كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!27/ هاني ابو زياد

كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!27/ هاني ابو زياد                      

 قضينا ليلتنا في الخيمة . كان الليل طويل . وما كنا بحاجة الى اغطية  تقينا برد الجبل القارص . كنا  نتوسد اجسادنا  ونمنح الدفء لبعضنا  كأننا واحد  , فنحن رفاق , وهكذا يجب ان نكون , والا نبرد ..! فقد اقتسمنا كل شيء ولم نبخل حتى بالروح ..!  ... لقد كنا ....... !  استيقظنا وخرجنا من الخيمة مبكرين كان  اليوم 7  تشرين اول  1988 . جمعنا بعض الحطب واشعلنا  نارا .. فطرنا بما تبقى لدينا من خبز وشربنا الشاي . سال الفقيد ابو فلمير عن الطريق  قالوا له من هنا .. ودعناهم وسرنا باتجاه الطريق .. ليس بعيدا عن الخيام .  كان الثلج  المعمر يغطي المنطقة  مشينا عليه , صعدنا قليلا لنفاجئ  بوادي عميق .  الطريق على يسارنا . يقابلنا  بالجانب الاخر من الوادي  ارض منبسطة مفتوحة مع امتداد البصر لا اشجار فيها , تميل الى الانحدار قليلا الى قاع الوادي  ولم نرى اي اثر لقرية ... هناك  شارع  نرى  عليه سيارات  منها عسكرية  ..  اخفضوا رؤسكم ولا تظهروا بالافق وانظروا  من خلف الصخور التي تشكل حاجزا يمكن ان نختبيء خلفه ونراقب . هذا طريق للنزول واضح  . ربما القرية  في زاوية  لانراها من هنا  , او ان مخازن العلف  الكثيرة التي بنيت بجانب  بعضها مع امتداد  طريق النزول  منعت  ظهورها .. يجب ان نعمل شيء , ربما  في القرية مخافر  للقرقول  او جيش  .. كيف لنا ان نعرف ؟ لا بد ان يذهب  نفر منا  يستطلع  المكان  سيما وان هناك سيارات  عسكرية .. خمن البعض ان هذه  اراضي عراقية  اذن نحن على الحدود مرة اخرى , بعد ان كنا بالعمق التركي . ونحن هكذا رأينا  رجل يخرج من خلف مخازن العلف  وياخذ الطريق  صاعدنا  باتجاهنا لكنه بعيد جدا . قررنا ان ينزل رفيق للقاء بهذا  الرجل يتبعه  رفيق اخر ينتظر في وسط الطريق  لكي  يخبرنا  باشارة واضحة .فالانتظار سياخذ منا وقت طويل . نزل الرفيق الاول بسرعة وتبعه الثاني  بعد وقت قصير ونحن ننظر اليهما . لم يتوقف الثاني في نصف الطريق  وانما استمر خلف الاول حتى التقيا به معا .. تحدثا معه ودعونا للنزول باشارة . نزلنا بمسافات وعبرنا الافق بسرعة . تجمعنا خلف مخازن علف الحيوانات . اتضح ان الرجل  جاء ليلتقي بنا  بعد ان علم بوجودنا , فقد اخبره الشاب الراعي  الذي اختفى البارحة . قال سوف لن ندخل الى القرية وانما سنكون على اطرافها  لوجود مخفر للقرقول فيها . اخذنا الى مكان فوق القرية , ساحة تحيط بها الاشجار قال .. سيجلب الاهالي الطعام .. بعد وقت ليس طويل ظهرت طلائع اهل القرية حاملين معهم الطعام   ( بالجدور  والبقج ) كان عددهم كبير  وتجمع طعام كثير . قلت .. نجمع الطعام كله ونقسمه على الرفاق , لاننا نعلم انه مختلف ومتنوع  فهو ما توفر لديهم وحسب امكانياتهم ..فمنه لحم ودجاج ومنه جاجي ( نوع من انواع الجبن كان رفاقنا لايحبوه ,نسميه استخبارات ) .. جاء الرفيق ابو حسن حبيب البي  وقال هناك رجل فيهم قجقجي ( مهرب )  كان ياتي الى مقرنا وهو يعرفني , شيوعي ’ماذا نفعل ..؟  لا نفعل شيء   ليعرف  ! ماذا عساه ان يفعل ...؟ وزعنا الطعام على الرفاق وحرصنا على ان ياخذ الرفيق كفايته وبالنوعية ذاتها , الا الرفيق الفقيد ابو فلمير فلم يقبل ان يضع ما حصل عليه من طعام مع الاخرين واحتفظ  به مستنكرا ما قمنا به و (زعل ) ومعه شقيقه الفقيد مام سعيد .. استمر زعله الى النهاية  لا يكلمنا  ولا يمشي معنا . اما خلف المفرزة او امامها  .. اخبرنا  القروي بان  هناك  مقر لحدك على مقربة من القرية سنذهب اليه بعد الغداء .. اكلنا  واحتفظنا  بالخبز والطعام الزائد وعجلنا المسير بعد ان شكرنا اهل القرية وودعناهم . قال القروي .. يجب ان نصل قبل الظلام لان الطريق للمقر صعب  فليس هناك من طريق بالواقع ...سرنا بالغابة مسرعين فالطريق نزول وسهل ..مر امامنا ثعبان كبير يجري بسرعة جرى خلفه القروي ممسكا بحجارة وضربه ولم يتركه حتى قتله .. يقال انهم لا يتركون ثعبان مهما كان حجمة يمر الا يقتلوه هذه عادة او شيء من هذا .. وصلنا الى نهر ماءه  ازرق صافي  يسير بهدوء  , قال هذه منابع الشين ( الازرق ) والشين نهر كبير يصب في الزاب الكبير ..يعرفه رفاق بهدنان .. على حافة النهر هناك مكان  مستوي  تحت الاشجار  فيه حطب كثير مقطع وجاهز واثار مواقد كثيرة  وكميات  من البطاطة  والطماطة وضعت في زوايا المكان  وكأنما  احدا كان قد اقام  هنا او بقي فيه لفترة .  قال القروي هذا مكان عوائل كردية عراقية عاشت لايام  قبل ان تسلم للسلطات التركية .. يجب ان نتجاوز هذا النهر  لنصل الى مقر حدك في مكان يسمى ( جمي تي ) .  النهر عريض يجري بين قطعين صخريين حادين ’ ليس هناك طريق . الوسيلة الوحيدة للوصول الى  ,,جمي تي ’’ هي  المشي على جذوع الاشجر الساقطة على النهر والمتشابكة  كما الجسور وهذه تحتاج الى وقت  والليل يداهمنا  .. قرر صديقنا القروي العودة والمبيت في ذاك المكان لاننا لا نستطيع ان نعبر بالليل . رجعنا  توزعنا على الاماكن وشعلنا  نيران  وشوينا البطاطا ونمنا ليلتنا هناك ملتفين حول النار ...حتى صباح يوم 8 تشرين اول  1988 ..بعد الفطور  تحركنا .. عبرنا بعد ان بذلنا جهود كبيرة  ,وبدئنا نسير على الخط الاحمر ونلمس بأيدينا  اشارات الحدود (الدنك ) ونلعب رجل بالعراق ورجل بتركيا .. انا بالعراق  انا بتركيا وهكذا .. كان يشرح لنا  صديقنا .. في هذا الوادي حدثت معركة  هذا مكان دماء قتيل  وهنا جرح اخر.....  , كان يصف المعركة  وكانه كان معهم . فقد وصل الجيش العراقي الى الحدود  !. بعدها دخلنا اراضي تركية حتى وصلنا المقر التقينا  بشمركة حدك رحبوا بنا   قالوا تعالوا الى هنا  فانتم  بالاراضي  التركية الجيش التركي ياتي احيانا ولا نريد ان نختلف معهم  . كان هناك  كهف صغير لكنه بالاراضي التركية , فكرنا ان ننام فيه .. بعدها اخبرونا  بان  ليس لديهم   ما يمكن مساعدتنا  به غير الخبز  فليس لديهم  افرشة او اغطية او طعام  . اجمعوا حطب واشعلوا نار وناموا حولها . ذهب الرفيق ابو سلوان اليهم طالبا منهم ان يبعث برقية الى رفاقنا يخبرهم بوجودنا  هنا  ..  بعث البرقية وعاد يخبرنا بانه .. كتب يعلمهم  ان مفرزة ابو سلوان وصلت هذا المكان ..!!  في ,, جمي تي ’’  تمكنت ان اغسل  قميصي  فهو الاكثر اتساخا من بقية ملابسي وخاصة  ( الياخة ) وغسلت  شعري ايضا وشعرت بنشوة النظافة ,.. بقينا كل نهار  8 تشرين اول 1988 وبتنا الليل ايضا بدون غطاء ولا فراش  , في العراء نرتجف كل الليل  حتى صباح يوم 9 تشرين اول 1988 .. اكلنا رغيف من الخبز حار مع الشاي كان لذيذا.  زودونا  بارغفة اخرى من الخبز للطريق . حوالي الساعة التاسعة صباحا تحركنا  تاركين ,, جمي تي’’ يرافقنا عنصر من حدك ليوصلنا الى اقرب قرية تركية بعدها نستمر الى حدود ايران  ..عبرنا النهر وهو الحدود الى الطرف التركي وسرنا بمحاذات نهر اخر يصب في الاول . اصطفت على جانبيه اشجار كبيرة معمرة  تسلقتها اشجار العنب الابيض الشهي . كنا نشاهد  الكثير من بقايا  ملابس واغراض تركها اللاجئون ايام الهجوم  مبعثرة على طول الطريق . توقنا  في مكان  للغداء اكلنا خبزا وعنب  كان لذيذ . تحركنا بعد الغداء باتجاه القرية  . على ابوابها  انتظرنا   للتاكد من عدم وجود  جيش او قرقول . كان  الانتظار طويل  دخلناها  بالمساء  .... يتبع .