كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!30/ هاني ابو زياد

كانت ... قصة شهرين من حياتي ..!30/ هاني ابو زياد            

في حدود الساعة الثانية من صباح 13 تشرين  اول 1988 انطلقنا  مع الادلاء.. كانوا (يضحكون )علينا  واستغلوا  عدم معرفتنا للطريق  وما فيه  . فما ان ابتعدنا قليلا عن القرية .. حتى قالوا هذه  المناطق الخطرة  نسير  دون ان نحدث اصوات ..  واخذنا  .. مرة نسيرعلى طرق عريضة  للسيارات بعدها  ندخل بساتين  ثم نعود  .. مرة نسير بسرعة , تحدث انقطاعات بالمفرزة , واخرى نسير ببطء  وهكذا .  اغاضتني تصرفاتهم هذه كثيرا  وجعلتني ارفع  صوتي طالبا منهم السير بسرعة معقولة لكي لا تحدث انقطاعات  . انا متاكد انهم  بالغوا كثيرا بما  قالوه , من ان هناك  الكثير من معسكرات الجيش ومراكز  للقرقول .... في الصباح  قالوا  خرجنا الى المنطقة الامنة وانتهى الخطر  .. قلت سوبلس  .. (( خوا حفيظ ))  سوف لن اعطيكم ولا دينار لان كل ما فعلتوه معنا  كان  تمثيلية  .. اقسموا باغلظ الايمان ان ما قالوه  صحيح ولم  يكن تمثيلية .. دعاني الرفيق  ابو  سلوان اليه . وقال ...  ندفع  لهم , ربما  تاتي مفارز اخرى من رفاقنا وتحتاج الى مساعدهم  .. دفعت لهم 100 دينار مكرها .. واصلنا المسير .. كان هناك  الكثير من المهربين  ببغالهم  المحملة  بالمواد الغذائية  من سكر وشاي و( تنكات ) دهن . اضافة الى وجود  اكداس كثيرة  وبكميات كبيرة  من هذه المواد  انتشرت  بالمنطقة  .. على الخط الاحمر التقينا  بمسلح من بيشمركة حدكا ( الحزب الديمقراطي الكردستاني  ايران ) كانت نقطة  كمارك .. قال الرفيق ابو سلوان انا اعرف هذا الرجل فهو ياتي الى مقراتنا  في لولان ..سلمنا , وعرفنا عن انفسنا , رحب بنا , سالناه ان كانت هناك امكانية ان يساعدونا  بالوصول الى رفاقنا في   ( دولي كوكة ) اعتذر.. فليس لديهم العدد الكافي , كما ان رفاقنا تركوا هذا المكان  حسب علمه  وانتقلوا الى مكان اخر . اقترح علينا ان نذهب الى ( راجان .. هي لا تكتب بالكردية هكذا )  قال هناك رفاق  من قيادتكم في القرية ... و الطريق الى هناك ؟  قال .. الطريق سالك  ..جميع  هؤلاء القجقجية يذهبون الى هناك . سيروا معهم ستصلون  بعد الظهر الطريق ليس بعيد .. علم الجميع  بما قاله  هذا البيشمركة وانطلقنا باتجاه راجان . كنت امشي  بالمقدمة  مع احد القجقجية ( المهربين ) وخلفي الرفاق بمسافات  ,, وصلنا  الى  تل .. قال المهرب ..  انا سادور حول  التل  بالبغال , انتم  يمكنكم  الصعود , فهو لا ياخذ وقت طويل كما انه  غير حاد ولا  متعب و النزول  منه  سهل  للطرف الاخر والطريق يستمر   .  ربما نلتقي بعدها .  افترقنا انا والمهرب  , هو سلك طريق اليمين  وانا بدات اصعد  .. وانا في منتصف الطريق  سمعت الرفيق ابو فاتن يصيح  باعلى  صوته  مستنكرا صعودي وتركي المهرب , رافعا يداه الى الاعلى وعلى مسمع من الجميع  ((( هاي وين اتريد اتودينا ..... انت ؟  ))) شعرت وقتها بالحزن  والخيبة ,  وقلت له وانا  غاضب جدا (( هسة صرت وين انا موديكم  , انت من عشرين يوم تمشي خلفي مغمض العينين , ولم تعترض على شيء , ولم اسمع صوتك  , بعد ان وصلت الى بر الامان اسمعتنا اياه )) تركته  وواصلت الصعود .. سرنا باتجاه  الشمال  حتى  وصلنا الى المفرق الموصل الى راجان بحدود العصر ..  كان الطريق هو الحدود  ,, والذي  هو عبارة عن سلسلة جبلية  تستمر, لا اعرف الى اين  ؟,  تشرف من جهة الشرق على مسحات واسعة من الاراضي الزراعية وبساتين الفواكه والقرى المنتشرة .. يوازيها من بعيد  شارع  حركة المرور عليه قوية , يلاحظ  ذلك من خلال  كثافة السيارات . اما على اليسار من جهة الغرب فهناك  سلسلة اخرى بجوار هذه  وموازية  لها  , اكثر ارتفاعا  تحجب  الرؤية  .  قلت نحتاج الى رفيقين يدخلان القرية للتاكد من عدم وجود  بازدار (الحرس الثوري ) او جيش بالقرية  ,اخترت الرفيق عابد فهو رفيق كردي  وراجان  كردية , وانتظر ان اختار رفيق اخر . جاء الرفيق ابو الفوز مسرعا طالبا مني  ان يرافق عابد  ..  قلت .. لاباس اذهب معه .. نزل الرفيقان  الى القرية .  بعدهم  بوقت  نزلنا  .. كان  هناك  المرحوم  ابو حكمت .  وقتها كان في قيادة الحزب ,,  يقف  بجانبه  ابو الفوز..  يعرفه  بالرفاق  وهم يسلمون عليه..  دخلنا غرفة  في بيت . قالوا سناتيكم  بالشاي  ..في هذه الاثناء  دخل  ابو سامان  مبتسما  ليسلم على الرفاق . استغربت وجوده هنا . ماذا يفعل هذا  ؟ حتى اني  للحظة تصورت اننا سنقيم هنا  .. بعدها اتضح انه هنا  لخدمة  ابو حكمت . قلت لا غرابة  في ذلك !!!!.. بعد الشاي نقلتنا سيارة  انا ومجموعة من الرفاق  الى زيوة ( الايرانية ).. كانت القرية مكتظة  بالناس .. الاف من القروين العراقين  يسكنون في خيم   افتقرت  الى ابسط الخدمات  .. هناك التقينا  برفاقنا كان عددهم كبير ومن مختلف  القواطع و قد اسكنوهم الخيام  . هرع الجميع  لاستقبالنا  ويسلمون علينا مهنئين بسلامة الوصول ,, كان هذا مساء يوم 13 تشرين اول 1988  .. توزع الرفاق على الخيم . كنت انا والرفيق  ابوسمرة ضيوف في خيمة الرفاق ام بدر وابو بدر.. بتنا ليلتنا  هناك  .. في صباح اليوم التالي , يوم 14 تشرين اول 1988  . خير الرفاق بين البقاء هنا في ايران او الذهاب الى المقرات في نوزنك .. اختار البعض البقاء  .. كنت انا واحد منهم .. وغادرنا القسم الاخر من الرفاق .. تقريبا كان ,, النصف ’’ الى المقرات .. هناك  كافأ  الحزب  البعض  وارسلهم الى  عواصم الثلوج  لجهودهم  الجبارة  وادوارهم  العظيمة  , وبقينا نحن في الثلوج ايضا  ولكن في زيوة حتى انهارت الخيام علينا لكثرة الثلوج فيها ,...من هذا اليوم بدات  مرحلة جديدة  من الحياة  وكانت ... قصة سنتين من حياتي... جمعنا الدولارات ,, سلمت الى الرفيق ابو سلوان , وكذلك الدنانير والتي صرفنا بعضها  للادلاء  وشراء  احذية الى الرفاق .. بعدها انتهت مهمتي بشكل رسمي ... هنا الكثير من القادة والمسؤولين .. بات معنا  الرفيق ابو سلوان  ليلة واحدة  ثم اختفى ولم التقي به ابدا  .. وبهذا نكون قد طوينا صفحة من صفحات التاريخ  كانت زاهية .. نفخر بها دائما ! . في نفس اليوم باركوا  لنا قبولنا  كلاجئين  في الجمهورية الايرانية الاسلامية  , واستمرت حياة  اللجوء  ترافقنا لفترات  طويلة  حتى اصبحت مواطن في بلد اخر غير بلدي الذي ولدت  فيه وعشت , وضحيت من اجله  بشبابي  ومستقبلي  وامسيت وانا لا مكان لي فيه ...ولازلت الحياة  مستمرة ..............انتهى...

 ......14 تشرين اول  2018