كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!28/ هاني ابو زياد

كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!28/ هاني ابو زياد                 

في المساء و بعد انتظار دخلنا القرية  . كان ذلك يوم 9 تشرين اول 1988  . تاكدنا ان ليس هناك  قرقول او جيش . القرية كانت كبيرة نسبيا .. توزع الرفاق دون مراعاة لجدول التوزيع بعد ان تعذر علينا توضيح وجهة نظرنا والتي تسببت في زعل الرفيق الفقيد ابو فلمير ومعه الفقيد مام سعيد . موقفهم هذا اخل  بالجدول , وتم التوزيع بشكل عشوائي  . حرصنا على ان تكون المجاميع اكثر من 3 رفاق  .. كانت ليلتنا هذه عادية  , فلم يعلق منها بالذاكرة شيء سوى اننا نمنا بشكل جيد , فلم ننعم  بنوم دافئ  ومريح منذ ايام , اخرها  ليلة البارحة عند الحلفاء  !, في صباح يوم 10 تشرين اول 1988 تجمع الرفاق  في ساحة القرية بعد ان اخذوا شيء من الطعام  لوجبة الغداء . رافقنا رجل  من القرية , سيكون دليلنا  الى القرية القادمة والتي تقع بالجانب الاخر من الجبل .. بدئنا بالصعود .. الصعود ليس غريبا علينا , ولم تكن هذه المرة الاولى , فقد تعودنا الصعود والنزول منذ  التحاقنا  بكردستان .  وقد اخذت رحلتنا هذه حصة الاسد في ذلك لاننا  أجبرنا  على ان نسلك الطرق الوعرة والصعبة والتي كان معظمها صعود .. هذا الجبل  والصعود الى قمته  لا يختلف كثيرا  عن غيرة سوى انه لا ينتهي ,  فكلما نظرنا الى اعلى  نشعر أننا لم نعمل شيء منذ الصباح . وكأن البركة حلت عليه واخذ يعلو . فكلما صعدنا يزداد ارتفاعا وقسوة  , كما اننا  خسرنا الشمس ايضا ودخلنا عالم الغيوم  واصبح المكان بارد جدا . اخذ منا الصعود ساعات حتى بلغنا القمة .. هي كباقي القمم التى وصلناها  بالاراضي التركية عبارة عن ارض جرداء لا نبات فيها ولا حياة  من شدة البرودة ,  ومقعرة  تحيط بها حافة  على  شكل قوس تخفي خلفها  قطوع  حادة  او منحدرات  شديدة . ومن الطرف المفتوح يكون الوادي العميق المخيف . كان هذا المكان  بهذا الشكل . كما  ان  الزوم  الذي كان يفترض ان يكون هنا  انتقل اهله  الرعاة  الى باطن  الوادي  فهو اكثر دفئّ .  مع وصولنا  القمة  وشعورنا  بالنصر , نزلت  كميات  كبيرة من البرد (الحالوب ) غطت الارض وجعلتها بيضاء مع انخفاض شديد لدرجات الحرارة  . صاح الرفاق في اخر المفرزة علينا منبهين , التفتنا راينا  الرفيق  مام احمد وهو مستلقي على ظهره  مستسلم  لقدره  والرفيق عابد  ابنه  الاكبر  يضع  راسه على صدر ابيه ليسمع دقات قلبه  وهو يضحك  ويقول  ,, لا لا عايش ’’ كان الرفيق متعب جدا  هده  الصعود  واراد  ان  يستريح بطريقته التي ارعبتنا ..نهض بعدها  جلسنا بجوار الحافة لنحتمي بها من تيار الهواء البارد  على صخور كانت هناك  من اجل  تناول الغداء , فالقرية القادمة  بعيدة  والطريق اليها نزول ,, كل الذي  صعدناه منذ الصباح  .. ليس هناك من حطب او اي شيء يمكن ان نشعله لنتدفء عليه . بدئنا ناكل ونحن نرتجف من البرد ولا نقوى على ثلم رغيف الخبز .. كان مع الرفيق ابو سلوان راس بصل  يابس حاولنا ان  نكسره  ولم  نستطع , كان من الصعب علينا  رفع  حجرة  وضرب  البصل  بها  فايادينا  متجمدة وضعيفة  . حاول الشباب  ونجحوا  بكسره  بحجرة ... كان وضعنا يصعب وصفه , لكنه مضحك .. بعد ذلك اخبرنا  الدليل  بانه  يجب  ان يرجع قبل حلول الليل , واشّر بيده الى قرية بعيدة  لكنها  واضحة في اسفل الجبل  بعد ان وضعنا على طريق النزول .. ليس هناك  اشجار من  حولها  تحجب  عنا  الرؤية ولا تلال .. بدئنا بالنزول بعد ان ودعنا القروي  وشكرناه ,, اراد الرفيق ابو سلوان ان نعطيه مالا بدل الخدمة , رفضت  قائلا سوف لن يقبلها ويعتبرها اهانة له . فخدماتهم للبشمركة مجانية  ,,,,هكذا هم ..!  كان نزولنا  بنفس المبدأ لا نترك رفيق لوحده  , ومن يتاخر  ننتظره  , ونجتمع على اطراف القرية لندخلها  معا .. بلغنا القرية عند الغروب  استقبلنا اهلها ... قرية جميلة ونظيفة فيها كهرباء واهلها تبدو عليهم مظاهر النعمة  والغنى .. تم التوزيع باعداد اكثر من السابق  . كنت انا مع مجموعة كان فيها الرفيق مام احمد وعدد غير قليل من الرفاق  الاخرين . الضيافة  جيدة  جدا  من  حيث نوعية الطعام ومكان المنام  والناس اكثر وعيا  وثقافة .  استيقظنا على صباح جميل  كان  ليله  ماطرا,,  كان اليوم 11 تشرين اول 1988 ’’ . ما كان المطر غزير كما يبدو فقد تسرب الماء الى جوف الارض بسرعة . القرية مربوطة بشارع للسيارات غير معبد لكنه جيد وعريض . ولم يؤثر المطر كثيرا على ارض الشارع  فقد بدت  متماسكه وصلبة ,  لكن الطريق لا يخلو من طين ....هذا الشارع ياخذكم الى القرية المجاورة فهي غير بعيدة  قال مضيفينا .. ودعنا اهل القرية بعد ان تناولنا  فطورا جيدا .... سيروا مجاميع  صغيرة بمسافات لكي لا تلفتوا انتباه القرقول , وستلقون قرية هناك .. بعد وقت  غير طويل  وصلنا قرية على الشارع , جميلة هي الاخرى , بيوتها  اكثر فخامة وترتيب من السابقة  وباثات افضل .  الرجال فيها قليل , كان وصولنا في وقت العمل  . توزعنا , وقدم لنا طعام  ,, اكلنا ,, قيل سيرافقكم  دليل  حتى تصلوا قرية قادمة اخرى . بعد استراحة الطعام , تحركنا يتقدمنا الدليل  حتى بلغنا القرية الاخرى ساعة صلاة العصر , كان المصلون بالقرب من المسجد عندما  بلغنا القرية . تحدث معنا شاب  كان يتوضى ..  قائلا .. بعد الصلاة  وتناولكم  الطعام  سنتحرك ..كان قد اشتكى  بعض الرفاق قبلها من ان احذيتهم تمزقت وبدات تؤثر على ارجلهم  وتؤلمهم عند المسير , سالنا ان كان هناك دكان  نشتري منه  احذية . قيل نعم , ذهبنا اليه , اشترينا عدد من الاحذية للرفاق المحتاجين .  دفعت من دنانير الحزب التي كانت بحوزتي . قدم لنا طعام  ,, اكلنا ,, . قبل المغرب تحركنا  مع ادلاء كانوا هذه المرة مسلحين احدهم الشاب المصلي ..كنت امشي بجانبه في مقدمة المفرزة ونتحدث عن الظروف التي عشناها بالحصار وكيف  كسرناه  . كانت اسالته كثيرة .. وصلنا القرية الاخرى اول الليل . لم ندخلها .. قال .. انتظروا هنا  سنتحدث مع  اهلها  لكي يرافقوكم الى قرية اخرى  . بعد وقت قليل من وصولنا  جاء بعض من اهل القرية ومعهم طعام  .. اكلنا ,, كان الطعام لهذا اليوم كثير فقد اطلقنا عليه يوم الاكل العالمي .. بعد ساعة من الوقت جاء  رجلان مسلحان تحركنا  باتجاه القرية القادمة  نزولا عبر البساتين حيث الوحل والطين ..... يتبع