هذه المعدّات من أجل إيصال كلمة الحق إلى المواطن العراقي . 
- استخدمت سلطة البعث كافة أنواع الأسلحة المحرمّة دوليا , باستثناء السلاح النووي لأنه لم يكن بحوزتها, ضدّ الحركة المسلحة في كردستان . ففي أيار 1987 قام سرب من طائرات النظام بقصف مقر قاطع بهدنان للأنصار الشيوعيين في زيوة على نهر الزاب بالأسلحة الكيماوية , ولأول مرة, فاستشهد فيها النصيرين أبو فؤاد (فلاّح) وأبو رزكار (مهندس نفط - ماجستير) وجرح أكثر من 120 نصيرا توفي البعض منهم لحقا بعد تعرضهم إلى أمراض خطيرة بسبب الغازات السامّة . لم يتحرّك حينها الضمير العالمي بسبب "تعطيله" من قبل أميركا وأوروبا,وكان نظر وسمع الأمم المتحدة في "إجازة" , بينما كانت دول الخليج في "شهر عسل" مع النظام الفاشي والتي أغدقته بملياراتها ليقوم سليل الفاشية بتوزيعها يمينا وشمالا لإخماد الضمائر وشراء الذمم وتقوية قطعان حمايته وجواسيسه وتوديع القسم الآخر في البنوك الغربية , وإدخال العراق في حروب داخلية وخارجية ليدفع الشعب العراقي فاتورة بلطجته , مدعيا حمايته للبوابة الشرقية للأمة العربية , وأخيرا انقلب السحر على الساحر بعد احتلال الكويت .
- أصبحت حركة الأنصار جزءا مهما من تأريخ نضال الحزب الشيوعي العراقي ضدّ الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة ومن أجل نظام ديمقراطي برلماني عادل يقرّ حقوق الطبقات الكادحة ووضع حدّ لاستغلالها اللاإنساني من قبل طواغيت السلطة والمال . لذا يتوجّب توثيق تأريخ الحركة الأنصارية الحافل بالبطولات والتضحيات ليتسنى لجماهير شعبنا التعرف على أحد جوانب نضال الشيوعيين العراقيين لتقارن , وبشكل موضوعي , بين مختلف آراء وأفكار وتأريخ الحركات السياسية العراقية وعقلانية برامجها , وخاصة نحن نخوض حاليا معركة الديمقراطية في ظروف بالغة التعقيد يسودها الإرهاب والفساد والصراع أللامبدئي على السلطة . علينا جميعا طرح الحقيقة أمام الجماهير والتي غيبّت عنها لفترة خمسة عقود , لتتمكن بملء إرادتها اختيار من سيمثلها ويدافع عن حقوقها المستباحة .

الجزء الثاني
بعد أن بنى النظام آماله على قرب توقف الحرب مع إيران ووجود مشاكل داخل الحركة المسلّحة في كردستان , خاصة بعد أحداث باشتاشان , وتمكينه من تسليح الآلاف من الأكراد ضمن تشكيلات ما سمي ب "الأفواج الخفيفة" (والتسمية الشعبية , الجاش أو الجحوش) بعد الاتفاق مع بعض رؤساء العشائر من خونة الشعب الكردي , بدأ النظام باتخاذ كلّ الإجراءات لبدء الأنفال متخذا الآية القرآنية: "يَسْأَلونك عن الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" ذريعة لقتل الآلاف من الأبرياء. عيّن رأس النظام ابن عمّه علي حسن المجيد الملقّب ب"علي الكيماوي" أمين سرّ تنظيم الشمال بعد أن رفّعه الى رتبة فريق , وكان هذا الفريق عبارة عن نائب عريف فاشل قبل مجيئ البعث للسلطة في 1968 . ويضاهي المجيد هذا صدّام ونجليه والمقربين منه بوحشيته وفقدانه الشعور الإنساني . ومن أقوال هذا الوحش الدنيئ " آني راح اضربهم..... راح اضربهم كيمياوي.... شيريدون يكولون الدولي ...أنعل أبو الدولي… لبو اليفزع من كل دول الله ..." (4). لقد تجاوز هؤلاء أفعال هتلر عندما كان يخاطب مخابراته وضبّاط جيشه أثناء اجتياح أوروبا : " تخلّو عن ما يسمى بالضمير ". هذا هو المستوى السياسي والاجتماعي والأخلاقي لحكّام النظام السابق . 
غيّب النظام خلال الأنفال أكثر من مائتي ألف مواطن من كردستان باستخدامه شتى أنواع الأسلحة , وخاصة السلاح الكيماوي ومارس أشكال التعذيب والاغتصاب معهم , ودفنت الأغلبية في مقابر جماعية . وفي يوم 16 آذار قصفت طائرات النظام مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي , استشهد فيها خلال دقائق ما يقارب الخمسة آلاف مواطن معظمهم من الأطفال والنساء والمسنّين , وأصيب وشوّه أضعاف هذا العدد, مما أدّى إلى وفات أعداد أخرى منهم . بسبب الظروف المعقّدة والخطيرة قبلت الأحزاب الكردية دعوة الحزب الشيوعي العراقي لتشكيل " الجبهة الكردستانية العراقية " في أيار 1988 وانظمّ إليها , بالإضافة إلى الحزب الشيوعي , الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والإتحاد الوطني الكردستاني (أوك) والحزب الاشتراكي الكردستاني وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني . جاء قيام الجبهة في وقت متأخّر جدا , وكما يقال "في الوقت الضائع" , أي في وقت كان النظام قد أكمل كلّ استعداداته وبدأ بالانقضاض على كردستان لاستهداف الحركة المسلّحة وتركيع الشعب الكردي . كان قيام الجبهة في هذه الفترة عبارة عن حاصل جمع بين الأحزاب التي تقود الكفاح المسلّح , أي, لم يكن أمامها الوقت الكافي لبرمجة عملها وتوضيح أهدافها وترويجها بين الناس. وفي هذا الوقت بدأت آلاف العائلات الكردية بالنزوح نحو الحدود التركية والإيرانية للخلاص من جحيم الأنفال . وجاءت الجبهة قبل ثلاثة أشهر فقط من احتدام المعارك المصيرية بين قوّات النظام ومرتزقته وبين قوّات البيشمةركة . واستطاع النظام , بعد موافقة الخميني على إيقاف إطلاق النار في الثامن من آب , من سحب الفيلق الأول والثاني والخامس من الجبهة وتعزيزها بالحرس الجمهوري والحرس الخاص والمغاوير وما سمي بالجيش الشعبي بالإضافة إلى الجحوش لزجّها في القتال ضدّ الأنصار والبيشمةركة .
حديثنا هنا, يقتصر على الأيام الأخيرة من تواجد قوّات أنصار الفوج الأول للحزب الشيوعي وعائلاتهم المهجرة من مناطقهم الأصلية وسكّان القرى الآمنة المحيطة بمقرّ الفوج الأول (منطقة جبل غارة),لأنّ قوّات حدك انسحبت منذ فترة , وكان من المفروض أن تنسّق مع قيادة الفوج الأول حول طريقة الانسحاب , أو على الأقل إعلامنا بانسحابها . والجدير بالذكر, لم يكن هناك أي تواجد لقوّات أوك في منطقة بهدنان منذ تأسيسه , رغم محاولاته في الفترة الأخيرة (1987- 1988), أي بعد مصالحاته مع حشع و حدك , بتقديم إغراءات مادية لكل من يرغب بالانتماء إلى قوّاته . 
بدأ التحرك الفعلي لقوّات النظام بعد يوم واحد من إعلان توقّف القتال بين العراق وإيران من مدينة الموصل في عدة اتجاهات , العقرة وشيخان وسرسنك , والهدف هو الاستيلاء على مقرّ الفوج الأول والفوج الثالث لقوّات الأنصار المتمركز في كلي هصبة في منطقة جبل متين  ومقرّات بيشمةركة حدك في نفس المناطق . في هذه الأيام بالذات كنّا منتشرين في قرى المنطقة للحديث مع الأهالي حول الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها الحركة المسلحّة في كردستان . كان البعض من سكان القرى قد إتّخذوا قرارهم بترك قراهم والتوجه نحو الحدود التركية , والبعض الآخر مجرّد ينتظرون إلى ما ستؤول إليه الأوضاع . والقلة منهم لا تريد ترك أرضها وممتلكاتها بدون قتال إلى جانب الأنصار والبيشمةركة مستمدين عزيمتهم من العمليات الجريئة لأنصارنا وبيشمةركة حدك, وخاصة مقاومتهم البطولية التي أفشلت محاولة الآلاف من قوّات النظام ومرتزقته لاحتلال مقرّاتها شتاء 1986/1987 ومنزلة فيه خسائر كبيرة , استشهد خلالها أحد أفراد بيشمةركة حدك, وكذلك الأخبار القادمة من مناطق المعارك الدائرة حاليا بين البيشمةركة وبمشاركة الأنصار, بقيادة السيّد مسعود البارزاني (رئيس الاقليم)من جهة وقوّات النظام ومرتزقته من جهة أخرى في منطقة خواكورك وصمود البيشمةركة وتكبيد القوّات الغازية خسائر كبيرة . وكانت هذه المعارك قد بدأت منذ منتصف تمّوز حتى السادس من شهر أيلول, لينهي النظام مهمته باحتلال الكثير من قواعد الحركة المسلحة. بعد الأنفال أعيد انتشار قوات البيشمةركة والأنصار في منطقة سوران وأقسام منها دخل الأراضي الإيرانية والتركية . 
تغيّرت الظروف كليا بعد وقف إطلاق النار مع إيران وأصبحت كفة النظام أكثر رجوحا من ذي قبل, وخاصة في بهدنان . فالنظام يمتلك كافة أنواع الأسلحة الحديثة ,من خفيفة ومتوسطة وثقيلة والطيران المتعدد الأهداف ومختلف الصواريخ , وأعداد قوّاته تعادل عشرات أضعاف قوّات الأنصار والبيشمةركة ,وأصبح الوقت متأخرا جدا لإعادة ترتيب الفصائل المقاتلة . لذلك أصبح الكلام عن المقاومة مجرّد خيال , لأنّ أيّة مقاومة , مهما صغرت , سينهيها النظام بالسلاح الكيماوي , وليس هناك من يمنعه من ذلك , لأنّه أصبح كالكلب المسعور ويحضى بإسناد "أشقاءه" من بعض أنظمة الدول العربية المنضوية تحت المظلّة الأمريكية وبتشجيع المنظمات والأحزاب القومية العربية والإسلامية المتطرفة, وأصبح رأس النظام يشعر بأنّه سلطان المنطقة , وشتائمه "لأشقّاء الأمس" واحتلاله للكويت كان دليلا على ذلك .
نسّب الرفيق أبو سالار (لبيد عبّاوي ,الوكيل الأسبق لوزير الخارجية ) سكرتيرا لمحلية نينوى بعد المؤتمر الرابع للحزب في 1985, ثمّ أصبح مسؤولا عن العمل الحزبي والعسكري بعد دمج التنظيم الحزبي والأنصاري في آذار 1988,وأصبحت محلية نينوى تقود الفوج الأول والتنظيم الحزبي (وكنت عضوا فيها) . كان الاجتماع الأخير لمحلية نينوى يوم 24/8/1988 وبكامل أعضاءها , وبعدها, وبسبب الظروف الاستثنائية, جرت الأمور عن طريق اللقاءات, وفي هذا الإجتماع أبلغنا الرفيق أبو سالار بقرار المكتب السياسي للحزب بالإنسحاب باتجاه منطقة سوران , وحدد يوم 26/8 للانسحاب, على أن يتم إرسال العائلات إلى مقرّ الفوج الثالث في كلي هصبة (منطقة جبل متين) يوم 25/ 8 ليأخذ على عاتقه إيصالهم إلى تركيا أو سوريا ,باعتبار أنّ الطريق إلى سوران محفوف بالمخاطر , كما يتمّ الإتصال بمحلية شيخان (حدك) في كلي سيدره للتنسيق حول طريقة الإنسحاب , إلاّ أنّ بيشمةركة حدك كانوا قد انسحبوا منذ فترة وبدون إبلاغنا بذلك . بعد موافقتهم أكدّ أنصار الفوج الثالث على أن يتمّ إرسال العائلات بسرعة , لأنّ الوقت لا يرحم ! بدأ الأنصار بإخفاء الوثائق الشخصية والصور والأرزاق والأسلحة المتوسطة , مثل الدوشكا و آر بي جي 20 . اختارت قيادة الفوج فريق من الأنصار الشباب النشطين لمرافقة العائلات كونها مهمّة خطيرة وحساسة , وبدأت مسيرتهم مساء 25/8 على أمل استلام برقية من الفوج الثالث صباح اليوم التالي بوصولهم بسلام . رغم الهدوء الذي خيّم على مقرّ الفوج الأول بعد ركوننا إلى أفرشتنا, لا أعتقد بأنّ هناك من استسلم إلى النوم , لأنّ همومنا أخذت تزداد, خاصة بالنسبة للأنصار الذين أرسلت عائلاتهم لعبور الحدود , ولكن أي حدود؟ وإلى أين؟ وهل ينجح الأنصار في مهمّتم المحفوفة بشتى المخاطر؟ لا أحد يعرف ! بعد منتصف ليلة 25/26 عاد أحد الأنصار المرافقين للعوائل ليخبرنا بعدم تمكنهم من عبور الشارع الرئيسي بين سرسنك ومدينة العمادية , بسبب سيطرت قوّات النظام عليه ومرور عشرات الدبابات والمدرّعات والمدافع وناقلات الجنود لإتمام الطوق على مقرّاتنا . بعد قليل بدأت أصوات الأطفال ودردشة النساء تطرق أسماعنا. دخلت العائلات المقرّ وقد انتابها الإرهاق والتعب النفسي والجسدي . لقد تأخّرنا في أداء هذه المهمة . انقطعت كلّ الاتصالات اللاسلكية مع المكتب السياسي والمكتب العسكري والفوج الثالث للحفاظ على سرية أماكن تواجدنا . طرح سكرتير المحلية فكرة إيصال العائلات إلى قاطع أربيل في كافية , ومنها الى سوران عبر نهر الزاب برفقة أنصار القاطع . عندما سألت السكرتير ,لماذا لاتنسحب العائلات معنا إلى كافية , فردّ , بأنّ العائلات مع الأطفال تسير ببطؤ ونحن نلحق بهم في اليوم التالي بعد تناول الفطور, (يا لها من نزهة !) . بدأت العائلات بالإنسحاب من المقرّ عصر يوم 26/8 ترافقها مجموعة من الأنصار باتجاه قاطع أربيل وانصرفنا إلى النوم فوق سطوح القاعات . كانت ليلة 26/27 آب هادئة والحراسات مستمرّة . لا أشكّ بأنّ أحدا منّا لم يكن يفكّر,بدلا من النوم, بأحبته- زوجته وأطفاله وحبيبته ووالديه وشقيقاته وأشقّاءه وأصدقائه ووو . ولكن ما هو شعورهم تجاهنا والأخبار تتوالى باتباع النظام الفاشي سياسة الأرض المحروقة في كردستان! في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل شقّ الهدوء صوت قذيفة مدوّي والذي دفعنا تلقائيا باتجاه نقطة الحراسة, اتصل الرفيق توفيق بربيئة المقر وأخبروه بأنّ سقوط القذيفة كان قريبا وباتجاه المقرّ . "العدو الغادر لم يعطنا فرصة تناول فطورنا بهدوء". إضطررنا لتناول الفطور بعجالة , وبدأنا بالانسحاب في الرابعة صباحا باتجاه كافية . أول قرية في طريق الانسحاب هي آطوش التي كانت تحتضن بعض عوائل أنصارنا . عندما كنّا نمرّ بآطوش, أيّام تنقلاتنا بأمان لتنفيذ المهام الموكلة إلينا, كانت الفرحة تدخل قلوبنا , حيث صيحات الأطفال وضحكاتهم وبكائهم , وبساتينها وأزهارها الجميلة التي تعبق من بعد , ودردشات الكبار من نساء ورجال ودعواتهم لنا لتناول الأكل أو شرب الشاي والحديث حول ما يجري في بلدنا المثقل بكابوس البعث . أمّا في هذه المرّة كان الوضع مختلفا تماما , فلا شئ يشبه ما ذكرناه سوى بيوت وأزقة فارغة حزينة , وكأنها تعاتب أهلها الذين تركوها مجبرين إلى وجهة غير معروفة , منتظرة أجلها المحتوم على أيدي أيتام هتلر لتلتحق بآلاف القرى الكردستانية التي أزيلت من الوجود. كنّا آخر مجموعة تسلك ذات الطريق الذي سلكه الآلاف من سكان القرى . بعد مسيرة حوالي ساعتين وصلنا إلى أحد فروع نهر الزاب , وهناك الكثير من العوائل منتشرة لتأخذ قسطا من الراحة . تحدّثنا معهم , من أي قرى قادمين وما هي وجهتهم , كان الجواب , الهروب من الموت باتجاه الجدود ولكن بدون وجهة محددة . واصلنا مسيرتنا بمحاذات النهر , ولاحظنا بأنّ الطريق يزدحم بالناس كلّما تقدمنا , بل وهناك من يسير بعكس الاتجاه , وبكاء النساء والأطفال يزداد , ونحن مسرعين للحاق بعائلاتنا، جاءنا الخبر الأكيد من بعض الرفاق الذين رافقوهم بأنّ العائلات عائدة إلينا لآنّ الجيش احتلّى مقرّ قاطع أربيل بعد أن تمكنّ الإنصار من الإنسحاب منه بساعات قليلة . لقد تأخّرنا مرة أخرى. مع العلم كانت لدينا تجربة ناجحة بإخلاء عائلات الأنصار من مقرّ الفوج الأول. فقبل أن تبدأ المعارك بين الأنصار وبيشمةركة حدك من جهة وقوّات النظام ومرتزقته من جهة أخرى شتاء 86/87, كلّفت قيادة الفوج الرفيق أبو عمشة يرافقه بعض الأنصار,رغم حالته الصحية المتردية, بسحب العائلات إلى قاطع أربيل في كافية . فتمّ ذلك بهدوء وعدم تعرّضها إلى أية مخاطر, رغم قساوة المناخ والثلوج .
لنعود قليلا إلى الوراء ونتحرى أسباب هذا الإخفاق . المقصود هنا ليس تجيير الأخطاء والإخفاقات على هذا المسؤول أو ذاك , كنت أنا أيضا في لجنة محلية نينوى التي تقود العمل التنظيمي والعسكري , أي أتحمّل قسطا من تلك الأخطاء بغض النظر عن مهمّتي . من الضروري قراءة الماضي بشكل نقدي , وهذا ليس بعيدا عن سلوك الشيوعيين,كون ذلك أحد قوانين التطور. فالذي كان يصلح بالأمس ربما لا يصلح اليوم , والذي يصلح اليوم ربما لا يصلح للغد, لأنّ قراءة الظروف الموضوعية والذاتية بشكل صحيح هي البوصلة الحقيقية لوضع السياسة الصحيحة . والمهم هو الاستفادة من الأخطاء , (وخاصة نحن نمرّ اليوم بعد 2003 بمرحلة استثنائية مرشحة لكل الاحتمالات) . الأخطاء والإخفاقات المارة الذكر كان سببها طبيعة عملنا , كاتّخاذ القرارات بشكل متأخر وأحيانا فرض قرارات فوقية أو التلكؤ في تنفيذ بعضها أو التأخير بايجاد آلية لتنفيذها وأحيانا الإرتياحات الشخصية . فقرار دمج التنظيم الحزبي والعسكري تحت قيادة واحدة جاء متأخرا رغم صحّته,أي بعد حوالي عشر سنوات من بدأ العمل المسلّح,كونه جاء في ظروف صعبة وحرجة لحركة الأنصار وعموم الحركة المسلّحة في كردستان . هذا الدمج أصبح عبارة عن حاصل جمع قيادتي التنظيمين وبدون دراسة وافية , وأصبح البعض من الكادر الحزبي بدون نشاط وكأننا نمرّ في فترة بطالة مقنّعة. كان على قيادة الحزب دراسة العمل الأنصاري وإعادة هيكلته بين فترة وأخرى وفق ما تقتضيه الظروف , وإفراغ المقرّات من العائلات والمرضى والمسنين والأنصار المتلكئين في عملهم وإرسالهم إلى الخارج للتأمين,على الأقلّ, على حياتهم , ثمّ الاعتماد على مجموعات أنصارية صغيرة من الشباب خفيفة الحركة تتناسب والظروف التي ازدادت تعقيدا منذ عام 1987. السبب الرئيسي للإخفاقات هو عدم وجود قيادة مؤهلة لقيادة العمل الأنصاري وخلافات داخل قيادة الحزب (5).
جاء قرار إنسحاب الأنصار من منطقة بهدنان متأخرا, وخاصة الفوج الأول . فبالإضافة إلى أوضاع محلية نينوى الذاتية وافتقارها لخطة طوارئ وتسارع الأحداث وتمكين النظام من توزيع قواته حول مقراتنا سببا آخر في عدم تمكين المحلية من اتخاذ القرار في الوقت المناسب لسحب عائلات الأنصار .
ملاحظة 1 : "كان مقرّ بيشمةركه حدك (محلية شيخان) في كلي سيدره لا يبتعد عن مقرّنا سوى دقائق , وكان من المفروض أن ينسّقوا مع قيادة الفوج الأول في تنظيم عملية الإنسحاب وإخلاء المنطقة من سكانها وتأمين انسحابهم , مع العلم كان التنسيق بيننا كحلفاء جيدا أثناء القيام بعمليات قتالية أو الصدّ لهجوم قوّات النظام . لكنهم فاجئونا بانسحابهم المبكر وعدم إبلاغنا حتى بنيّتهم بذلك وتركهم الآلاف من جماهير المنطقة ليقوم الأنصار الشيوعيون لوحدهم بحمايتهم . وكانت تلك المرّة الثانية التي تفاجئنا محلية شيخان بانسحابها بدون التنسيق مع الفوج الأول . و المرة الأولى كانت أثناء هجوم قوّات النظام ومرتزقته على مقرّي مرّاني وسيدره في كانون الثاني 1987".
لقد كانت فكرة سكرتير محلية نينوى بعدم مرافقة أنصار الفوج الأول للعائلات وتكليف الأنصار الآخرين بذلك خاطئة تماما ومهما كانت الحجج .
أخذت الجموع تتراجع ومحاذات فرع الزاب باتجاه مقرّ الفوج الأول وأصوات صياح وبكاء الأطفال والكبار تتعالى مع سماعهم رشقات الأسلحة الرشاشة وأصوات قذائف المدفعية من خلف القمم المحيطة بنا بعد أن أصبحت سلسلة جبل كارة محاطة بقوّات النظام ومرتزقته من الجحوش , وسدت عليهم كلّ الطرق المتاحة للهرب . بسبب حراجة الموقف وخطورته عليهم , أخذت الناس تنفث ما في داخلها من هموم , فهذا يتهم قيادة البيشمةركة بتركهم لقمة سائغة للنظام , والآخر يسأل لماذا وصلت الأمور إلى حدّ الهزيمة , والكلّ تلعن النظام ومن يقف وراءه. ليس من الغريب أن تنهار معنويات الناس وهم في هذا المأزق الخطر مع الأطفال والمرضى والمسنّين . في هذا الاثناء أخبرني أحد الأنصار بتوكع صحة ر.أبو سلوان ويريد التحدّث معي . بعد الحديث معه وطمأنته كون الوكعة بسيطة , سلّم لي بندقيته وصور فوتوغرافية وجواز سفره , وطلب منّي إتلافها . وفي اليوم التالي تحسّنت صحته , فأعدت له الأمانة سالمة وشكرني لعدم إتلافها . أخذت جموع الناس , ومعهم عائلات الأنصار تتجمع حولنا , وبدأ الأنصار بتهدئتهم والتريث لحين إيجاد حلول قد تؤدي للخروج من المأزق . قررت محلية نينوى التوجه إلى أخاديد جبل كارة مع هذه الجموع التي قدّر عددها بحوالي 25000 (خمسة وعشرين ألفا) للإحتماء وأخذ قسط من الراحة وتداول الوضع . كان الأطفال أكثر حضورا وأعمارهم متفاوتة , بدءا من حديثي الولادة فصاعدا , ويملأون المكان بلعبهم وبكائهم وأصواتهم وعلى محياهم البراءة غير آبهين بما يجري حولهم . أمّا الرجال كانوا يتسللون إلى قراهم لجلب المزيد من الأكل والأفرشة لعوائلهم وما لديهم من دجاج وأغنام لسدّ رمقها وحمايتها من برد الليل .إنتابت البعض من الناس حالات مرضية , خاصة الأطفال . كان طبيب الفوج الرفيق باسل حاضرا دائما بتجواله بين الناس يساعده في ذلك نصيرات الفوج , حيث يعطي ما هو متوفر من أدوية وتقديم الإرشادات لتلافي أي خطر انتشار الأمراض المعدية . أمّا بعض الشباب , ومن تبقى من البيشمةركة , بقوا مع عائلاتهم محتفظين بأسلحتهم الخفيفة لحمايتها . أعطت قيادة الفوج تعليماتها إلى الكل بعدم إطلاق النار وعدم إثارة أية أعمال ملفتة للنظر , لتلافي الصدام مع قوّات النظام وتعريض هذا الجمع الكبير إلى خطر الإبادة . فكان الإلتزام بالتعليمات والهدوء هما المهيمنان على الموقف .
لم يحتمل الوضع أي انتظار , فسارعت محلية نينوى إلى تداول الموقف ,(كان أكثر رفاقها حراكا حينها,سكرتيرها أبو سالار وآمر الفوج توفيق, وأبو سربست وأبو أمجد), واتخذت قرارا بإرسال مجموعات أنصارية , تأخذ كلّ مجموعة على عاتقها إيجاد طريق آمن للانسحاب باتجاه منطقة سوران أو حدود دول الجوار (سوريا,تركيا,إيران) .
توجهت أول مجموعة يوم 2/9 من 14 نصيرا (أغلبيتهم من بغداد والمحافظات الجنوبية) إلى منطقة دوسكي وبمسؤولية ر.أبو سلوان (عضومحلية نينوى) ودليلها ر.ألند (من أهالي المنطقة سابقا) , بعدها تتوجه إلى الحدود السورية عبر الأراضي التركية . المجموعة الثانية من 14 نصيرا من أهالي مدينة عقرة , باستثناء الرفاق سالم ساجت وهوبي (من قاطع أربيل) وأنا, على أن تتوجه لعبور نهر الزاب الكبير وبمسؤولية ر.كروان عقراوي ,عضو محلية نينوى (مدير فضائية كردستان التابعة لحدك حاليا) . أمّا اللجنة المحلية والباقون من الأنصار بدورهم يبحثون أيضا عن طرق أخرى ومواصلة حديثهم مع الناس لتأمين الإنسحاب . لم يكن إيجاد الطرق سهلا بسبب الإنتشار الكثيف لقوّات النظام ومرتزقته , لذا توجّب على كل مجموعة القيام بالاستطلاع ٌقبل أيّ تحرّك لتأمين الطريق أولا ثمّ مواصلة السير .
توجهّت مجموعتنا نحو الزاب الكبير يوم 3/9 قبل غروب الشمس . قبل وصولنا إلى قرية باني فاجأنا كروان بأنه سيترك المجموعة ليتوجّه مع أحد أنصارها إلى مدينة عقرة , وعندما استفسرت عن كون القضية لم يطرحها أبو سالار عند الحديث معه حول مهام المجموعة, فردّ , بأنّه اتّفاق مع سكرتير المحلية وبدون علم الرفاق الآخرين, كونها تخصّ التنظيم المدني, وسيكون ر. هوار مسؤول المجموعة , واستفسر منه ر.سالم مدى معرفة هوار بالطريق . فكانت إجابته بالإيجاب . ودّعنا الرفيق مع مرافقه , واتّخذ كلّ منّا مساره نحو هدفه. 
ملاحظة 2 : "كان الشهيد هوار مريضا وبطئ الحركة لايقوى على السير لمسافات طويلة , وأعدمه النظام الفاشي بعد الأنفال في مدينة عقرة" . 
بعد غروب الشمس واصلنا مسيرتنا باتجاه قرية باني التي وصلناها حوالي منتصف الليل بعد استطلاعها والتأكّد من عدم وجود أية خطورة . كانت القرية خالية من سكانها, ولكن يظهر بأنّهم تركوها بعد الغروب, لأنّ الجمر في بعض البيوت لا يزال مشتعلا. أخذنا شيئا من الأكل المتوفر وقرع فارغ ويابس يصلح للعوم في الماء أثناء عبور الزاب . غادرنا القرية بعد حوالي ساعة نحو قمة الجبل المطلّة على القرية , وارتمينا في مكان "آمن" قبل الفجر مفترشين الأرض وغطاءنا السماء الصافية كبقية الأيّام الفائتة, وفي النهار تناولنا الأكل وجلبنا الماء من عين قريبة. قبل مغادرتنا المكان أثناء الغروب يوم 4/9 , كلّف هوار كلّ من الرفيقين كمال (مهندس مدني خريج جامعة براغ الجيكية ومن أهالي مدينة النجف الأشرف) ورزكار (معاون طبيب وخريج المعهد الطبي في الموصل ومن أهالي مدينة العقرة), لإستطلاع الطريق . لم يحدّثنا هوار عن الاتفاق مع الدليلين, لكنّه أكّد بأنّ الطريق لا يحتاج سوى عدّة ساعات ذهابا وإيابا، وكنّا بحاجة إلى هذا الاطمئنان، لذا اعتقدنا بأنّ كلّ شئ يسير بسلاسة. واصلنا المسيرة صعودا ونزولا مع استراحات متكررة تقديرا لوضع مسؤول المجموعة الصحي والنفسي . في اليوم التالي، وبسبب القلق على الرفيقين سألنا هوار عن مكان اللقاء مع الدليلين , ثمّ إلى متى وإلى أين نسير, فكان يجيبنا بتشنّج وبدون أن نفهم شيئا منه، وظهر بأنّه لا مكان للقاء ولا أين نحن متّجهين. ولكن لا يلام الرفيق هوار على ذلك لأنّها كانت غلطة من قبل منظمي المجموعة . اختفى أثر كمال ورزكار, ولم نستطع أن نتحرك نهارا لإقتفاء أثرهما. أصبحنا في حالة يأس ومنهمكين بدون أكل ولا شرب, وخاصة هوار لأنّه كان يشعر بفقدان رفيقين وفشل مهمّته , ولم يقو أحد من المجموعة على مواصلة الطريق  وأصبح طريق العودة لا محالة. اتفقت مع هوبي وسالم أن نأخذ المهمّة على عاتقنا لإرجاع المجموعة من حيث أتت بسلام ولكن بدون رزكار وكمال. وبسبب شدّة العطش اضطر بعض الرفاق إلى شرب القليل مما تحويه مثاناتهم.
ملاحظة 3 : "استشهد النصيرين البطلين كمال ورزكار على يد جلاوزة النظام الفاشي بعد نصب كمين لهما من قبل قوّات النظام ومرتزقته من الجحوش على طريق عقرة بعد رجوعهما من مهمة الاستطلاع, وحاول البعض من الجنود إخلاء سبيلهما , إلاّ أنّ استخبارات النظام رفضت ذلك وأرسلتهما إلى إحدى أقبيتها ليستشهدا تحت التعذيب , ولم يتم العثور على رفاة البطلين" .
كان طريق الرجوع أصعب علينا بسبب التعب والجوع وعدم العثور على أي أمل في الانسحاب عن طريق الزاب . بعد بدء "المسيرة المعاكسة" ليلا بدأ هوبي يحث المجموعة في الإسراع باتجاه كرم العنب , وعندما سألته من أين له هذه المعلومات , فردّ بأنّها "كلاوات" ولحثّ الرفاق على الإسراع لنصل إلى عين الماء قبل الفجر. بعد مسيرة حوالي ساعتين وقعنا في كرم العنب , ولم يصدّق أحدنا ذلك, حتى هوبي، وبدأنا بالأكل وعصر العنب في الزمزميات للحصول على عصير طبيعي 100% . بعد استرجاع المعنويات والأكل "بشراهة" بدأ البعض يتقيأ الزائد "الغير مدفوع الثمن". ونحن في خضمّ الصراع مع العنب طرقت أسماعنا, من بعيد, صيحات رجال غير مفهومة , ولكنها تقترب , واعتقدنا بأنّهم جنود تائهين أو مجموعات من الجحوش تتعقب الأنصار والبيشمةركة . بعد حوالي ساعة انسحبنا إلى مكان الإختفاء حتى مساء يوم7/9 , حيث رجعنا إلى قرية باني وغادرناها مباشرة بعد حصولنا على قليل من الخبز باتجاه مقرّ محلية نينوى .
ملاحظة 4 : "بعد عشر سنوات من الحدث ,إلتقيت النصير أبو أحرار (من قاطع أربيل) في مدينة مالمو السويدية , وتبادلنا الذكريات حول العمل الأنصاري , ومنها فشل مجموعتنا في شقّ الطريق عبر الزاب للمساهمة في إنقاذ الناس المحصورة في سلسلة جبل كارة . وأكدّ أبو أحرار بأنّ صيحات الرجال الآنفة الذكر لم تكن للجحوش، بل كانت مجموعته من إنصار قاطع أربيل,حيث تمكّنوا من عبور الزاب باتجاه منطقة سوران" !
مكثنا ليلة أخرى في إحدى "كبرات الرعاة"(وهي سقيفة وقتية من أغصان الأشجار يقضي فيها الفلاحون صيفيتهم مع ماشيتهم) قبل وصولنا الى مكان تجمع أنصارنا يوم 8/9. أثناء سيرنا لم نلتق بأحد من تلك الجموع الغفيرة من الناس , كيف وأين اختفت؟ وكان أنصار الفوج قد انتقلوا إلى مكان قريب من مقرّ الفوج لترقب الأحداث , ثمّ عرفنا بأنّ رأس النظام أصدر عفوا عامّا يوم 6/9 واستسلمت تلك الجموع من سكان القرى لسلطات النظام مستغلة قرار العفو . ولكن من الغريب بأنّ عائلات رفاقنا استسلمت هي الأخرى . بعد لقاءنا مع أنصار الفوج سألت ر.أبو سربست, وبدون مقدّمات, عن سبب تسليم العائلات, فكان ردّه : "بعد نقاش مستفيض في اللجنة المحلية حول الأوضاع, وخاصة وضع عائلاتنا, وجدنا بأنّ أفضل طريق هو أن يسلّموا أنفسهم للسلطات, ربما يسجنون فترة من الزمن, ولكنه أفضل من المصير المجهول" . كان ردّي قصيرا : "لقد سلّمتم الخروف للذئب". فكان ردّه : "كنت ستوافقنا لو ناقشت الموضوع معنا". وعندما تحدّثت مع الرفيق أبو عمشة حول الموضوع, كان عصبيا وقال: "كنت المعارض الوحيد لهذا القرار , ولكن لا يمكن أن أتصرّف لوحدي , ليست عائلتي أفضل من بقية عائلات رفاقنا". صحيح بأنّ القرار اتّخذ بالأكثرية للخروج من المأزق , لكنّه كان خاطئا , إلاّ أنّه اتّخذ في ظروف خطرة وحرجة سادها التخبّط في اتخاذ القرارات. 
تحدّثت مع سكرتير المحلية عن أسباب فشل مهمّة مجموعتنا, وكوني غير مقتنع بقرار تسليم عائلات أنصارنا. تحدّث بتفصيل أكثر حول القرار وأنّ الحزب سيتابع وضعهم مع الأمل بأن لا تطول فترة احتجازهم , كما يمكن للأنصار التحرّك بحرية أكثر من ذي قبل . أما عن الحلول الجديدة, قال: " الاتّصال انقطع تماما عن قيادة الحزب لدواعي أمنية وعلينا أن نتصرّف لإخراج الرفاق نحو الحدود التركية و السورية, وليس هناك خبر عن مجموعة أبو سلوان, كما أنّ مجموعة من أنصار مدينة العمادية ستتحرّك قريبا مع أبو عمشة باتجاه الحدود التركية, وستبقى مجموعة من حوالي 35 رفيقا بمسؤولية الرفيق...وستساعده أنت بمهمته مع بعض النواظير لرصد تحركات العدو , أمّا البقية سنتجه إلى سهل الموصل لمحاولة الوصول إلى سوريا". غادرت مجموعة أبو عمشة في اليوم التالي ودليلها أبو زياد (من بغداد) على أن تتحرّك مجموعة أبو سالار مع توفيق وأبو أمجد وأبو سربست بعد يوم . قبل مغادرته, أبلغني أبو سالار بأنّ الرفيق ...اعتذر عن مسؤولية مجموعتنا على أن أتولى أنا مسؤوليتها وأختار بنفسي من يساعدني بذلك, وأكّد بأنّ أبو زياد سيعود بعد أسبوع ليكون دليل مجموعتنا للإنسحاب على نفس الطريق . بعد يومين ودّعنا مجموعة أبو سالار التي كانت أكبر المجموعات. معظم مجموعتنا من العرب والبقية من الأكراد وآشوريين . 
بعد يومين من مغادرة مجموعة سهل الموصل رجع نصيران من مجموعة أبو سلوان برسالة إلى أبو سالار. من قرائتي للرسالة المكتوبة من قبل أبو سلوان اتّضح بأنّ هناك خلافات بينه وبين الرفيق ألند , ولكن يؤكّد بإنّ المجموعة ستواصل مسيرتها رغم ذلك. بعد حوالي أسبوع قدم ثلاثة من الأنصار إلينا أرسلوا من قبل أبو سالار لتقصّي أخبارنا , ولكنهم فاجأونا  بخبر محزن وهو استشهاد الرفيق الفنّان الكبير أبو أيار (فؤاد يلدا من ناحية ألقوش – خريج معهد فنون في إيطاليا) ففي اليوم التالي من مغادرة المجموعة , لم يستطع الشهيد أبو أيار اللحاق بالمجموعة أثناء محاولة مداهمتها من قبل قوّات النظام بسبب التعب وأصابته السابقة في قدمه أثناء إحدى المعارك, ليسقط شهيدا بعد يوم من توديعه . 
ملاحظة 5 : "ترك الشهيد علبة معدّات الحفر على الخشب والجبس قبل حوالي شهرين من الأنفال, على أمل السفر للعلاج في الخارج بقرار من المكتب السياسي , لأحتفظ بها لحين عودته.. هل هو "الحظّ ", أم الأخطاء والبطؤ بتنفيذ القرارات! أودعت العلبة ومحبس ذهب (هديّة من أم ناتاليا جلبتها أثناء زيارتها لي مع ناتاليا التي كانت في ربيعها الثاني في مدينة لينينغراد) ومسجّل خاص دوبل كاسيت (كنت أسجل أشرطة لبعض محتويات طريق الشعب لإرسالها إلى الداخل ضمن البريد الحزبي الذي كان الشهيد الرفيق عامل - عضو محلية نينوى يحمله معه) ,وضعت هذه الأشياء في حقيبة وأخفيتها في مكان آمن في مقرّ الفوج" .
أمّا الخبر الآخر هو كشف أحد الناشطين في التنظيم الحزبي كان يعمل لحساب مخابرات النظام , ألقي القبض عليه من قبل المجموعة المختفية في سهل الموصل واعترف بكل ما قام به لكشف الأسرار التنظيمية , وآخرها محاولة الإيقاع بالمجموعة لتصفيتها من قبل مخابرات النظام. أمّا أخبار عائلات الأنصار ,وهي مجرّد دعايات, كانت تشير بنقلهم إلى معسكرات الاعتقال في أربيل . والمجموعة نفسها لازالت مختفية وتبحث عن طريق للانسحاب بعد أن انقسمت إلى مجموعات صغيرة ومنتشرة في أكثر من مكان . كان بعض الرفاق من سهل نينوى يتوافدون إلينا بين فترة وأخرى لتبادل الأخبار , وأخيرا علمنا بمغادرتهم سهل الموصل إلى منطقة سنجار. إنقطعت نهائيا أخبار عائلات الأنصار , وبعد أن دارت الأيّام , تأكّد خبر تصفيتهم من قبل جلاوزة النظام الفاشي , ولم يتمّ العثور على رفاتهم , واستشهد بذلك 195 فردا, معظمهم من الطائفة الإزيدية ثمّ الآشورية, ومنهم : 82 طفلا, (من بينهم 17 رضيعا, عمر أصغرهم 40 يوما وهي بنت الرفيق أبو سربست) , و 40 إمرأة و16 من الصبايا والصبيان و32 من الشابّات والشباب و 25 مسنّا . 
لتفادي مخاطر التصادم مع مفارز قوّات النظام التي تتردد على مقرّ الفوج الأول , انتقلنا إلى مكان أبعد وأكثر أمانا , قريبين من عين ماء كانت ملتقى استراحة الأنصار القادمين من وإلى الفوج الأول ومقرّ القاطع والسريّة المستقلّة (سرية العمادية). مرّت حوالي عشرة أيام ولم يظهر الدليل , وأصبحنا منقطعين تماما عن الكلّ . حتى جهاز اللاّسلكي لا يمكن استخدامه , وأخفي وأتلفت الشفرة من قبل الرفيق كريم دويا (مسئول الاتصال) لتفادي انكشاف موقعنا من قبل العدو . للتقليل من مخاطر احتمال اكتشاف موقعنا وتطويقنا من قبل قوّات النظام قمنا بتقسيم مجموعتنا إلى ثلاثة فصائل صغيرة وبمسؤولية كلّ من ملازم كرم (يوسف أبو الفوز) وأبو عشتار ومخلص الصغير , وكنت ضمن الفصيل الأخير , وأصبح لكل فصيل مكان اختفاءه ولم تكن متباعدة عن بعضها لضرورة الاتصال فيما بينها . أكّدنا على أهمية الحراسات ليلا ونهارا. في الصباح الباكر كنت ومخلص الصغير نجوب المنطقة مع نواظيرنا حول الفصائل لرصد أي تحرك للقطعات العسكرية , وكنا نسمع من بعد أصوات تفجيرات بيوت القرى ونشاهد الدخّان المتصاعد منها . لم تكن هناك مشكلة في الأكل , حيث كنّا نتسلل إلى مخزن مقر الفوج الأول لجلب الطحين والرز والبرغل والسكر والشاي والحليب المجفف وبعض المعلّبات والعدّة المطبخية البسيطة, هذا بالإضافة إلى ماتركه أهالي القرى من مواد غذائية وبعض الأفرشة الخفيفة بعد هروبهم من بطش النظام . 
الجزء الثالث
طال الانتظار أكثر من اسبوعين ولم يظهر الدليل . بدأ الاستياء يدّب بيننا بعد أن انتابنا الشكوك في قدوم الدليل , وأخذنا نفكّر بمجموعة أبو عمشة عسى أن لا يمسّها أي سوء, كالوقوع في كمين . لم تكن كلّ أيامنا هادئة بدون مشاكل رغم العلاقات الجيّدة بين الرفاق , ولكن المنغصّاة لابدّ منها , ولم تكن لتشكل عائقا أمام تعاوننا أو أن تؤدّي إلى المقاطعة بين الرفاق , لأنّ وعيهم لايسمح بذلك, وهذا كان أحد أسباب صمود الأنصار دائما. وما يخصّ الأمان , صادفتنا حادثتين , الاولى , عندما سمعنا صوت إطلاق رصاصة , فاسرعت باتجاجها مع سالم ومخلص , ثمّ تبعتها رصاصة أخرى باتجاهنا فتهيّانا لإطلاق النار وتبعنا رفاق آخرين , فجأة ظهر الرفيق أبو رياض وسألته عن سبب إطلاقه الرصاص فلم يردّ, وأراد سالم أن يوبخه فلم أسمحه بذلك ,لأنّ وضعه كان مرتبكا بسبب تيهه الطريق إلينا . أما الحادثة الأخرى , وفي منتصف نهار يوم 24/9, شقّ الهدوء صوت طائرة عمودية تبعها رشقات دوشكا كثيفة باتجاه فصيل أبو عشتار. إستنفر الفصيلين واتجهنا بحذر نحو الفصيل الآخر , فشاهدنا الطائرة تغادر , وفي اتجاهنا رفيقان مسرعان , فسألنا قبل كلّ شئ , إذا كانت هناك إصابات , فطمأنونا بدورهم بعدم وجود أيّة إصابة . وظهر بأنّ الأنصار نشروا بعض الأفرشة على الأشجار "لتعقيمها تحت أشعة الشمس" فسددت الطائرة نيرانها نحوها . اضطررنا إلى نقل الفصيل بدون إبطاء إلى موقع مخفي مقابل فصيل مخلص . فاجئني سالم بطرحه فكرة أن يتوجّه مع أربعة رفاق آخرين إلى سهل الموصل , ربّما يحظون بطريق الخروج إلى سوريا. في الحديث معه تمّ التأكيد بعدم المخاطرة في الطريق والرجوع إلينا في حالة عدم تمكنهم من تجاوز المخاطر, غادرونا بعد توديعهم . قدم إلينا من فصيل م.كرم أبو فيلمير وتحدّث عن لقاءه مع أحد رجال القرى المجاورة مع عائلته , وطرح الرجل فكرة أن يكون دليلنا باتجاه الحدود التركية وبدورنا نقوم بحماية عائلته أثناء الانسحاب , واتفق أبو فلمير مع الرجل المذكور على موعد للحديث في اليوم التالي . إتفقنا على ذلك, وغادرت مع أبي فيلمير لمقابلة الرجل والاتفاق على موعد الحركة , ولكن للأسف لم نجد أي أثر للرجل وعائلته .
بعد رجوعه من عين الماء أخبرني الملازم كرم بعودة مجموعة أبو سلوان وهم في انتظاري . توجهنا إليهم بدون إبطاء مع بعض الأكل . كانوا متعبين جدا , وبعد فترة سألنا عن بقية رفاق المجموعة ومنهم أبو رشدي وسمير ألقوشي . وعرفت أثناء قرائتي رسالة أبو سلوان السابقة بأنّ المجموعة غير منسجمة . تحدّث أبو سلوان , بأنّ المجموعة تعرّضت لإطلاق نار كثيف من إحدى ربايا الجيش أثنا مرورهم أمامها بدون علمهم بموقعها, مما أدّى إلى تشتت المجموعة في مختلف الاتجاهات. باستثناء أربعة رفاق,استطاع الآخرون التجمّع في غابة قريبة ليتواروا عن إنظار قطعات الجيش . وأكدّ أبو سلوان بعدم وجود إصابات .
ملاحظة 6: "أعدم الرفيق سمير بعد رجوعه إلى ألقوش من قبل مخابرات النظام , أمّا الرفاق الثلاثة الآخرون وصلوا بسلام إلى سوريا". 
بعد أن اصطحبنا المجموعة إلى مواقعنا , تحدّثت مع الرفيق أبو سلوان ومجموعته عمّا حدث منذ مغادرتهم وعن وضعنا الحالي, لإختيار البقاء معنا أو التوجّه إلى دشت الموصل والإلتحاق بمجموعة سالم. فكان خيارهم الأفضل هو البقاء معنا, ليصبح عددنا 34 نصيرا. في اليوم التالي , ومن الغريب , قال لي أبو سلوان بأنّ ذهابي إلى دشت الموصل أفضل ! فقلت له بأنّ معظم الرفاق , إن لم يكن جميعهم , يريدون بقائي معهم ونحن في طريقنا لإيجاد مخرج للانسحاب, ثمّ سألته لماذا هو أفضل لي الذهاب إلى سهل الموصل, فقال , لأنّك من الموصل, وليس هناك خوف على المجموعة وسأكون أنا معها! فقلت بأني لا أستطيع ترك الرفاق مهما يكن . كنت أعرف جيّدا هموم الرفاق , لأنّ الجوّ المرح الذي اعتدناه أصبح أكثر هدوءا, وكل واحد منّا, لا شكّ, يفكّر بعائلته وأهله وأحبّائه, وهل هم يبادلوننا أفكارنا ومتشوقين لرؤيتنا كما نحن, أم أنّ أساليب النظام الفاشية وحروبه العدوانية الداخلية والخارجية وإعلامه المضلل غيّر من مواقفهم؟ هل يقدّرون ويثمّنون نضالنا وتضحياتنا لإسقاط هذا النظام الظالم وإقامة نظام ديمقراطي على أرض الرافدين التي استباحها غير أهلها لقرون عديدة ودنّستها أنظمة لا تستحقّ حتى مزبلة التأريخ, باستثناء النظام الجمهوري الذي أتت به ثورة تمّوز عام 1958؟ كنّا نفكّر بثمرة نضالنا الذي نخوضه واخترناه بكامل حريّتنا لتقديم أفضل ما يمكن للشعب وكلّ في مجال عمله ومهنته , في المعمل والمصنع والورشة والزراعة والمدرسة والجامعة والمسرح والسينما والجيش والملاعب الرياضية وغيرها. ولكن الهدف الآني هو اختيار الطريق الصحيح للانسحاب خارج حدود الوطن, الذي يتحكّم به أقذر نظام عرفه تأريخ العراق القديم والحديث, قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه .
بعد أن فقدنا الأمل في قدوم أو إيجاد أي دليل, أصبح أمامنا طريقين, إمّا البحث عن موقع أمين للمكوث فترة أطول وغير محددة , أو أن نعتمد على أنفسنا لإيجاد طريق للانسحاب نحو الحدود التركية . لهذا الغرض دعوت مسئولي الفصائل وأبو بسّام وأبو فيلمير وأبو سلوان . بعد المناقشة اتفقنا على الحلّ الثاني, وأخبرنا جميع الرفاق بذلك , وحددنا قواعد الانضباط ورفاق المقدّمة والمؤخرة (القفل). وهنا تساءل أبو سلوان عن دور رفاق المحليّة , فقلت له بأنّ دورنا هو المساهمة في حلّ أية مشكلة تظهر . اخترنا أربعة أنصار لاستطلاع الطريق نهارا وتتبعهم المجموعة بعد الغروب, على أن نبدأ بالحركة في اليوم التالي- الأوّل من تشرين الأول. تغيّر مزاج الرفاق نحو الأفضل وبدا على وجوههم وحديثهم التصميم للتغلّب على المأزق. صباح اليوم التالي اقترح الرفيق المرحوم أبو سناء(حوالي 60 عاما من مدينة البصرة) جمع سلاح الأنصار المرضى والعاجزين على حمله. لقي المقترح قبولا وبدأ مخلص بجمع السلاح والعتاد وعدده 17 كلاشنكوف وحوالي 90 مخزنا وتمّ إخفاءهم في براميل بلاستيك في إحدى ثنايا "مقرّنا الإجباري". قبل الانطلاق عصرا بدأنا بتهيئة الخبز, على أن يحمل كلّ رفيق بحدود 25 رغيفا بالإضافة إلى السكّر والشاي وما لا يقلّ عن زمزميتين أو قناني ماء, إلاّ أن الرفيق شةمال, وهو الخبّاز المميّز, أصرّ على أن تحوي عجينة الخبز على السكر والحليب. هكذا حصّلنا على خبز درجة ممتازة .
غادرت مجموعة الاستطلاع في الخامسة مساء وبعد حوالي 20 دقيقة, سمعنا صوت إطلاق نار كثيف باتجاهها , وأول ما بادر إلى ذهني هو احتمال وقوع المجموعة في كمين للجيش , لأنّ الوضع مرشّح لكل الاحتمالات , فسارعت مع بعض الأنصار للنزول باتجاهها . إلاّ أنّ الرفاق إبو فيلمير وعبد- الإبن البكر لمام أحد سواري أكّدوا بأن صوت الرمي قادم من مقرّ الفوج . لم تمض سوى دقائق حتى سمعنا صوت ملازم كرم من مجموعة الاستطلاع يركض باتجاهنا ويبوح بكلام غير مفهوم. فأسرعنا نحوه, وأنا متخوّف من وقوع سوء لهم, وقلت له :"احجي رفيق صار عليكم شي" فردّ بأن كل شيء جيد وإن الرفيقين أبو زياد ومنار في انتظاري عند عين الماء . تنفسنا الصعداء وأبلغنا الكلّ بالخبر وأجّلنا انسحابنا في هذا اليوم . كالعادة أخذنا معنا بعض الأكل وتوجهنا للقائهما . تحدثوا عن مخاطر الطريق وامتداده لعدة أيّام في الذهاب بسبب الانتشار المكثّف لقوات النظام على شكل مجاميع , ثمّ البحث لإيجاد من يساعدهم من أهالي القرى الكردية على الحدود التركية . وأثناء الرجوع, كان الطريق أسهل ,بسبب تقليص أماكن تجمّع قوّات النظام لاعتقادهم بخلو المنطقة من "العصاة والمخربين".أمّا مجموعة أبو عمشة, وبعد لقائها بعض رجال القرية المجاورة لمكان اختفائهم, ستنتظر لحين إيجاد وسيلة للدخول إلى الأراضي التركية , على أن يتركوا لنا رسالة حول وجهتهم.
في لقاءنا صباح اليوم التالي تحدثت عن مجموعتنا واستعدادها للانسحاب في أي وقت يجدونه مناسبا. واتفقنا على نفس قواعد المسيرة ,على أن يكون أبو زياد المسئول الأوّل باعتباره دليلنا ولمؤهلاته العسكرية, ويساعده في ذلك النصيرين منار وكرم. اعترض أبو سلوان بقوله:" أين دور الحزب ورفاق المحلية"؟ فقلت: "كلّنا في الحزب ومهمتنا إيصال الرفاق سالمين إلى الحزب, وإذا حدثت مشكلة ما سنتدخل لحلها ", وكان ذلك إجماع الرفاق . 
في حوالي السادسة من مساء يوم 2/10 تحرّكنا سوية باتجاه قمّة جبل كارة المطلّة على قرية كارة , وواصلنا السير ليلا . في اليوم التالي لم أجد مخلص بين الرفاق ,فسألت منار عنه فقال سيعود ويلتحق بنا غدا, ولكن عرفت السبب, وربّما كان محقا بغيابه, إلاّ أنه عاد إلينا بعد وصولنا إلى الحدود التركية. في ليلة ¾ /10 أبلغنا أبو زياد بأننا سنصادف طريقا على سفح أكثر ميلانا من المعتاد ,وتحت الطريق ربايا للجيش وإنّ سقوط أية حجرة يعرضنا إلى إطلاق نار . وبالفعل حدث ذلك وأخذ البعض من الجنود يصيح: "ديرو بالكم تره أكو حراميّة" ورافق ذلك إطلاق نار , فأخذنا وضع انبطاح لحين توقّف إطلاق النار. إجتزنا الطريق الذي لم يتجاوز 200 متر بسلام. كانت استراحتنا نهار 5/10 أكثر أمانا. قبل انبلاج فجر يوم 6/10 أبلغنا أبو زياد بضياعه للطريق, ولكن أكّد بأننا قريبين من محطة وصولنا.أخذنا قسطا من الراحة حتى الفجر,حيث توضّح الطريق. وبعد حوالي نصف ساعة وصلنا إلى المكان المحدد على نهر الزاب. الرسالة التي تركها أبو عمشة تشير إلى أن ننتظر بعض الرجال من أهالي قرية قريبة والذين بدورهم سيتحدثون إلينا عن بعض الخطوات التي سنتّبعها. مرّ بعض القرويون وألقوا التحية علينا , وبعدهم بفترة وجيزة قدم إلينا رجلان ومعهم شابان يحملان الفطور, بعدها سألنا عن المجموعة السابقة, وأبلغونا بأنّها عبرت الجسر عبر الزاب إلى قضاء كوكوركا في الجانب الآخر من الزاب وبدون أن يعلموا عن وجهتهم . والجسر هذا عبارة عن لوحات خشبية طولها حوالي 150 مترا ومربوطة بحبال ومعلقة بحبال أخرى بين جانبي النهر وتعطي صوتا (تزقزق) أثناء المشي عليها. طرحنا عليهم قبل كلّ شئ, إمكانية التوجّه إلى سوريا, لكنّهم أكدّوا بأنّ الطريق طويل وغير آمن, وليس هناك من طريق سوى عبور الجسر واللجوء إلى تركيا. بعد الفطور بدأ الأنصار بالسباحة في النهر وغسل الملابس ونشرها على أغصان الأشجار, وفجأة ظهرت فوق رؤوسنا طائرتان عموديتان عراقية وخلال دقائق اختفينا عن الأنظار حتى مغادرتها . وعلى ما يظهر بأنّ المخابرات العراقية عثرت على طريق الانسحاب، لذا علينا العبور بأسرع وقت . وقبل ذلك أهدينا سلاحنا لأهل القرية. توّجهنا لعبور الجسر,ولكن منعنا من العبور من قبل الجنود الحرّاس على بوابة الجسر , وكان علينا أخذ موافقة آمر لواء. انتظرنا حتى قدوم آمر اللواء الذي كان بمزاج حاد, وأخذ يكيل الاتّهامات, وبدون أن يستمع إلى ما نريد طرحه, وبأننا متعاونين مع حزب العمّال الكردي التركي (ب ك ك)! كان ردّنا بأننا مدنيون ونريد اللجوء إلى تركيا ولا نعرف شيئا عمّا يتحدث عنه . لم يرد الاستماع إلينا , وهددنا إمّا بتسليمنا إلى السلطات العراقية أو سلوك الطريق إلى إيران عبر الأراضي العراقية فقط , وبخلاف ذلك نتعرض إلى إطلاق نار من قبل الجندرمة التركية. أراد أبو فيلمير مناقشته, لكني سحبته جانبا وقلت له, بأنّ هذا مجرّد حيوان لا يعرف سوى أن تنفّذ أوامره, ولا نريد تضييع الوقت معه. رجعنا إلى أماكننا. بعد فترة وجيزة عاد الرجلين من القرية وطرحوا علينا فكرة مقابلة قائممقام القضاء. سمح الجنود لاثنين من رفاقنا لعبور الجسر, لكنّهم عادوا بخفا حنين بعد مقابلة القائممقام الذي ردّ بأنه لا يملك صلاحيات استقبال اللاجئين . وفي مساء نفس اليوم عاد إلينا الرجلان من القرية مرّة أخرى وعرفوا بكلّ ما جرى, وطرحا علينا فكرة الانسحاب إلى إيران عبر أراضي كردستان تركيا. كانت الفكرة جيّدة, وتحدثنا عن الدليل والمبلغ المطلوب لذلك. أبلغونا بأنّ كل قرية نصل إليها نستطيع الحصول على دليل عن طريق المختار وبدون أيّة مخاطرة حتى عبور الأراضي الإيرانية إلى قرية راجان, حيث هناك مقرّ المكتب السياسي لحدك . أمّا بالنسبة للمبلغ يكون حسب ما متوفّر لدينا. سألت أبو سلوان عن المبلغ المتبقي لديه والذي استلمه من أبو سالار,وظهر بأنّ المبلغ باق بالكامل . ولم يبقى لدينا مشكلة سوى الاتّفاق على الحركة باتجاه إيران. في الساعة الحادية عشرة من يوم 6/10 كنّا جاهزين لعبور الجسر وبدون ضجيج "عدا زقزقته المزعجة " , وفي الجانب التركي سينتظرنا شخص (دليل) , وعلينا اجتياز طريق بمحاذاة مقرّ اللواء بهدوء تام ولمدة حوالي 20 دقيقة , وبعدها ندخل وادي آمن. وهكذا سارت الأمور بسلاسة. بينما نحن مستلقين لأخذ قسطا من الراحة, ظهر رجلان مسلّحان من جماعة (ب ك ك),وسألوا من نحن ولماذا وصلت الحالة إلى الهزيمة مع كيل الاتهامات لقيادات البيشمةركة. بدورنا لم نعطهم أيّة معلومة عن وضعنا , ثمّ ولّوا الأديار. 
وصلنا أول قرية كردية حوالي الساعة الثانية ليلا , وكان في استقبالنا مختار القرية وأولاده, ولأوّل مرّة ولفترة خمسين يوما ننام مرتاحي البال وبدون حراسات. في مطلع الفجر قدمت سيّارة إلى القرية, نهض جمال سواري- الابن الأصغر لمام أحمد مستغربا من السيارة وسألني,"رفيق أبو ناتاشا هاي السيارة مال حكومة",قلت له, "لا تقلق ماكو حكومة بهيج مكانات نام وارتاح". 
بعد الفطور المبكر, اتفق أبو فيلمير مع المختار على دليل جديد ودفع أبو سلوان المبلغ المتّفق عليه. في الصباح الباكر حدّثنا الدليل, ونحن متجهين إلى قرية أخرى, عن مآسي الأكراد النازحين من العراق وتعرضهم إلى القصف من قبل القوّات العراقية وسقوط ضحايا وهم داخل الأراضي التركية ومشيرا بيده إلى بقايا الملابس والأحذية لشهداء القصف الفاشي . كان أمامنا نهار اليوم أصعب طريق, حسب قول الدليل, وهو يشير إلى جبل عال أمامنا متكوّن من عدة قمم. بعد تجاوزنا ثلاث أو أربع قمم من هذا الجبل, أخذنا نسير على الثلج , لأنّ الثلج في هذه الأماكن دائم ويبدأ بالتساقط في شهر تشرين أول. قبل وصولنا إلى القمّة الأخيرة بقليل أدركتنا عاصفة ثلجية , تماسكنا جميعا ككتلة واحدة.¸في هذا الأثناء انتابت مام أحمد سواري حمّة خفيفة ( كان في حوالي الثمانين من عمره وأب الشهيدين جاسم وهلال), وروعي من قبل الأنصار, وخاصة ولديه جمال وعبد. بعد قليل تعدّت العاصفة ووصلنا إلى القمّة الأخيرة بعد مسيرة حوالي ثمان ساعات. في الجهة الأخرى من سفح الجبل, حيث لا زالت الشمس مشرقة. تمددنا جميعا لأخذ قسط من حرارة الشمس المتبقية وإراحة أجسامنا المتعبة. وهنا فاجأني جمال سواري بسؤال ,"رفيق أبو ناتاشا, كم مرّة جاي هنا أنت". وهنا خرج أبو طالب عن هدوئه الذي دام أيّام وضحك كعادته من أعماق قلبه وقال,"جماعة سمعو, أبو ناتاشا جاي هنا سياحة واحنا ماندري". لم يكن سؤال جمال للمزح , لأنّ جمال كان إنسانا بسيطا ومتواضعا , ذو قلب طيّب ومفتوح وصادق لا يعرف الكره والأنانية , وهذا ما تتميّز به هذه العائلة المناضلة . بعد هذه المزحة واصلنا السير من قرية إلى أخرى. وآخر قرية تركناها أبلغنا مختارها بأنّ دليلنا إلى الحدود الإيرانية هو أحد عناصر "جحوش" الحكومة التركية, لكنّه متعاون مع الوطنيين الأكراد . 
دخلنا الأراضي الإيرانية يوم 10/10,واتجهنا مباشرة إلى قرية راجان , حيث المكتب السياسي لحدك , وكان في استقبالنا المرحوم أبو حكمت (حينها كان عضو ل م للحزب الشيوعي) . بعد استضافتنا لمدة ثلاثة أيّام قررت,مع رفيق آخر, الرجوع إلى كردستان . وفي طريقنا إلى دولي كوغا (المقرّ الجديد لأنصارنا في سوران) التقينا الرفيق أبو داود (كان حينها عضو م س للحزب الشيوعي). تحدّثنا قليلا عن الأوضاع, ولكن الوقت لم يمهلنا للحديث أكثر , حيث افترقنا وذهب كلّ إلى وجهته. بعد أسبوعين تمّ افتتاح مقرّ جديد في ناوزنك, وكنت ضمن الذين التحقوا بالمقرّ الجديد .
بعد عدة أيّام, فاجأت بقدوم الرفيق سالم ومجموعته سالمين . وبعد لقاءنا الحار معهم , تحدّث سالم عن مخاطر الذهاب والإياب وعدم تمكنهم من العثور على أثر مجموعات سهل نينوى أو طريق اللجوء إلى سوريا . فقرروا الرجوع إلى الفوج الأول ,ثمّ إلى ناوزنك, رغم المخاطر وبدون دليل .
أرسلت رسالة إلى المكتب السياسي, وكان حينها أبو فاروق (عمر علي الشّيخ) يساعده أبو يسار- حسّان عاكف شرحت فيها الأوضاع التي صادفتنا, ومنها قرار تسليم عائلات رفاقنا الأنصار , وطلبت في الرسالة النزول إلى الداخل . بعد عدة أيّام التقى معي أبو يسار وأبلغني بعدم وجود أية إمكانية للنزول إلى الداخل لخطورة الأوضاع , وأضاف : "تقديرا لنضالك وجهودك ووو.., قرّر المكتب السياسي إرسالك إلى الإتحاد السوفييتي أو أي بلد تراه مناسبا ". شكرت الرفيق وأبلغته بأنّي بحاجة إلى دورة إعادة المعلومات في مدينة لينينغراد (سانت بيتربورغ حاليا) التي دافعت فيها عن رسالة الدكتوراه التي خصّت منجم فوسفات عكّاشات في الأنبار . وبدوره بلّغ أبو فاروق بطلبي إلى الرفاق في موسكو . وعند توديعهما في كانون ثان 1990 أكّد لي أبو فاروق بأنه تمّ تبليغ الرفاق في موسكو لتسهيل مهمّتي . ولكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث , مع الأسف !!! 
الخلاصة
لم يكن القصد من كتابة هذه المادة الطويلة مجرّد سرد ذكرياتي بدون أن نقرأ ما بين الذكريات, وأقصد بالذات تقييم ما مرّ من دروس وعبر . عندما اكتشفت الماركسية قوانين التطور الثلاث, ومنها قانون "نفي النفي" أو "نقض النقيض", ليس لحفظها على ظهر القلب , بل لممارستها , أي ممارسة النقد والنقد الذاتي . وهذا ما تتميّز به الأحزاب الماركسية عن غيرها , بغضّ النظر عن مسمياتها . ويعني نفي النفي نقد أو تقييم الحزب أو منظمة عسكرية أو مدنية أو اقتصادية لخططها خلال المرحلة السابقة وعملت في ظروف محددة , مما يساعدها على تجنب الأخطاء ورؤية المستقبل لتجديد خططها في الظروف المستجدّة .
من بين الأحزاب والمنظمات السياسية العراقية , أدعي بأنّ الحزب الشيوعي كان الوحيد من بينها في ممارسة نقد وتقييم سياساته وخططه (النظام الداخلي وبرنامج الحزب وعلاقاته مع الأحزاب العراقية الأخرى وغير العراقية) خلال مراحل مختلفة من نضاله الذي يمتدّ لخمسة وثمانين عاما , وكان هذا أحد أسباب استمراريته وحيويته , رغم محاولات القضاء عليه ,ومنذ تأسيسه, من قبل الأنظمة الدكتاتورية ومنظمات وأحزاب عميلة وجهات أجنبية إقليمية ودولية , ومنها المخابرات الأمريكية ( سي آي إي ) والانكليزية (6). لم أقرأ عن حزب سياسي أفصح عن أخطائه على الملأ , لأنّ قادته يعتبرون ذلك انتقاصا منه واعتقادهم بأنّ عدم التراجع عن الخطأ هو الفضيلة وليس العكس ! وإذا أصبحت هذه الأخطاء مفضوحة داخل هذه الأحزاب تبدأ الاتهامات داخل الحزب أوتجيّر أخطائها على أحزاب أخرى , وحتى الأخطاء بمستوى الجرائم يحاولون تبريرها . لا أدّعي بأنّ الحزب الشيوعي يشخّص أخطاءه في حالة وقوعها, أو إصلاحها حال تشخيصها أو إيجاد آلية لذلك , كما لاحظنا في حالة حركة الأنصار. لهذا تصبح عملية تقييم كافة النشاطات بين فترة وأخرى ذات أهمية في رسم سياسة صائبة. 
ولترويج هذه السياسة بين الجماهير تدعو الحاجة إلى أعلام متقدّم, أي إعلام مرئي ومسموع ,بالإضافة إلى المقروء , لأنّ الإعلام المتوفّر لا يلبي الحاجة مثل ما كنّا عليه سابقا , نحن نعيش حاليا في ظروف التقدّم التكنولوجي كانتشار الفضائيات والهواتف النقّالة واللوائح الإلكترونية المتعددة الوظائف . إذا رجعنا إلى ما كنّا عليه في حالة الأنصار, فالكثير من محافظات العراق لم تكن لتسمع بحركة بالأنصار وتضحياتهم , بينما إعلام النظام الفاشي كان يذكّر الناس (أثناء الحاجة) إلى وجود عصاة ومخربين في شمال العراق . ولكن همّة الأنصار لم تهدأ بعد الاحتلال في 2003, رغم التقدّم في العمر واعتلاء صحّة الكثيرين منهم,وخاصة المصابين منهم بالسلاح الكيميائي , فأخذوا يجوبون محافظات العراق لتعريف الجمهور على حركة الأنصار عن طريق إقامة المعارض والندوات والعروض المتواضعة للناس , وعلى حسابهم الخاص ومن تقاعدهم الذي يستكثره البعض عليهم وكأنه ليس من حقوقهم مدّعين كونه مقابل نضالهم . وهذا البعض يغضّ النظر عن نهب مليارات الدولارات من المال العام , ولم يجدوا أمامهم سوى تقاعد تافه يثقل ,حسب ادّعائهم, ميزانية الدولة . ومن جهة أخرى أصبح التلاعب بالتاريخ القريب والبعيد مهمّة الكثير من وسائل الإعلام , وخاصة الفضائيات . فمثلا وليس حصرا, تنصل البعض من السياسيين الحاليين عن دورهم في مساندتهم للتدخّل العسكري الأميركي في العراق , وإطلاق أكاذيب لإيهام الناس , يدعّون بأنهم كانوا ضدّ هذا التدخل. ومن هؤلاء , من مثّل كتلته في مؤتمر لندن الذي كان واجهة لتوجيه ضربة عسكرية أميركية إلى العراق . البعض من الفضائيات تحتفل ب"الانتصار العراقي في حربه على إيران", وتبرر سعي رأس النظام الفاشي في الهجوم على إيران , وغيرها من الإدّعاءات , محاولة تبييض صفحة أبشع نظام في تأريخ العراق القديم والحديث . 
أثبتت تجربة مشاركة المرأة في فصائل الأنصار بأنّ للمرأة العراقية طاقات وإمكانيات هائلة لا يجوز تجاوزها أو إهمالها , وهذا يستوجب تشريع قانون للأحوال المدنية واضح يساوي بين المرأة والرجل في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتأخذ دورها في بناء مجتمع ديمقراطي متطوّر , ووضع حدّ لتقييد المرأة الذي تمارسه أحزاب ومنظمات الإسلام السياسي في السلطة وخارج السلطة على حدّ سواء .
من الضروري ملاحظة عملية انتقال العمل الحزبي من ظروف محددة إلى ظروف جديدة مختلفة , وهذا يستدعي اختيار أعضاء تتناسب إمكانيّاتهم والظرف الجديد , بعيدا عن العواطف وتطييب الخواطر, لأنّ تغيير المواقف السياسية وتعديل البرامج وتغيير خريطة العلاقات مع الأحزاب والمنظمّات التي هي في السلطة أو خارجها يستدعي ذلك . كما أنّ النشاط السرّي للحفاظ على التنظيم في ظروف النظام السابق كان يفرض بيروقراطية العمل ,وهذا يؤدّي في بعض الحالات عدم تمكّن القسم من التخلّي عن هذا الأسلوب في حالة