شعلان ذلك النصير المقدام / صباح كنجي

شعلان ذلك النصير المقدام / صباح كنجي                                  

قرية بيبان في قلب سهل نينوى.. رغم خطورة موقعها حيث يخترقها الشارع العام.. كانت من اوائل القرى التي شهدت تحركات مجاميع الانصار الاولى حيث وصلتها اول مفرزة انصارية شيوعية عام 1980 والتحق منها كوكبة من الشباب والشيوعيين ليشكلوا نسبة لا يستهان بها من تشكيلات الانصار الاولى .. كان من بينهم النصير الهادئ الطبع والشجاع شعلان ـ محمود رشو البيباني ..

ذلك الفتى الاسمر النحيف الذي كان لا يجادل ويميل للبسمة للتعبير عن موقفه .. وهو من الانصار القليلين الذي تم اختيارهم لمهمات خاصة وخطرة بحكم امانته وجرأته وكتمه للاسرار وعدم البوح بالمعلومة ..

اخترته ليكون معي في مهمة خاصة مع النصير شفان.. كان الهدف منها الوصول الى مدينة الموصل في آب 1985 كانت الخطة .. خطة التحرك.. تبدأ بالتنسيق مع صديق بدوي.. من العرب المتواجدين في اطراف مدينة الموصل .. والوضع يتطلب ان نتواجد بينهم كظيوف بدشداشات عربية.. بعد ان تخلينا عن مخازن سلاحنا والقنابل اليدوية وزمزميات الماء.. واكتفينا بمخزنين منها فقط .. كي لا نبدو كغرباء بينهم في وضح النهار .. حيث يزورهم الاقرباء ويمارسون حياتهم الطبيعية باعتبارنا ضيوفاً لـ اسْعيْدْ ذلك البدوي الذي تعهد بمساعدتنا.. بعد ان التقينا به عدة مرات بشكل سري في مناطق الانصار.. وهو من فصل لنا طريقة التحرك.. واشرف على ترتيب الدشداشات التي ارتديناها فوق ملابسنا الانصارية ..

كان الاخطر في هذه المهمة ان نتحرك نحن الانصار الثلاثة مع سعيد وسائق جرار هو الآخر بدوي يثق به سعيد في عدة قرى في اطراف نينوى وضح النهار .. وعند الغروب تفارقنا و قلنا لهم عودوا وسنلتقي بكم بعد أيام .. كانت المهمة ان نتجول في عدة قرى ومدن في سهل نينوى لترتيب صلات مع اصدقائنا وركائزنا ..

في اول تجربة للدخول الى بيت اول شيوعي اخترته كي يصبح ركيزة لنا ليمدنا بالمعلومات ومستلزمات البقاء من طعام وشراب .. حينما قفزت متجاوزاً الجدار نحو فناء الدار.. كي لا يلاحظني الجيران عند طرق الباب والانتظار ..

توجهت لمدخل الدهليز الذي كان قد تجمع فيه افراد العائلة اتقاء لحرارة الصيف .. واضطررت لطرق الباب طرقاً خفيفاً .. كانت المفاجأة حينما وصلت الكنة للباب وشاهدت في مواجهتها مسلحاً بلجلباب بدوي.. فانهارت من الخوف .. سقطت مغشية عليها ومضت بقية السويعات والدقائق بعدها في التفكير بايقاضها ومساعدتها على تجاوز الخوف.. ولم يكن من نصيبنا فيها الا عشاء سريع ومطارة ماء بلاستيكية اخذناها معنا بعد ان قررنا الالتجاء لوكر مؤقت في كهف جبلي ..

في اليوم التالي اقترح شفان صديقاً مشتركاً بيننا لنزوره ونفاتحه .. كان بيته في حي جديد على الشارع العام.. وحال دخولنا الدار تفاجأ بالموقف.. ولم يستطيع الجلوس من الخوف.. وهربت زوجته صاعدة سلالم السطح مما دفعنا لمغادرة الدار فوراً دون  طعام وشراب .. ولم يكن امامنا الا ان نقتحم دار ثالثة من معارفنا في اطراف احدى المدن الصغيرة في سهل نينوى .. كانت المصيبة بعد ان قفزت من خلف الجدار.. حيث وجدت رب الأسرة ممدداً.. وهاله الموقف ..اخذ يصرخ ويهدد خوفاً من اجراءات السلطة.. طالباً مني مغادرة داره فوراً.. فتح الباب ومضى واقفاً بعيدا يصرخ ويأمرنا بالابتعاد  وكان بالقرب منه راعي وقطيع اغنام ..

طلبت منه تخفيض صوته والعدول عن التهديد .. وطلبت من زوجته ان تسكته لحين تناولنا وجبة طعام وقدحاً من الماء البارد .. وفي حينها هبت كنته لوضع دجاجة على النار .. لكن صاحبنا لم يصبر ولم يمنحنا المزيد من الدقائق .. فاضطررنا لتركهم بعد ان اصطحبنا معنا القليل من الخبز ومطارة ماء والدجاجة شبه المطبوخة لنعود من جديد الى ذلك الوكر في الكهف الجبلي ..

كانت حرارة آب ومظاهر الخوف المرافقة لاجواء الحرب وقسوة السلطة قد تجمعت ضدنا في تلك الساعات.. ورغم صمودنا وتحملنا للجوع والعطش.. حيث تحول الماء في المطارة البلاستيكية الى جرعات ساخنة قاتلة مع قطع اللحم الاقرب الى الني من المطبوخ .. مما تسبب لشعلان الذي كان يعاني من مشاكل القرحة المعدية من نزف حاد .. بدأ يتقيأ دماً مع ساعات العصر .. و جعلنا نترقب وضعاً جديداً غير مطمئناً عليه .. كان كل ما يشغلنا ان يحل الظلام .. لنقرر التحرك والعودة لانقاذه من مخاطر تطور وضعه الصحي اولا.. والعودة السالمة للمجموعة.. بعد أن اتضح لنا صعوبة التحرك المباشر بين الناس في هذه المناطق المتداخلة مع الموصل..

اتذكر هذا .. اتذكر تلك الايام .. اتذكر شعلان ذلك النصير الشجاع الذي غادرنا قبل أيام .. اتذكر شفان الذي فقدت عائلته في الانفال .. اتذكر تلك الاجواء القاسية.. التي كان الموت مزروعاً فيها في كل خطوة .. مع ذلك .. ورغم فقداننا للكثير من الاعزاء في تلك الايام الصعبة.. هناك احياء بيننا ما زالوا يفاجؤنا بالمزيد من التفاصيل عن ذلك الزمن المر ..

قبل اسبوع اتصل بي الصديق عمر من شاريا.. الذي فقد عائلته الكبيرة هو الآخر في الانفال .. وهو مقيم في المانيا الآن ..قائلاً: ..

 ـ وصلت المانيا قبل سنتين .. وحصلت على اللجوء.. لكن ابنتي التي سجلتها باسم عائلة في الانفال حماية لها وخوفاً من اجراءات النظام في حينها.. وصلت هي الاخرى الينا قبل اسبوع و لا ندري.. هل نتركها تقدم نفسها بذلك الاسم والكنية المستعارة؟.. ام ندعها تقول الحقيقة وتكشف عن صلتها الابوبة بي .. 

اعادني موتك يا شعلان الى تلك الايام الصعبة القاسية قبل الانفال .. واعادني عمر بحديثه عن بنته الى مرحلة الانفال وما بعدها وملابساتها .. عدت لتلك الأجواء .. كان الزمن بين آب وايلول حينما اقدمت جحافل النظام الدكتاتوري البعثي..  بدعم ومشاركة من تشكيلات الجحوش.. على سلسلة جرائمها البشعة في مراحل الانفال الستة.. قبل وبعد توقف الحرب العراقية الايرانية في الثامن من آب 1988..

هاهي الذكرى الثلاثون للجريمة تعود ونحن ما زلنا نعيش في اجواء الانفال.. وجرائم البعث التي ورثتنا كل هذه الاحزان .. و يزيد من همومنا وآلامنا تواصل القمع .. قمع السلطة للمتظاهرين من الجوعى والعطاشى.. وما خلفه الدواعش المجرمون من خراب ودمار وجور في غالبية المدن.. التي استباحوها بالتواطئ مع مافيات ولصوص السلطة وحرامية كردستان من البعثيين الجدد الذين ما زالوا يعبثون بحياتنا ويغامرون بمستقبلنا..

وجعلوا للانفال امتدادات في سنجار وسهل نينوى ..

قتلة ... مجرمون .. احزاب فاسدة ظالمة.. واعتداءات على المتظاهرين ..  ومجوعات مافيات لصوص  مختصة بالسرقات .. لن تنتج الا المزيد من الانفال.. مرة ثانية اقول الانفال مستمرة ..

ــــــــــــــــــ

صباح كنجي

14\11\2018

ـ مقتطف من حكايا الانصار والجبل