الأيام الاخيرة في گلي هسّبّه ( وادي الخيول) ح ٥ / قاسم حسين

الأيام الاخيرة في گلي هسّبّه (وادي الخيول) ٥/ قاسم حسين

گلي خانوكي١

لم ننم ليلتنا هذه كما ينبغي،وكما كنّا نُمَنْيّ أنفسنا حيث ان برد القمة الجبلية هذه الليلة لم تكن رحيمةٌ بنا، والطبيعة هنا لم توفر لنا إمكانية للدفءِ سوى أعشابٍ وأغصان يابسة، فالهاربين من عنف الديكتاتوريةِ ، أقاموا بهذا المكان ولم يبقوا على شي، من الحطب، وللعثور على أغصانٍ يابسة ،تَطَلّبَ جهداً للبحث وان وجِدْ لايكفي سوى لعملِ ابريقاً من الشاي. لذا التجأ البعض منا للبحث عن احتياطِ الملابسِ الموجودةِ في الحقائبِ الظهرية، أو بحثاً عن ما تيسر من أغطية البغال(جِلألْ) من اجل الاحتماء  بها من لسعاتْ الريح الباردة، والمحاولة لإيجاد فرصة لإغفائةٍ ، عَلَهُمْ ينعموا بساعةِ نومٍ لراحة الجسد المتعب ولإعادة التوازن اليه . البعض اختار قدحْ الشاي وسيكارة، مشاركاً في الحديث مع الرفاق المُتَحَلْقين حول موقدِ النار. ننتظر بقلق وصول المجموعة الاخيرة من مفرزتنا التي اشتبكت مع قوات الجحوش والجيش في معركة گلي قُمريُ، حيث مكان تجمعنا هذا في سفح السلسلة الاخيرة للقمم الجبلية على الحدود العراقية التركية . الساعة قاربت الثانية صباحاً عند وصول المتبقي من الرفاق الى مكان تجمعنا في قمة گلي خانوكي ،وأشاع خبر وصولهم سالمين من دون خسائر، الراحة والإطمئنان في النفوس بعد يوم المعركة امس .الأعياء مصحوباً بالقلق أخَذَ مآخذه من الجميع والسؤال الذي يدور بالذهن ماهيَ الخطوة التالية بعد وصولنا الى الگلي ، هل سيكون هذا المكان هو المقر البديل الذي فكرت فيه قيادة المحلية أم ان هناك مكان آخر غير هذا؟

جموع القرويين الذين غادروا هذا المكان قبل مجيئنا هيأوأ كبراتٍ(غرف صيفية من أغصانِ الشَجَرِ وأوراقه) انتشرت على طول الوادي للمكوث فيها لايامٍ قبل ان يتخذوا قرار دخولهم الى الأراضي التركية كلاجئين. رفاقنا اتخذوا من هذه الكبرات مضاجع للنوم . قيادة المحلية اتخذت احدى هذه الكبرات مكاناً لها لإدارة شؤون الرفاق. وقد حرصوا ان يكون موقعها في منتصف المسافة بين قمة الوادي وقعره حيث يقع الشارع الحدودي التركي. حراستنا منتشرة في قمة الوادي على مفارق الطرق المتوقع قدوم العدو منها . توقعات بان القوات العراقية وجحوش السلطة سيقومون بالتقدم نحو هذا المكان من غرب الوادي وجنوبه وملاحقتهم لنا أمر لا شك فيه وماهي الا مسألة وقت. الى شمال الوادي يقع الشارع الحدودي  حيث تنتشر قوات الجندرمة التركية متأهبة . نحن الان بين سندان القوات التركية المتربصة ، ومطرقةالقوات العسكرية وجحوش النظام العراقي.

الشمس نشرت أشعتها من خلف القمة الجبلية في الجانب الشرقي من الوادي، هاهيَّ تنسج خيوطّ من الدف في اجسادنا بعد ليلةِ برد قاسية.النشاط دَبَّ مجدداً حيث خرج الرفاق من مكامنهم المنتشرةِ على طول الوادي ،باحثين عن رفاقهم  لإطمئنان عليهم والتقصي عن آخر التطورات الطارئة على وضعنا بعد انسحاب جماهير المنطقة وبيشمركة الأحزاب الاخرى.

التقيناالرفيق ابو هدى وانا المسؤول السياسي لمفرزتنا (بتشكيلتها الجديدة التي شكلت قبل اشهر من انسحابنا) الرفيق أ. ميسون وسألناه عن مسؤول مفرزتنا العسكري أ. دنيا وبقية رفاق المفرزة فاجابنا بان المسؤول العسكري غادر وعائلته مع بقية العوائل وأعداد من البيشمركة الى الأراضي التركية. أتضح لنا فيما بعد ان المتبقي في الوادي هم فقط من رفاقنا واذكر منهم الرفاق ابو رعد، ابو أروى،أبو تحسين وأبو تغريد( فوج) ورفاق كثيرين آخرين ( استميحهم العذر لعدم ذكر أسماؤهم). حيث كانوا شهودا عيان على الكيفية التي تَرَكَتْ جموع البشمركة الگلي، قاصدةً القرى التركية الحدودية (  آشوت، آروش،آلَهَ مُون ، شيفي ريزان و گيريموس ) وكيف تَرَكوا أسلحتهم، أكوامُ حَديدٍ مرميةً على الأرضِ بعد ان كانت ادوأتٍ للدفاع عن النفس ورمزاً من رموز الكفاح من اجل حقوق إنسانية لشعبٍ مُضْطَهَدْ.  

التقينا ببقية رفاقنا في مفرزة الطريق(ابوخولة، ابو فهد، ابو عليوي، علاء الصغير، جلال، حازم إيطاليا،والدليلين رمضان، وسليمان).كل رفيق من رفاق المفرزة يحمل اضافة لحمولته، رزمة بريد( مُهْمْ) والذي من المفترض ان ينقل الى سوريا (بريد المكتب السياسي)،هذا البريد سُلِمَ لنا  قبل ايّام من الانسحاب،  وظل بعهدة رفاق المفرزة طيلة الفترة، البريد هذا شكل عبئاً على الرفاق. حيث اصبح سؤالا يكرره رفاق المفرزة كلما جرى حديثاً عن حمولاتنا ،لماذا نحمل هذه الرزم البريدية؟ ،لماذا لانتخلص منها؟ فهي ثقيلة ( عَلَقَ الرفيق ابو فهد على ذلك  مرة شنو مخلّيّن بالبريد مال المكتب السياسي چنَهّ حاطين بيّه حَجَر)، عندما بادرنا بالسؤال الرفيق أ. عادل عن ثقل رزم البريد على رفاق المفرزة، كان جوابه ( رفاق هذا بريد المكتب السياسي لازم نحافظ عليه).

 التقينا المفرزة على وجبة الفطور البسيطة المكونه من خبز وشاي ومعلبات جبن كرافت. جرى حوار حول الحركة وما يمكن ان نقوم به ارتباطاً بتعقيدات الوضع، واتفقنا ان ننتظر الإجراءات التي ستتخذ من قبل رفاق المحلية.

أُخْبِرنا بعد ذلك بضرورة الانتشار خوفاً من ان تقوم السلطة بقصفِ المكان بعد تصدينا لهم في معركةِ يوم أمس، ولاشك بانهم سيحاولون الإغارة اليوم او غداً، فانهم على علم بمكان تواجدنا. توزع الرفاق الموجودين في الگلي( الوادي) الى مجموعات صغيرة  وانتشرت في كل الاتجاهات والجميع على أتم الاستعداد للمواجهة والقتال. 

مرت ساعات هذا النهار والوضع هادئ  في ارجاء الوادي الا من تحرك محدود لعدد من الرفاق في أماكن انتشارهم .انقضى نهارنا بين الصخور وتحت ظلال الأشجار حيث اتيحت لنا فرصة لراحة اجسادنا المتعبة وبعضٍ من ساعات النوم برغم القلق والخوف العالق في الأذهان .

 قيادة المحلية طلبت الرفاق( عايد، ابو أنيس، أحمد بامرني،ابو عراق، ابو شذى ورفاق آخرين) للقاء بهم،  ولم يمضي وقتاً طويلاً حتى خرجوا دون ان يقولوا (يُلبرلوا) شيئا عن طبيعة مهمتهم. بدأت استعداداتهم للحركة نحو مكانٍ حُدِدَ لهم. فأستبشرنا خيراً، وبدأت الأخماس تضرب بالاسداس ،  والتوقعات تتابع ، ربما لرفاقنا خطة طوارئ لانعلم بتفاصيلها. تحركت هذه المجموعة بحدود  الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم.

كُتِبَ الكثير في الوثأئق الحزبية عن دور رفيقاتنا النصيرات في حركتنا الأنصارية وكَتَبَ العديدُ من الرفاقِ عن مأثرهِنَ وتضحياتهن وابراز مُساهماتهن التي لم تقتصر، في حدود بناء القواعد الأنصارية والعمل العسكري الأنصاري منذ عام ١٩٨٠ ، وإنما تعدى ذلك بالمساهمة في اعادة بناء بعض التنظيمات الحزبية وقيامهن بمهمات على مستوى عالٍ من السرية. وكُنَّ مثالا في التضحية والصمود بوجهة النظام الديكتاتوري. اثناء الانسحاب تعاملن النصيرات مع مجمل الوضع العسكري الصعب برباطةِ جأشٍ ومسؤولية عالية،وكن عاملاً لشَدِ عزيمة الرفاق في الوقت الذي خارت قوى البعض وهفتت عزيمتهم،كن مبادرات في العمل طيلة ايّام الانسحاب حتى وصولنا گلي خانوكي. بالرغم من كل هذا التأريخ النضالي الحافل و عملهن البطولي اثناء الانسحاب، فوجئنَ بقرارٍلإخراجهن من گلي خانوكي، بدون مناقشة وسماع آرائِهن قبل اتخاذهم للقرار، الذي وَلَدَ لديهن شعورٍ بعدم الاحترام لخصوصياتهن وتأريخهن النضالي لاسيما وان ارتباطهم بالحزب  سبق ارتباطهم بأزواجهم.

فبعد مغادرة مجموعة الرفاق( ابو أنيس وعايد والآخرين ) الموقع، طلب رفاق المحلية اللقاء بنا( ابو هدى، وانا باعتبارنا ازواج الرفيقتين انوار وآفاق) ، لنُبَلَغْ بقرار اخراج كل الرفيقات من الوادي والعمل على ايصالهن الى القرى التركية لان الوضع الأمني  يتطلب ان نقلل من عدد الرفاق، وتكوين مفارز صغيرة، سريعة التنقل،  خصوصاً وأننا لانعرف مايؤول اليه الوضع العسكري.كان هذا هو مضمون القرار المُتَخَذْ من قبل(الحزب) الذي لم يكن لنا( على الأقل أنا) أي تعليق عليه سوى انني كنت أتوقع باننا ربما سنشكلُ مفرزة صغيرة للتوجه الى سوريا وان هذه المفرزة ستعبر الحدود بمثل هذه الظرف ولاشك ان هناك مخاطر جدية في حركتنا،وأنه من المفضل ان تكون شريكة حياتي(آفاق) بعيدة عن تلك الصعوبات والمخاطر، بذلك نضمن بنجاة واحدٍ منا ونجاة الآخر يعتمد على الظروف، هكذا كنت اعتقد، وهذا الاعتقاد  كان ومازال مثار جدل بين آفاق وبيني.

 كان لهذا القرار وقع الصاعقة علينا، فلم يكن متوقعا ان نقع بين اختياريين احلاهما مر، وولد القرار شعورا لدى الرفيقات بتبعيتهن الى ازواجهن حتى في اتخاذ قرارات مصيرية بهن دون العودة إليهن في مناقشة القرار، وان (الحزب) بهذا التصرف انكر على الرفيقات استقلالية تفكيرهن والتعامل معهن. وان المسؤولين عن القرار ،اختاروا طريقة التبليغ هذه لتخفيف من عبء مسؤلياتهم وتَحْميّلها للآخرين.

كن خمس رفيقات ، اثنتان وصلتا الليلة الماضية الى گلي خانوكي،أنوار وآفاق، وثلاثة أُخريات( دروگ، آمال و د. مريم) إنْسَحَبْنَ مع الرفاق المرضى والعوائل قبل عدة أيام من گلي هسْپَه . كان موعد مغادرتهن الوادي هو مساء هذا اليوم عند حلول الظلام. دليل هذه المفرزة ( مفرزة الرفيقات المغادرة) الرفيق خيري وأحَدْ المهربين. هدف المفرزة هو الوصول الى إحدى القرى التركية الحدودية القريية( آلَهَ مُون ، شيفي ريزان و گيريموس ) والالتحاق ببقية عوائل رفاقنا التي عبرت الى  هذه القرى التركية.

 بعد جولة من المناقشات بيننا مع الرفيقتين انوار وآفاق امتازت بطابعها الدرامي الحزين، عيون مغرورقة بالدموع، تبكي  وداع الحبيب وربما فقدانه، اعصاب مشدوده تريد إيقاف الزمن لكي تطيل لحظات الفراق.  اقتنعتا الرفيقتين بفكرة مغادرة المكان على أمل ان اللقاء القريب . قبل مغادره الرفيقات لابد من توفير ملابس نسائية كردية، فتدبرنا الأمر بالبحث في أكوام الملابس التي تركها القرويين قبل مغادرتهم الوادي. فارتدنها فوق ملابسهن ليبعدوا عنهن شبهة كونهن نصيرات مقاتلات. غادرن گلي خانوكي عند حلول الظلام والعيون ملؤها الدموع.

يتبع

١ گلي كوماته وادي يتوسطه روبار (نهير) يمثل الحدود الفاصلة  بين الأراضي العراقية والأراضي التركية ويمتد هذا النهير الحدودي من غرب قرية يكمالة العراقية (و قرية يكمالة التركية التي تقابلها في الضفة الثانية) ويستمر الى مفرق وادي قرية هدريش التركية ووادي كوماته وصولاً الى مصبه في نهر الخابور حيث يصبح نهر الخابور هو الفاصل الحدودي بين الأراضي العراقية والأراضي التركية لمسافة قصيرة لحين دخوله ضمن الاراضي العراقية شمال ناحية بيكوفا. في گلي كوماته انشأت اول قاعدة أنصارية للحزب الشيوعي العراقي في أواسط شهر تشرين أول ( اكتوبر) عام ١٩٧٩.