إنتشال الشخصيه المصريه من التابوت / سحر الجعاره

إنتشال الشخصيه المصريه من التابوت  / سحر الجعاره    

سحر الجعاره

كاتبه مصريه

 

حين تحدث الرئيس « عبدالفتاح السيسى » عن ضرورة بناء الإنسان والشخصيه المصريه ، وقال إنها من أهم أولوياته فى الولايه الثانيه للحكم ، إستعدتُ بكلماته - فى ذهنى - كل ما تعرضت له الشخصيه المصريه من « تشوهات » وجروح غائره تزداد يوماً بعد يوم .. وتحتاج إلى تدخل جراحى سريع ، وليس إلى عملية تجميل شكليه !

سمات الشخصيه المصريه ، التى قال المفكر الكبير « جمال حمدان » ، فى موسوعة « شخصية مصر ، دراسه فى عبقرية المكان » ، ( إن « التدين » على رأسها ، وهو مردود لحضاراتها الزراعيه ، بكل ما يتصل بها من سمات الصبر والدأب والجلد والتحمل ، ثم المحافظه ، نتيجةً للإستقرار وبسببه ) ، أصبحت تتسم بـ« التدين الشكلى » ، يلتزم فيه الإنسان باللحيةِ والنقاب ، ويجرى خلف الخرافات ، ويُضفى « قدسيه » على من يعتبرهم « رموزاً » سواء من كتب أو أشخاص ، وهو يخوض حرباً ضروساً فى قضايا خلافيه ومذهبيه .. كل هدفها إسترداد الجزء المفقود من « الهويه المصريه » بالتعالى على المذاهب والأديان الأخرى .. والتفوق فى مناظرات غبيه تستهلك العقل والجهد وتلهى الجميع عن المواقف الواقعيه التى نرى فيها « فاسداً » يمسك المسبحه بيد ويتقاضى الرشوه بالأخرى !

ولأن « اللحى والنقاب » ليست دليلاً على « الأخلاق النبيله » ، رأينا كيف أصبح الحَجُّ رشوةً ، وتُعد رشوةَ وزير الزراعه السابق « صلاح هلال » ، الذى حُكم عليه بالسجن ١٠ سنوات ، من أشهر قضايا الرشاوى التى شملت رحلات حج له ولأسرته بفندق ٥ نجوم ، وفق نظام « الحج السياحى » .. وكذلك « سعاد الخولى » ، نائبة محافظ الإسكندريه سابقاً .. وغيرهما !!

لقد تشوهت خصائص المصرى القديم ، الذى وصفه « حمدان » ، فلم يعد « التسامح الدينى » عنواناً للمصريين ، منذ بدأت عملية « تسييس الدين » ولجوء « السادات » إلى الجماعات الإسلاميه لضرب « اليسار » .. حتى توحشت وإبتلعته فى النهايه !

لم يعد المواطن المصرى هو الشخص « العبقرى » القادر على صهر كل الحضارات وإستيعاب كل الأديان والثقافات ، ذلك الذى كان متسامحاً .. فمع سياسة الإنفتاح تعلم « ثقافة الإستهلاك » .. ولم يعد هو نفس الإنسان المحب للغير القادر على هضم كل ما حوله ، ليُعيد إنتاجه للعالم فى صورةِ فنٍ وفكرٍ وإبداعٍ ، ونبذٍ للعنف والكره .

حتى « القاموس الشعبى » اختلف ، دخلت فيه مصطلحات : ( التكفير ، والعداء ، والعنصريه ، وتحقير النساء .. إلخ ) .. تحول « الفلاح الفصيح » إلى

« ببغاء » يردد ما يُلقنه له « خفافيش الظلام » .. لم يعد متصالحاً مع واقعه كما كان .. أصبح أمّا منفصلاً عنه أو متناقضاً معه ، خاصةً مع إنهيار

« الطبقة الوسطى » حاملة القِيَم ، التى حملت عبء ضبط  توازن المجتمع .. حتى سقطت فى بئر الفقر والعوز .. والتغييب المتعمد بتعليم مزيف و خطاب دينى متعصب و إعلام يُكرّس الخرافه ويروج لها !

لقد تشوهت الشخصيه المصريه ، بالغربةِ أحياناً حين وقعت أسيرة « الكفيل » ، تشوهت حين تحول الوطن إلى « سوبر ماركت » لا تملك الأغلبيه فيه حقها المشروع من التعليم والثقافه ومظلة الحمايه الصحيه .. بينما كانت البلد تُقَسم بين أثريائها بقوة « الفساد » .. تشوهت حين تعرضت البلاد لإنسداد سياسى ، وضاعت خلاله فرص « العداله و المساواة » .. فى ظل غياب تام لوزارات التعليم والرياضه والأوقاف ، حتى سيطرت تيارات الإسلام السياسى على الشارع ، وسرقت حتى « ثورة الشعب » .. فلم يعد « المصرى ، الفرعونى ، القبطى » يعرف الفرق بين « الجهاد و الإرهاب » .. ولا بين

« الواسطه و الكفاءه » .. ثم رفع شعار « اللامبالاة » ، بعدما قام بثورتين من أجل « التغيير و الإصلاح » !

والآن أصبحت إعادة صياغة الشخصيه المصريه تحتاج إلى نسف الخطاب الدينى المتحجر ، وطرح خطاب تنويرى/ ثقافى فى الإعلام ، وإحتواء سياسى للشباب فى أحزاب ليست « كرتونيه » .. فتغيير القيم السلوكيه والإجتماعيه يبدأ من التغيير المعرفى وتربية العقليه النقديه .. والإندماج الحقيقى الذى يُعيد للمصرى شخصيته الإجتماعيه المنفتحه ، التى كانت تتمتع بالمرونةِ والحيويةِ و « قبول الآخر » .. فالهويه المصريه كانت سرَّ بقاء الدولةِ المصريه .

لقد قال الرئيس إن إعادة بناء الإنسان المصرى سوف تكون على رأس أولويات الدولةِ خلال المرحلةِ المقبله ، بإعتبار أن : ( كنز الأمه الحقيقى هو الإنسان ، ويجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنياً وعقلياً وثقافياً بحيث يُعاد تعريف الهويه المصريه من جديد بعد محاولات العبث بها ) .. وهذا الكنز الذى فقد بريقه هو فعلياً حائط  الصد الأخير ضد المؤامرات الخارجيه ومحاولة إفشال الدوله المصريه .

وإنتشال « الكنز » من مقبرته يحتاج لآليات صارمه تقضى على « الفساد » ، وتحارب « الكهنوت الدينى » ، وتنتشل « الطبقه الوسطى » الغارقه فى رمال الفقر المتحركه .. وتنشر الفكر والإبداع ، وتوفر مناخاً من « الحريه » بإعتبارها جسر الثقافه والإستناره .. ففى بلد تعداده تجاوز المائة مليون ، فإن كل جائع أو جاهل أو مريض أو مُغيب الوعى أو مُخدر بسحرة الدين أو عنصرى .. هو عملياً « ثغرةٌ » فى الأمن القومى للبلاد .