الأيام الاخيرة في گلي هسْپَه ( وادي الخيول) ٢ / قاسم حسين

الأيام الاخيرة في گلي هسْپَه ( وادي الخيول) ٢ /  قاسم حسين

ليلة الانسحاب

لم نعد نسمع أصوات الضجيج والصرخات وضحكات الرفاق المنتشرين في أرجاء الوادي ، خرير ماء العين يُسمعُ من فوق سطْح القاعاتِ المبنية في سفح الوادي فالعديد من الرفاق غادروا الوادي، والمتبقي منهم منهمكين في مهماتهم.

مجموعة اللاسلكي (الرفيقتين أنوار و آفاق والرفيق ابو عصام) منشغلين بتأمين الاتصالات مع معم(المكتب العسكري المركزي) ومحلية نينوى ومقر گلي شيفي لمعرفة اخر تطورات الأوضاع لديهم، وكذلك الإسراع بتفكيك جهاز المخابرة والمحاولة لإيجاد الأماكن البديلة لتأمين الاِتصالات. ان تَلَقيّ البرقيات، حل شفرتها وتشفير برقيات اخرى بتعليمات ومعلومات اخرى عن الموقف الطارئ في عموم المنطقة . ان عمل رفيقات ورفاق هذه المجموعة يتطلب جهداً كبيراً ومواصفاتٍ خاصة يتسم بها المكلفين بهذه المهمة وأهمها هو  الكتمان والسرية على المعلومة، هذا يجعلهم في حرجٍ مع بقية الرفاق احيانا اذا ما وجهت لهم أسئلة تتعلق بمعلوماتٍ أو اخبارٍ عن طبيعة عملهم. نقاط حراستنا في الوادي شُددتْ لمراقبة كل التحركات ابتداء من الربيئة القابعة في قمة جبل متين(نقطة الدوشكا) مرورا بالربيئة المرابطة على المرتفع المشرف على المقر والواقع في بداية طريق الصعود نحو جبل متين ، الى نقطة الحراسة في بداية گلي هسْپَه على طريق قرية درگلي. لمهمات الحراسة المشددة هذه دورا كبيرا بإحباط المحاولات التي قامت بها السلطة حينها، حيث عملت السلطة على استكمال وتدقيق معلوماتها الاستخباراتية عن مواقعنا واحداثيات القصف ومحاولة معرفة التسليح ونوعيته، اعداد الانصار والبيشمركة المتواجدين في هذه المقرات.

رصدت نقاط مراقبتنا تحركات الجيش والجحوش في الربايا والمعسكرات والطرق المحيطة بالمقر. المعلومات الواردة الى قيادة المقر تدقق من عدة مصادر، نقاط المراقبة ، اخبار من القرويين والمفارز المتحركة والمعلومات المرسلة لاسلكياً. كل الدلائل تشير وتؤكد ان عملية كبيرة تخطط لها السلطة وان هذه الاستعدادات لاتنحصر فقط في تبديل طواقم الربايا بين الجحوش والجيش كما كان التصور لدى البعض.

مهمات اخرى يتوجب علينا القيام بها الا وهي إتلاف الوثائق والاوراق المتعلقة بمجمل العمل التنظيمي والعسكري وإخفاء الأسلحةِ الثقيلة والاعتدة وهذا العمل استوجب البحث عن أماكن صالحة لذلك، وتطلب أيضاً جهدا عضليا كبيراً للحفر والاِخفاء خصوصا وان العدد المتبقي من الانصار محدود لايتجاوز ال٢٥ رفيق. توزعت جهودنا بين هذه المهمات،وكل رفيق منا يجتر قلقه وخوفه الذي نخفيه عن بَعضُنَا ونحاول قدر مانستطيع من ان نَشّد من عزيمةِ بَعضُنَا البعض ونُمْنيّ أنفسنا بان هذا الوضع طارئ وسيمر بسلام . وأننا مررنا بهكذا اوضاع وتم تجاوزها، ولكن هذه المرة الحالة مختلفة.

خيم الصمت على ارجاء الوادي بعد ضجيج الأيام السابقة، لأصوت يُسمع عند وِجْنَة العين ولا نقاشات( النِگِرَه) والتحليلات لآخر مستجدات الوضع السياسي والعسكري والتكهنات بالمصير ألذي ستؤول اليه الحركة .الهدوء سيد الموقف ولا أحد يدري كيف ستسيرالأمور في الساعات القادمة.

لم يبقى من مجموعتنا ( مفرزة الطريق) في گلي هسْپَه حينها سوى الرفيق أبو هدى وانا. بقية رفاق المفرزة بتشكيلتها الجديدة  تَرَكُوا المقر وانتقلوا الى الجانب الاخر من شارع كأني ماسي- بيگوفا ومعهم المجموعة الاخيرة التي وصلت مع الدليلين رمضان وسليمان ( الرفاق ابو فهد، ابو عليوي، علاء الصغير، سلام ألماني ) قبل ايّام من هذه الأحداث. كانت خُططنا حينها إرسال مفرزة باتجاه سوريا مع الدليلين ولكن الليالي القمرية كانت سببا في ارجاء إرسال المفرزة، وتسارع الأحداث من تحرك الجيش والجحوش في مناطق الجبل الأبيض واحتلاله للربايا وممرات حركة المفارز في المنطقة اضافة لذلك دخول هذه القوات الى القرى وتمشيطها قرية بعد اخرى، حال دون تحرك هذه المفرزة صوب الحدود العراقية- السورية وارتباطا بعملية اخلاء المقرات انتقل هؤلاء الرفاق أيضا الى الجانب الآخر من الشارع، بأمل ان الأوضاع الطارئة ستهدأ حينها يمكن لهذة المفرزة  التحرك ومعها عدد من الرفاق والبريد الحزبي.

في ليلة ٢٦/٨/١٩٨٨، عمل جميع من تبقى من الرفاق كخلية نحلٍ  منتشرين في أماكن مختلفة من هذا الوادي ، فهذه الليلة هي ليلتنا الاخيرة والقرار المتخذ من قيادة المحلية(قيادة الفوج الثالث) و قيادة  محلية حدك هو اخلاء المقرات والمغادرة بشكل مشترك ولهذا الغرض كلّف رفيق من قيادة محلية دهوك بمهمة التنسيق مع مقرات الاحزاب الكوردية الموجودة( مقر محلية دهوك لحدك في گلي بيشيلي) والعمل على التحرك المشترك خلال الانسحاب من المقرات، وان يتم ذلك بطريقة منظمة والتهيئة للمفأجآت التي  قد تعيق الانسحاب وربما تتسبب بالخسائر. تحركت مع الرفيق المكلف بالتنسيق مع حدك  مجموعة من الرفاق(ومعهم الرفيق ا.هدى) لغرض تحديد ساعة الحركة وكيفية التحرك ومكان اللقاء وطريق العبور.

 لم يكن لي وللرفيق ابو هدى ارتباطاً تنظيمياً مع الرفاق في محلية دهوك، وأثناء تواجدنا هناك كنّا نكلف بالواجبات اليومية من حراسات ومهمات ضمن إطار عمل المقر. فيما كان الرفيق ابو هدى مع مجموعة التنسيق ، قمتُ أنا بإتلاف الأوراق وقوائم الصرف الخاصة بمفرزة الطريق وحاولت كتابة تلك القوائم، ولاسيما المهمة منها كرموز وأرقام تسهل عليّ معرفة تفاصيل هذه القوائم حال تَطْلَبَ الامر ذلك. حاولت جمع الأغراض الاساسية مما سنكون بحاجة اليه في رحلتنا المجهولة هذه ، آخذاً بعين الاعتبار ثقل حمولتنا أنا ورفيقة دربي(آفاق) و البوميّ صورٍ احداها عائدة للرفيقة سمر( وعدتها حينها بإيصاله الى سوريا ) والثاني البوم صورنا الشخصية أنا وآفاق( خصوصا صور حفلة زواجنا)، مع ألبومين وضعت جوازات سفرنا التي كانت الوثائق الوحيدة التي نمتلكها وتثبت شخصياتنا. قمت بإخفاء المتبقي من الملابس والأغراض الآخرى بأمل ان نعود للمكان، لتصورٍ كنّا نمنيّ النفس به هو ان ألسلطة ستنسحب من مقرنا بعد دخوله، كما حدث في مقر الفوج الاول في گلي مرانه شتاء عام ١٩٨٧.

بعد ان أتمت مهمتي بوضع مانحتاجه في الحقيبة الظهرية ( العليجة)، خرجت من الكپره بأمل ان أخلو لبعض  من الوقت مع نفسي متمشياً فوق سطح غرفة سكن ر. ابو هدى متأملا ارجاء الوادي ومراقباً حركة الرفاق وهم منشغلين بإتمام أعمالهم، وهنا تدعى الى سمعي صوت الرفيق ابو أنيس منادياً

رفيق ابو وسن نحتاج مساعدة بالحراسة اذا تكدر.

اَي رفيق هسة جايّ ، فتحركت نحو نقطة الحراسة الواقعة بالقرب من مطبخ المقر لأقضي الوقت المتبقي حتى ساعة الانسحاب فيها.

 جميع من بقيّ في الوادي لهذه الليلة على استعدادللحركة( بعد إتمام مهامهم) وبانتظار عودة مجموعة التنسيق مع حدك لمعرفة موعد الحركة ومكان اللقاء،  وبانتظار مجموعة الدوشكا المرابطة على قمة جبل متين حيث تفكك الدوشكا وتحملها على بغل لنقلها لتكون معنا في حركتنا نحو المقر(البديل). أصوات قصفا مدفعياً بعيدا تتناهى الى أسماعنا وتكهنات بان السلطة تقصف مواقع مقراتنا في گلي زيوة ١ بالراجمات(عرفنا فيما بعد بانه فعلا قصف بالسلاح الكيمياوي) . مجموعة اللاسلكي لم توفق بالاتصال بالرفاق في گلي شيفي والرفاق في الفوج الاول(محلية نينوى) رغم المحاولات المتكررة.

لم نجد أحداًمن القياديين لمحلية دهوك في گلي بيشيلي،  يبدو انهم انسحبوا ولَم نجد هناك سوى عدد من البيشمركة وكانوا  هم أيضا في طريقهم لمغادرة المكان. قال احد رفاق مجموعة التنسيق مع حدك.

كيف ذلك لقد وعدوا بان لاينسحبون قبل إبلاغنا بذلك.. اجاب مسؤول الموقع.

كيف لنا ان نثق بهؤلاء فهم دائما هكذا اول من يغادر المعارك... علق احد الرفاق .

بدأ لغطٌ بين الرفاق بعد سماعهم ذلك و تكررت مطالبات بالتحرك بسرعة خصوصا وأن الساعة قاربت منتصف الليل .

لكن رفاق الدوشكا لم يصلوا لحد الان ولايمكننا تركهم ، ذهب الرفيق عايد لإخبارهم بالانسحاب. اجاب الرفيق م. هشام وأكد:

- انهم على وصول لان اتفاقنا معهم ان يكونوا هنا قبل هذاالوقت. ولاادري ما الذي أخرهم.

اتفقنا ان ينتظر رفيقين وصول مجموعة الدوشكا، ويتحرك الآخرين نحو الطريق بين قرية درگلي و قرية موِسكا حيث ننتظر التحاق مجموعة الدوشكا وبعدها نتحرك لإيجاد منفذ للعبور الى الجانب الآخر.

 القمر في ليلتنا هذه بدراً بكامل عنفوانه الضوئي ينير أرجاء گلي هْسبِة ، نجومٌ ساطعةٌ تتلألأ حوله وحول جبل متين كعُقدٍ من اللؤلؤ يُزيّنْ عُنْقَ ذكرياتنا،أحلامُنا وآمالُنا التي ستُترك هنا. خَريّرُ مياه وجْنةَ العين تعزف سمفونية وداعٍ حزينة ، ونحن نجر الخطوات وعيوننا تأبى ان تلقي نظرتها الاخيرة، ها قد آن آوان الوادع.

تحركت مفرزتنا صوب قرية درگلي ولَم تكن المسافة بطويلةٍ حتى تناهت الى أسماعنا أصوات  قصف مدفعي بعيد وياتي من  اتجاهات مختلفة ، في البدء كان القصف متقطعا ولكن مع مرور الوقت اشتد وبدأت أعمدة دخان الحرائق تحصد البيوت والاشجار والمحاصيل الزراعية وبساتين الفاكهة للقرى المحيطة بناحية كأني ماسي والمناطق المجاورة. توقعاتنا ان نلتقي ببيشمركة حدك بالقرب من قرية درگلي أو قرية موِسْكا ولكن هذا الاحتمال تبدد تماما حين عِلْمنا انهم فعلا غادروا مقرهم في وقتٍ مبكّرٍ من مساءِ ذلك الْيَوْمَ.

يتبع

١ گلي زيوه هو الوادي الذي اتخذته قيادة قاطع بهدينان لانصار الحزب الشيوعي العراقي مقرا لها من الفترة أواخر ١٩٨٣ حتى الايام الاخيرة لانسحاب قواتنا منها حيث بقيت فيها مجموعة صغيرة( موقع الاسناد) والذي تعرض لقصف شديد أدى الى استشهاد ثلاثة رفاق( الشهيد ابو الوسن(العراقي)والشهيد ابو جواد والشهيد ابو سعد)ومقر زيوه  هذا تعرض الى القصف الكيمياوي بغاز الخردل بطائرات السلطة الديكتاتورية في الساعة السابعة من مساء يوم ٥ حزيران ١٩٨٧ وكان نتيجة هذا القصف الهمجي استشهاد الرفيقين ابو فؤاد(جوقي سعدون) وأبو رزكار( ريبر عجيل) وجرح واصابة قرابة ال  ١٠٠رفيق اختلفت إصاباتهم بين حروق بسيطة وحالات فقدان النظر لعدة ايّام الى إصابات وحروق بدرجة اعلى في الجهاز التنفسي.

 

الأيام الاخيرة في گلي هسّبّه ( وادي الخيول) 1 / قاسم حسين