كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!26/ هاني ابو زياد

كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!26/ هاني ابو زياد

الارض منبسطة والطريق غير واضح بشكل جيد لكننا نستطيع ان نميزه عن غيرة  من الاثار فقد تعودنا على هكذا دروب .. تسيرون بالاتجاه حتى تصلوا ما يقابل تلك الصخرة على اليسار, تنحرفون يمينا  وتصعدون الكتف المقابل ستجدون طريق ينزل وستشاهدون القرية في اسفل الوادي , كتلة من اشجار السبندار الكبيرة المعمرة  ( الخشب الابيض.. اسم الشجرة ) هناك بازة ....يجب ان نصل القرية قبل نزول الظلام . يبدو انها  بعيدة  . ان لم نسير بهمة ونشاط , لا نلحقها قبل الليل  ..سرنا كما وصف لنا الرجل حتى وصلنا  طريق النزول ... راينا من بعيد اشجار الاسبندار وبعض البيوت  لكنها بعيدة جدا , الوادي عميق جدا  , والطريق حاد فهو ليس قطع  لكنه حاد لا ضيران قلنا عنه حاد جدا ..سيكون النزول ,,زكزاك’’ ,,, لو فكرنا اين نحن من سطح البحر؟؟ .. فقد نزلنا في الصباح  وادي كان عميق  والان سننزل مرة اخرى الى واد عميق .. اين نحن اذن ؟؟ نزل الرفاق  بشكل عشوائي .. لا نترك مسافات كبيرة بيننا , ولا نترك احد لوحده , ومن يصل  ينتظر على اطراف القرية  لندخلها  كلنا معا . انطلق الرفاق  الشباب منهم من يجري  ومنهم من يساير  كبارالسن , فالكبار بخبرتهم يسيرون بهدوء وروية , فالقرية لا تهرب  سنصلها  بالوقت المناسب .  اخذ منا النزول وقت طويل كنا مع الليل بسباق فهو يسرع  ليبسط  ظلامه على الطريق  ونحن نقاومه بعزيمة واصرار على ان لا يدركنا ونحن بعيدون عن القرية  .. تجمع الرفاق بالقرب من طريق المدخل . علينا ان نمشي مسافة  بضع عشرات من الامتار , بين سياج البستان واشجار الفواكة التي تحجب البيوت  من اليسار,  وغرف العلف  وزرائب الحيوانات  المبنية من الحجر والطين والمغطاة  باغصان الاشجار وورقها من اليمين .. يميل الطريق  يسارا عند زاوية البستان  ويستمر . هناك التقينا  وجه لوجه مع  مجموعة مسلحة من رجال القرية  كانوا  قادمين لاستقبالنا . بعد التحية والسلام  . قالوا لقد رايناكم وانتم على القمة  في الافق تعبرون ثم تنزلون , ظنناكم  من الجيش  وجئنا لاستقبالكم .. فالجيش ياتي احيانا  لزيارة القرية والبحث عن الهاربين والمطلوبين  , اهلا وسهلا بكم  , عرفهم الرفيق الفقيد ابو فلمير بنا  , على اننا من محلية الشيخان حدك .. دخلنا القرية لنجد ان جميع اهل القرية من الرجال  وربما نساء ايضا بانتظارنا وهم يحملون  الفوانيس والاضوة . كان منظر مخيف للوهلة الاولي وقفنا في وسط الساحة .. وتم توزيعنا  كل رجل هنا ياخذ 3 رفاق  مراعين الجدول  لان الليل سيكون طويل  والاحاديث تكون كثيرة .. نحن الرفاق ابوسلوان والفقيد ابو فلمير وانا اخذنا  شاب  قالوا له خذهم الى بيت طاهر ..توزع الرفاق بسرعة  , وخلت الساحة  , وكأن شيء لم يكن . سرنا خلف الشاب , دخلنا حوش  ثم غرفة كبيرة  جلس رجل كبير السن في صدرها نحيل  يميل الى القصر  بالرغم من انه لم يقف  اتضح انه معوق  سلمنا عليه واخذنا  اماكننا .. بدا يتحدث ويسال . فقد سال كثيرا مستفهما ومشككا بكل شيء مارا بحزب العمال , الارمن , وحدك  منتهيا  بكردستان العراق ..كنا انا والفقيد ابو فلمير نتحدث معه ونجيب على اسالته وان صعب علي رد يتولاه الفقيد ابو فلمير .. سالني .. من اي الاماكن انت  !؟ . قلت انا من العمادية , قال صحيح لهجتك تقول ذلك  لكنك  تقول بعض الكلام السوراني ايضا .  ابن من انت من العمادية ؟  قلت  .. أنا ابن حجي سعدالله (( حجي سعدالله , الله يرحمه ’’ هو والد رفاقنا شيركو ومقداد )) صحيح انا من العمادية لكني درست في اربيل الثانوية والجامعة لهذا تاثرت لغتي واصبحت بهذا الشكل .. لا اعرف ان اقتنع بما قلت ام لا , لكنه لم يسال اكثر من ذلك .. كان يوجه حديثه الى ابو سلوان  يجيب عنه الفقيد ابو فلمير..  ليقول له ان الرفيق من بغداد ولا يعرف الكردية بشكل جيد بالرغم من انه كردي .. كان الليل طويل وصاحبنا طاهر مهذار  ويحب ان يتكلم وعلينا الاصغاء  له والرد عليه .. العشاء  جيد جدا بمقاييس البيشمركة  , برر له غلاسته وثقل دمه .. تظاهرنا بالتعب والنعاس لنهرب من اسالته واحاديثه .. نمنا  ليلتنا بهدوء ودفئ  لنصبح على يوم مشمس جميل , وفطور ممتاز كان يوم 6 تشرين اول 1988 .. .. في الصباح وعلى ضوء الشمس  شاهد  الرجل كم كانت  ملابسي وسخة ( كان اخر مرة استحم والبس نظيف يوم 27 اب 1988 كما اسلفت ) . غضب قائلا لماذا لم تقل لنغسلها  لك بالليل  وتستحم وطلب مني ان اعطيهم الملابس الان لكي تغسل .. قلت لا شكرا  يجب ان نذهب لا وقت  لدينا ..خرجنا الى الساحة . كان الرفيق ابو سعد مريض ولا يقوى على المسير وقد جهزوا له بغل  ليركبه حتى القرية القادمة اسفل قرية بازة  والتي لا تبعد كثيرا  ... ودعنا اهل بازة  شاكرين لهم  استضافتنا ونزلنا باتجاه القرية الاخرى ( لقد نسيت اسماء بعض القرى في كردستان تركيا .. انا اسف ) القرية قريبة .  استقبلنا رجل خمسيني  طويل  ضخم  وسيم  بشوارب كبيرة بانت عليه قساوة الحياة ومصاعبها  . كان استقباله لنا حارا تميز عن كل الاستقبالات السابقة , واجلسنا في غرفة كبيرة في بيته .. قال لياتي الجميع هنا . قال اخر لا سيكون عندنا نصفهم . كنت انا  في بيت  كاك حسين  ,, هذا اسمه ’’ .. وضع كيس التتن  تحت متناول الجميع ..,, كنت ادخن كما الاخرين منذ حصولي على الباكتين من جعفر’’  لكني لا احسن اللف فقد تولى هذه المهمة الرفيق عابد فهو يلف دائما  لي وله .. بعدها جاء الغداء كان جيدا , والشاي . كان كاك حسين يقص علينا كيف كان  بيشمركة وكيف اعتقل من قبل السلطات التركية  معددا  لنا  انواع  التعذيب التي تعرض له وصنوفه  واصفا  قساوته وبشاعته ... قال سيرافقكم شاب الى زوم  , قال اسمه ’ قاطعه اخر قائلا .. لا اظن انهم لايزالون هناك .  قال حسين اذهب وسال  وتاكد .. عاد الشاب قال لقد رحلوا فالمكان كان بارد والشتاء داهمهم  هناك اضطروا الى الرحيل .. قال حسين ..اذن سارافقكم  الى زوم  اخر انا  متاكد  انهم لايزالون هناك ...انطلقنا  يتقدمنا حسين  ونحن خلفه وبجانبه  كان لا طريق  قطوع  وصخور, اراضي منبسطة و منخفضات مليئة بالثلج . قال  .. هذه الثلوج هنا منذ الازل  . مشينا طويلا في مكان مقفر لا تسمع  به الا صوت خطواتك  .. قال حسين انا ساعود عليّ ان اصل  القرية قبل الظلام , انتم  تواصلون المسير الى ذالك  القطع ثم تتجهون الى اليمين , تعبرون كتف الاخدود  تظهر لكم الخيم . ودعنا بحرارة وراح .. عبرنا الكتف كان  هناك قطيع من الغنم ومعه شاب  يسيرون باتجاه  خيمتين هناك . هذا الزوم اذن .!  خيمتان بيضاوان متجاورتان لا غير ( ما كانتا بيوت شعر ) كيف يمكن المبيت هنا  ؟ لا رجال يمكن ان نطلب منهم  المبيت  ولا بيوت كثيرة يمكن ان نتوزع بها  .هناك نساء  فقط واطفال .سالنا الشاب  قال تحدثوا مع النساء . اخذ الفقيد ابو فلمير على عاتقه اقناع النسوة  , مقترحا ان ناخذ خيمة ننام بها  والاخرى للنساء والاطفال فاليل طويل وبارد جدا . لقد بذل الرفيق جهد كبير حتى اقتنعوا وتركوا لنا خيمة , ولم نطلب منهم  اي شيء فلدينا بعض الخبز والشاي .. في هذا الوقت اختفى الشاب  ولا نعلم الى اين ذهب  . الخيمة لا تسعنا للنوم فعددنا كبير ... لكننا نمنا بها جميعا جالسين متداخلين ببعضنا عدا رفيقين او ثلاثة جلسوا قرب الموقد في باب الخيمة يتحدثون ويدخنون كل الليل ...يتبع