مذكرات نصير/ زيوة الإيرانية / مؤيد بهنام

مذكرات نصير- زيوة الإيرانية / مؤيد بهنام                               

خدعة رفيق قيادي !

مرة ذهبنا، بضعة من الرفاق الانصار، إلى مقر الحزب. اعتقد  أن المقر كان في قرية راجان ولكني لست متأكدا من ذلك. لا أتذكر من كان معي من الرفاق، ما عدا، على أغلب الظن، الرفيق سمير - ملازم رياض-، ولا اتذكر السبب الذي حدا بنا بالذهاب إلى مقر الحزب آنذاك.
في المقر التقينا بالرفيق ابو حكمت. لم اك قد التقيته من قبل ابدا، كانت تلك هي المرة الأولى. رحب بنا وطلب لنا شايا. ونحن نحتسي الشاي الحار ونتجاذب أطراف الحديث معه حول وضعنا كلاجئين في إيران وإمكانية خروجنا إلى سورية، قال لنا بالحرف الواحد ما يلي :

- أي رفيق منكم يكدر يدبر دعوة من سورية، ستكون عملية خروجه سهلة جدا. نحنه أنساعده !

سالناه كيف رفيق :

- جيبوا الدعوة ومعليكم ...ونحنه أنساعدكم بالخروج.

يقصد طبعا الحزب الذي كان أبو حكمت واحدا من ممثليه القياديين آنذاك هناك.
كلام الرفيق ابو حكمت ذاك إنما انعش الآمال حقا في قلوبنا. إذ ما أن وصلت إلى خيمتنا العتيدة حتى أخبرت رفيقتي وزوجتي سمر بما أسرى به لنا الرفيق أبو حكمت.
فما كان من سمر إلا أن بعثت برسالة عاجلة إلى شقيقتها التي كانت تقطن دمشق آنذاك، تحثها على عمل دعوة لنا، لكي يتسنى لنا الخروج من ايران بأسرع وقت ممكن !
بعد أشهر استلمنا دعوة رسمية لي ولسمر مصدّقة من السلطات السورية. فصحت الآمال مجددا. أخذت الورقة، وطرت بها إلى مقر الحزب، تراودني أحلام زاهية بأن من  الممكن أن يحالفنا الحظ هذه المرة ونترك قرية زيوة القذرة، والحياة البائسة اللانسانية فيها في أقصر وقت ممكن، بمساعدة من الرفيق ابو حكمت كما وعدنا هو شخصيا بذلك.
في المقر ألتقيت، من حسن حظي، الرفيق ابو حمكت، أديت عليه التحية والسلام. ثم ناولته الدعوة، منتشيا وفرحا.
تطلع في الورقة وسألني بطريقة محبطة للغاية :

- هاي شنو رفيق ؟!
- رفيق هاي دعوة من سورية إلي وللرفيقة سمر !
- اي أو شنو يعني ! ليش جايبها الي ؟

فما كان مني، بعد أن اسقط بيدي، إلا أن أذكره بوعده لنا قبل فترة وجيزة من الوقت.  تطلع إلي ببرودة قاتلة، وعلى شفتيه بانت ضحكة سامة خادشة لكرامة المرء، ثم أجابني :

- رفيق روح نكعها واشرب مايها ! هاي شنو؟ هاي مجرد ورقة ! اني اكدر اجيب لك الف وحده مثلها !!!!

صعقني جوابه ونكرانه المطلق لوعده، وشعرت بأني إنما  غدرت بطريقة خسيسة وجبانة، جارحة لكرامة الإنسان.تملكتني خيبة مريرة وغضب جامح، واعترتني رغبة شديدة بأن أوجه له صفعة على وجهه انتقاما منه ومن فعلته النكراء والدنيئة. كيف ينكر ما قاله لنا بهذه السهولة، وبهذه الصفاقة  والبرودة التي لا نظير لهما ! لم يك في موقفه أية انسانية او مروءة قط. ناهيك بأننا رفاق في حزب واحد.

أخذت الورقة- الدعوة وتركت المقر لا ألوي على شيء.
في اليوم التالي قررت أن اتصل لوحدي، دون عون من الحزب أو من أحد  بالسلطات الإيرانية،  وابدأ بمعاملة السفر، معتمدا على تلك الدعوة الرسمية التي وصلتنا، عبر شقيقة سمر. وهذا ما فعلته في الايام اللاحقة.
إلا  أن عملية اجلائنا من قرية زيوة اللعينة إلى معسكر اللاجئين، اوردكاه خوي، أوقفت مسار العملية. إضافة إلى أن  الوعود الكثيفة التي أغدقت علينا من قبل القيادات الحزبية في دمشق، عبر اتصالاتها المتكررة مع القيادات في ايران، بأن أمر ترحيل جميع الرفاق والرفيقات إلى دمشق بات قاب قوسين أو أدنى، فلّ من عزيمتي في متابعة معاملة السفر.
لكن كل من عاش هذه التجربة المريرة والمرة في تلك الأيام الصعبة، يعرف ان الأمر، أمر خروجنا الجماعي المنظم، بجهود القيادة في دمشق، كان امر أشبه بمزحة واهية وسمجة ليس إلا...وأن انتعاش الآمال وخفوتها، بخروج عاجل ومنظم لجميع الرفاق الأنصار، تنجزه تلك القيادة، إلى دمشق، ، شكلا هما اضافيا جثم على نفوس الرفاق الأنصار كاحجار صلدة ، وزاد من أعباء احمالهم النفسية الأخرى، الثقيلة والكثيرة، ردحا طويلا من الزمان، بحساب الأوضاع المزرية التي كنا نعيشها جميعا، خصوصا بعد ترحلينا، نحن الأحرار الطلقاء، الى معسكر اللاجئين، وهو مكان إنما يشبه سجن او معتقل إلى حد بعيد. في الحقيقة أن الأخبار والوعود بخروجنا استحالا آنذاك إلى لعبة مشابهة للعبة القط والفأر، وحولها بعض الرفاق إلى قصص للمزاح و " والنصب ".
اعتقد جازما أن معظم الرفاق يتذكرون ذلك الخبر البراق لكن الكاذب، الذي يأتي ويختفي بسرعة فائقة، مثل ومض البرق، أو كفالة الصابون، والذي طالما تناهى إلى اسماعنا، خصوصا بعد ترحيلنا إلى الاوردكاه، معسكر اللاجئين، في الخوي :

- هسه إجه خبر تازة...بعد يومين توصل فيزنا كلنا إلى السفارة في طهران....ستفرج قريبا...

فتتوهج الامال لكن سرعان ما تخبو عندما  نكتشف لاحقا أن هذه الأخبار مجرد سراب يغشي عقولنا ويعشي اعيننا ويتلاعب بمشاعرنا المرهفة والجريحة وبصدقنا لا أكثر...

لا أدري كم من مرة سمعنا مثل هذا الخبر الطائش الآتي عبر الحدود، من القيادات الحزبية في دمشق، ليتبين فيما بعد أن الخبر عار من الصحة تماما !!