صور/ للمربي الراحل علي محمد الشبيبي

صور/ للمربي الراحل علي محمد الشبيبي                         

1913-1997

مقدمة لابد منها

سبق ونشرت لوالدي علي الشبيبي -طيب الله ثراه- مجموعتين قصصيتين (السر الرهيب) و (هذا من فضل ربي). ومن اليوم سأسعى لنشر مجموعة الوالد القصصية الثالثة بعنوان (وادي الأحلام) وهي 17 قصة وحكاية، كتبها -كما أعتقد- ما بين عام 1930-1938، وهي من بدايات محاولات الوالد في الكتابة القصصية. إن أفضل ما أقدمه لذكرى والدي هو العمل على نشر تراثه. هذه الأمنية التي كانت تراوده طيلة حياته لكن الظروف السياسية القاسية وانعكاسها على وضعه العام -من فصل، وملاحقات واعتقال، وسجون، وتبعات أخرى- كانت حائلا جديا لعدم تمكنه من طباعة ونشر مخطوطاته، مع العلم أنه نشر الكثير -الممكن- منها في بعض الصحف العراقية والعربية.

وعن مجموعته هذه -وادي الأحلام- كتب والدي التعليق أدناه، وقد نشرته خطأ في مقدمة المجموعة السابقة (هذا من فضل ربي)، لذلك أعتذر عن هذا الخطأ. ومع هذا أجد أن التعليق صالحا لكل مجموعاته القصصية والأدبية الأخرى.  لذلك وجدت من الضروري نشر تعليقه لأنه يعطي صورة متكاملة عن محاولات الوالد في كتاباته وتطور اسلوبه وتفكيره، وهو يكتب عن كل ذلك بتواضع وصدق. فكتب الوالد بتاريخ 17/10/1966 في إحدى مخطوطاته الملاحظة التالية عن قصصه:

((هذه مواضيع كتبتها في أول شبوبي (بين اعوام 1930-1938 كما استنتج من ملاحظات الوالد وبعض التواريخ/ الناشر)، وفي ظروف ما كنت فيها ذا نهج معين. فأنا أتلقف ثقافتي من مصادر مختلفة. أبي وأصحابه من جهة، وأساتذتي الذين أدرس بحضرتهم، الفقه وأصوله، العربية وآدابها[1]. ومن جهة ثانية أندية النجف ومجالسها وما تتضارب فيها من اتجاهات مختلفة وأراء متباينة. هذا الى جانب ما فيّ من نوازع الشباب ونفوره، ومطامحه وغروره، وجهلي الناجم عن ضغطه عليّ وتقييده لحريتي، وحجزه لأفكاري ورغباتي.

كل هذه الفوضى، وانعدام التوجيه المنظم، خلقت بي عقدا، وسببت لي إنطوائية، طغت على كل مشاعري، وأحالتني الى كشكول درويش. فأنا جبراني الاسلوب -تقريبا- في كتاباتي، والكآبة التي تغمرني والغموض الذي يكتنفني. وأنا فكه أحب النكتة اللاذعة للفراغ الذي يملأ حياتي من جهة، والكتب التي ترهق نفسي من جهة ثانية وأنا مثالي صارم مع نفسي وأصدقائي في كثير من الامور بسبب المحيط الذي يحصرني بين ابي والمجالس النجفية التي لا تخرج الى ابعد من اجترار الأدب الموروث، والجدل -البيزنطي- السقيم. وأنا متمرد! ولكن تمرد مكتوف اليدين، موثوق الساقين، مكموم الفم.

عن مثل هذه الحياة التي حييتها، انعكست هذه المواضيع فلا تستغرب قارئي الكريم، إذا ما وجدت فيها تناقضات أو أخيلة، أو ترهات!

وحسبي ان استقامت أفكاري بعد حقبة من السنين[2] ... إلا أني حباً بذكريات شبابي، واعترافا بأخطائي، أحتفظ بهذه المواضيع، ليس اعجابا بها ولا إيمانا بصحتها، إنما هي بالنسبة لي كالأبناء للوالد، يكون فيهم الأبله، والذكي، والقبيح والجميل، والجاهل والفهيم، ولكنه يحبهم جميعا، حبا تختلف درجته وحنواً تتفاوت نوعيته.

فليكن لي العذر من أي جيل كان وأي زمن! كربلاء/ علي محمد الشبيبي))

 

الناشر

محمد علي الشبيبي

السويد/العباسية الشرقية

25/01/2019

 

صور*

نقحت وفيها استفسار ‏25‏/09‏/2014 ، نقحت 08/12/2018 صالحة للنشر، ثبت كلمة (الغواني)

 

لابد أن أوافيك بما يشغل فراغ يومك. سواء لدي أوجدت بها تلك اللذة التي تبحث عنها في الأسفار العلمية والأدبية أو لم تجد. ومادمتُ أنقل صوراً من أوضاع في سيرهم ونزههم، في حديثهم ونظراتهم، فاني أرى هذا لو استطعت تحليله أقرب إلى النظرات الفلسفية من المعرفة.

وأنا يا صديقي كلما شعرت بألم، أخذت القلم وحررت إليك رسالة. فإذا ما نفثت ما امتلأ منه رأسي، وضاق عنه صدري، كلمات على هذه الوريقات، يهدأ قلبي وينعم، ويطمئن إلى الراحة. وأظل نشوان كأني إلى جنبك،  أحدثك عندما أفكر بوصول الرسائل فتطالعها.

عصر كل يوم بعد الهبوب من القيلولة، أهرع كالناس للتمشي. أقصد الأمكنة التي يجد بها الناس راحة كما يزعمون. ولكني لا أركب إلا رجليّ فقط. فلا أرفع أول قدم من باب المحل الذي أقطنه إلا وتركت للبصر مداه، بالتقاط الصور التي تعرض له في الشارع. أولئك ناس يمشون بأقدام ثابتة، ووجوههم طافحة بالبشر والمرح. ونظراتهم بالدعة والاطمئنان. تلتهم أقدامهم مسافة الشارع كأنما هم يداعبون السعادة.

ناس آخرون يضارعون أولاء بسرعة السير، لكن عيونهم ترمي الشرر بنظراتها، ترتسم على وجوههم أمارات الشرر، وتنبعث من أنفاسهم سموم الغدر، يشبهون الناس بأشكالهم ويختلفون في نياتهم. لو علم بهم من أضمروا لهم السوء لأقتصوا منهم قبل الجناية.

آخرون يمشون بأقدام متراخية، وحركات فاترة، نظراتهم هادئة ساكنة، وملامحهم تنم عن الأسف والكدر، وتنبأ عن اليأس والقنوط، كأنما أرواحهم لا صلة لها بأجسادهم، إلا بمقدار يدفع أقدامهم للمسير، وشفاههم لهمس هادئ. لذلك هم –كما يبدو- لا يحسون كل صوت إلا بعد إلحاح. ولا يحيدون عن طريق ضويقوا به إلا قريب اصطدام.

وترى فتيات يهمسن بالحديث همساً. وينقلن الأقدام متثاقلات، لم يستخدمن العيون أثناء الحديث الخفي، إلا ليبصرن الطريق، ويهتدين إلى السبيل. وقد تزعجهن مشية شباب ما خرجوا إلا لتمثيل الرذيلة، والحرب على الفضيلة. يقطعون الشوارع كي ينشروا شباكهم لإيقاع العنيد فيها. يتمايلون بقدود ممشوقة، وشعور براقة. يديرون الحاظهم حواليهم بأسرع من دورة المروحة الكهربائية، علّهم يرون صيدهم فيرمون إليه شباكهم.

وتعجبك همة شيخ عجوز. يقصد النزهة للترويح عن نفسه، وتسليتها عما أثقل كاهله به الحِقَبُ. وجرّ عليها الزمن من عذاب وشقاء. أو متذكراً ما منحته الحياة من سعادة وهناء. يسير عليها متوكئاً على عصاه. ترتجف شفتاه، ويرتعش رأسه عجباً، كيف خطف الزمن ما وهبته الحياة من شباب ناضر، وسلبته المتاعب من قوة الساعد.

الناس تروح وتغدو على جانبي الطريق في زحام شديد، وحركة مستمرة، وضجيج دائب. بينما ترى العجلات لا ينقطع مرورها تحمل أوانس وشباناً، أو رجالاً، علم الله بمَ تخفق قلوبهم، وتشتغل أفكارهم. ولفت نظري منظر الباعة السيارة، إذ يسيرون بقلوب واجفة من كثرة الصياح للإعلان عن بضاعتهم، وطول المشي على أرجلهم. ولا أريد أن أرثيهم، فقد تكون حالهم تساعد على أداء الضريبة المفروضة عليهم، والتي فروا منها. لا أدري إلا أن ضعة البضاعة التي يلتمسون الربح من ورائها، وكثرة أمثالهم وما يدعوهم للتنازع، من تخفيض الأسعار، ليكسبوا رغبة المشتري، على الأخص أبناء اليهود الصغار[1] الذين لن يدعوا المار يفلت من أيديهم بكل وسيلة مغرية، ما لم يحوزوا رضاه فيأخذوا دراهمه، لقاء حاجاتهم العتيقة.

وينتهي بي السير بعد المرور على الشارع العام. وهو أحد المعارض التي تجلس أو تمر منها الأوانس، والغواني[2]. فيستعرضهن الشباب الوقح، دون مراعاة للآداب والأخلاق! فأستقر في مقهى هناك، اعتاد جماعتي الجلوس فيه. فإذا ما جلست هناك وحدي، قبل أن يأتي إليه أحد رفاقي، اتكأت على ساعدي واستسلمت إلى أحلامي، بين ضجيج الحاكي، وأصوات الجلاس، وطقطقة اللاعبين بالنرد، فلا تصل تلك الضوضاء إلى أذني مفهومة لتصادم بعضها ببعض فتكون حاجباً لأذني منها فلا تشوش ما تشتغل به نفسي، فيتساوى لدي الضجيج والسكون.

وحتم عليّ الآن أن أذكر القرية[3]، وأنا أحاول نسيانها. بتبدل تلك المناظر الجافة، بهذه المناظر، بما فيها من رائق نزيه، أو مبذول دنس. فقد جلس جنبي فتى جميل الطلعة، حلو العينين، رشيق القوام، عذب المنطق، غير أن فيه نفوراً وشموخاً، يظهران أحياناً في عينيه وفي خطوط ترتسم على جبهته!

نظرته مرة، ورددت تحيته، وعدت إلى وضعي. إذا به يصرخ صرخة الجبار على عبده، ينادي ساقي الماء؟ كلب... جلف...! إلى ما هناك من ألفاظ الشتائم!

تأثرت لذلك المسكين، انه من القرى التابعة للعاصمة. وأنا أدريه شاطراً، خفيف الحركة، سريع الامتثال، لا يتعذر جواباً واستجابة، ولا يرد سؤالاً، وأن خرج من دائرة مسؤوليته، مجاراة للأخلاق وراحة الجلاس، وقد أبتلع الإهانة ولزم الصمت.

فرحت ألعن المدينة الغاشمة، إن كان مثل هذه الصور تعتبر –مدنية-! 

للمربي الراحل علي محمد الشبيبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- نشرت في جريدة الهاتف عدد 93 صفحة 7 عتم 1937.

1- في تلك الأعوام كان اليهود هم المسيطرون على التجارة.

2- الغواني: يعتقد البعض أن الغواني هي رديف للمومسات، وهذا خطأ شائع. فوجدت من الضروري توضيحه بالاعتماد على ما جاء في لسان العرب.  الغانيَةُ من النساء: التي غَنِيَتْ بالزَّوْج ... والغانية: التي غَنِيَتْ بحُسْنِها وجمالها عن الحَلْي، وقيل: هي التي تُطْلَب ولا تَطْلُب، وقيل: هي التي غَنِيَتْ ببَيْتِ أَبَويْها ولم يَقَعْ عليها سِباءٌ. ... وقال ابن السكيت عن عمارة: الغَواني الشَّوابُّ -جمع شابة- اللَّواتي يُعْجِبْنَ الرجالَ ويُعْجِبُهُنَّ الشُّبَّانُ.... وقال غيره: الغانية الجاريَةُ الحَسْناءُ، ذاتَ زوْج كانت أَو غيرَ ذاتِ زَوْج، سميِّتْ غانِيَة لأنها غَنِيَتْ بحُسْنِها عن الزينَة. (لسان العرب)/ الناشر محمد علي الشبيبي.

3- ناحية الفيصلية (المشخاب) كنت فيها معلماً وفي هذه المدة أقيم في بغداد من أجل دورة صيفية للدراسة.