مذكرات نصير/ زيوة/ مقر قاطع بهدينان / غارات جوية / مؤيد بهنام

مذكرات نصير/ زيوة/ مقر قاطع بهدينان. غارات جوية / مؤيد بهنام  

في البداية لا بد لي أن أعترف أنني ضعيف فيما يخص تاريخ الأحداث التي عشتها شخصيا إلى حد بعيد. لكني على الضد من ذلك ما زلت اتذكر البعض من تلك الأحداث بشكل كبير، حتى أن ادق تفاصيلها ما زالت عالقة في ذاكرتي ولم يمحها رماد الأعوام الثقيل.
لذلك اتذكر تلك الغارة الأولى التي شنتها طائرات حربية على مقر القاطع. في صباح يوم صيفي رائق وعادي لا يختلف عن صباحات أخرى مضت قبله. لماذا علق ذلك الحدث في ذاكرتي؟
اعتقد لثلاثة أسباب : الأول أنها اول غارة جوية تشنها طائرات حربية على مقر القاطع. السبب الثاني هو أني لم ارى قبل ذلك مشهدا حقيقيا لغارات جوية ما عدا على شاشات السينما والتلفزيون. السبب الثالث يكمن في أنني كنت الحرس الأخير ! وذلك يعني أن جميع الرفاق ما برحوا يغطون في نوم عميق.
تناهى إلى سمعي أزيز طائرات حربية بعيد نسبيا، اخذ بالاقتراب شيئا فشيئا من مقرنا. فجأة رأيت الرفيق الراحل ابو جميل- توما توماس - يطل بقامته الهائلة الممشوقة بين دفتي باب غرفته، ثم تخطاه إلى ساحة الفصيل - فصيل الحماية - وكنت قد تملكني مزيج من الخوف والارتباك، نتيجة لا نعدام الخبرة لدي، فسألته وكلانا يحدق في السماء الصيفية المتألقة في صفائها ونقاوتها :

- هاي طيارات حربية رفيق ابو جميل مو !

التفت إلي بهدوءه واتزانه  الرصين المعهودين في مثل هذه الملمات، وقال لي كأنه يتحدث عن أمر عادي جدا :

- روح كعد الرفاق بسرعة هذولة جايين علينه !

الرفاق الغارقين في نوم لذيذ، بعضهم صحا على صوت أزيز الطائرات القادمة وبعضهم على صوت صراخي المتوالي :

- رفاق كوموا غارة جوية !

لم تنقض سوى لحظات حتى كانت الطائرات تحوم فوق القمم الجبلية المحيطة بكلي - وادي - زيوه فيما تعالت أصوات المضادات الجوية - الدوشكا - من حظيرة الدوشكا في أعلى المقر، من مير بدري، ومن دوشكات الحزب الديمقراطي الكردستاني.
القت الطائرات بحمم الموت التي انفجرت في أمكنة متفرقة، محدثة دويا هائلا وحرائقا في الأماكن التي سقطت فيها مع ارتفاع أعمدة الدخان.
لم يصب أحد باذى ومرت الغارة بسلام والرفيق  المكلف بالخدمة الرفاقية بدء بعد انتهاء الغارة بتجهيز الفطور.

بعد هذه الغارة الأولى بقى مقرنا عرضة لغارات جوية متتالية من الطائرات الحربية بين آونة  وأخرى. حيث اعتدنا على تلك الغارات الجوية إلى حد بعيد، مثلما اعتدنا ايضا على القصف المدفعي. لكن أقسى الغارات كانت - اذا ما غضضنا الحديث عن الغارة الكيمياوية - هي غارة حدثت بعد أكثر من عام من هذا التأريخ.
إذ دارت الطائرات حول مقرنا، وألقت قنابلها الثقيلة على سفح قرية زيوه المواجه لمقرنا. أي أن القنابل سقطت على مسافة قريبة جدا مقارنة بغارات سابقة.
انفجار القذائف رج المقر بأكمله رجا هائلا يشبه حدوث هزة أرضية خفيفة.
الارتجاج احدث لأول مرة تصدعا في أرضية ساحة فصيل الحماية. وبعض شضايا القذائف وصلت إلى ساحة الفصيل وواحدة منها اصطدمت بخشبة إسناد لواجهة غرفة مكتب القاطع واحدثت فيها شرخا بينا.
غالبا ما يجري بعد انتهاء كل غارة جوية التندر بين الرفاق على الغارة وعلى البعض من تفاصيلها وعلى تصرف وردود أفعال بعض الرفاق.
اتذكر اننا حينما تجمعنا أمام مكتب القاطع بانتظار الفطور، قلت للرفيق ابو جميل :

- خوش غارة مو رفيق !

أجابني مازحا ومداعبا وقد اعتلت شفتيه ضحكة عذبة :

- هاي لو متعرضين الهيجي غارة من بداية الحركة جان ما بقه ولا نصير بكردستان !
لا أتذكر سوى أن جميع من كان معنا من الرفاق غرق في ضحكة مجلجلة فيما تناهى إلى اسماعنا صوت رفيق الخدمة الرفاقية :

- رفاق الفطور جاهز.. واكيد الغارة الجوية جوعتكم بعد أكثر...

رائحة العدس الساخن والخبز الحار وصدى الجوع في نفسي بددا الخوف الذي ضرب اطنابه في خلايا روحي وجسدي.
تحلقنا كل ثلاثة رفاق حول صحن العدس فيما نفذت الرائحة المتصاعدة من ابخرة قدح الشاي إلى منخريي.
 
كان ذلك على أغلب الظن في صبيحة يوم ندي مغلف برائحة الأشجار العبقة وأصوات الطيور المغردة والغارق في سكون وهداة سماويين من عام ١٩٨٤.

مؤيد بهنام/ابو نسرين ف