يارا... والذئب / !**ابراهيم الحريري

يارا... والذئب / !**ابراهيم الحريري                                  

كان قد مضى وقت طويل منذ لم تزريارا جدتها. شتاء بكامله. كانت كلما طلبت من امها ان تسمح لها بزيارة جدتها، كانت تقول لها: بس يخلص الشتا! بس يخلص الشتا! بعدين الغابة مليانه ذيابه بالشتا.

 كان يفصل بين بيت اهل يار و بين بيت جدتها، غابة كبيرة، كانت وجرا للذئاب، خصوصا في الشتاء، كان عواؤها يقض مضاجع السكان على جانبي الغابة.

انقضى الشتاء. اخضرت اشجار الغابة تلونت بالازهار، من كل لون. ضجت الغابة بزقزقة العصافير و كل الطيور.

كانت نسرين* ام يارا، تطبخ  غذاء اليوم. تشبثت يارا باذيال ثوب امها. متوسلة: الشتا راح. الغابة اخضرت. الذئاب ولت. بعوائها الكريه. الغابة ترقص على صداح البلابل."

ارتفعت نبرة العناد في صوتها. خبطت الأرض بقدمها الصغيرة: ماما! انا مشتاقة لستو! بدي روح لعند ستو!

طيب! طيب يا بنتي. بس خليني اعملك زوادة لستك" رضخت يارا. استيقظت في الصباح الباكر. ايقظت امها. سرحت لها شعرها الكستنائي الطويل. عقدته بشريط احمر. البستها ثوبا ابيض. حشرت قدميها في حذاء احمر. وضعت في ذراعها سلة صغيرة: هذي زوادتك و زوادة ستك. بوسيلي ياها من هالخد- مقبلة خدي يارا-  وهالخد. اذا سالتك عني قوليلها. الختيار مريض، ما فيها تتركو لحالو"

ابتعدت يارا. كانت امها تراقبها ملوحة، حتى غابت عن انظرها.

اوغلت يارا في قلب الغابة. كانت تزقزق كعصفور. ترقص، تطير، يتطاير ثوبها الأبيض، يلتف حولها يهفهف، كجناحي فراشة,

كانت كلما مرت امام زهرة زاهية، تضمها الى صدرها، حتى تكومت فوقه باقة كبيرة اثقلتها، مرددة: معليش! ستو بتحب الزهور. هذي هديتي لستو."

فات يارا ان تلاحظ، بين متعرجات الغابة، خصلة شعر ابيض هنا، مزقة ثوب

 هناك، عظام كبيرة متناثرة.

اقتربت يارا من بيت ستها. قرعت الباب. لا جواب. خبطته بقوة, رد صوت خشن من الداخل: مين؟

ردت يارا متلهفة: هذا انا يا ستو! افتحي!

 رد الصوت الخشن: انا مريضة، ما اقدر انهض. ادفشي الباب بيفتح.

دفشت يارا. دخلت.اقتربت من السرير حيت تتكوم جدتها. راعها منظر جدتها. و جه ناحل. بوز

طويل. نطارتا جدتها تختفي وراءهما عينان ملتمعتان صغيرتان ترسلان شواظا.

كم تغيرتِ يا ستي" قالت يارا و هي لا تخفي دهشتها.

مرضت من شوقي الك يا ستي" رد الصوت الخشن.

-: ليش صوتك صاير خشن؟ سالت يارا.

حشرج الصوت الخشن: صار عندي التهاب بالحنجرة"

-: ليش عيونك زغروا و عويناتك كبرو؟"

حتى شوفك منيح يا بنتي".

-: ليش مناخيرك صايرين كبار و منخارك طويل؟" -:حتى شمك منيح يا يارا" ردت الجدة و هي تتهيأ لمغادرة الفراش.

-: فهمت! بس ليش بوزك صاير طويل؟"

لم تستطع الجدة الصبر. فتحت شدقيها فتكشفت عن انياب طويلة.

عوت: حتى آكلك يا يارا! قفزت الجدة- الذئب. ركضت يارا الى الباب. خرجت وهي تصرخ: الذئب! الذئب! اكل جدتي و رح ياكلني. خرج سكان البوت المجاورة. رجالا ونساءً، هذا يحمل مسحاة، تلك تحمل مغرفة. ادركوا الذئب. احاطوه. تكاثرت عليه العصي و المساحي و المغارف، حتى لفظ انفاسه. قالت الجدة الحقيقية و هي تلتقط انفاسها، بينما يتحلق حولها الصغار يكاد النعاس يطبق احفانهم: توتي توتي... خلصت الحدوتي"

نام الصغار. لكن هل سنسمح نحن الكبار، رجالا و نساءً، للذئاب الجدد،" مدنيو المحاصصات، الصفقات، مجازر سبايكر، المتنكرين بثياب الجدات الطيبات، ان يخدعوننا؟ فليفتحوا اشدافهم: سنرى دماء الفقراء، سكان العشوائيات، ضحايا سبا يكر، الملايين من سكان المخيمات، تخر من انيابهم.

هل سنسمح لهم ان يعودوا؟

 صوتوا لضمائركم! انتم مسؤولون!

امام الله، امام الناس و امام اطفالكم.

 صوتوا لضمائركم، وليس للفتات المنهوب من خبزكم و خبز اطفالكم.

 احملوا مساحيكم،مغارفكن، عصيكم: ضمائركم

قولوا للذئاب باصواتكم النقية الطيبة:

لن نسمح لكم ان تعودوا!

و صوتوا!

 

بغداد   10   4    2018

 

من حكايات جدتي ام حسن  جرى تحويرها بنية يبة*

  • الى ام ولدي، نسرين: شكرا على كل شئ، رغم كل شيئ!