قراءة في المجموعة القصصية ( بائع القلق ) للقاص أنمار رحمة الله / جمعة عبدالله

قراءة في المجموعة القصصية ( بائع القلق ) .. / جمعة عبدالله

تقتحم هذه المجموعة القصصية ,  جملة من  المواضيع الساخنة من ثيميات الواقع , ولكن تتناولها  من زاوية اومن منظور الرؤية  الغرابيته ,  وفق مرجعيات الواقع  التي قذفتها رياح الغرائبية الفنتازيا , واخذت اشكال ومتغيرات نحو الشطحات الانزلاقية صوب  ( الديستوبيا )  او المدينة الفاسدة , التي تتعامل مع المنطق الفاسد في معاييرها  , في واقعها المظلم والفاسد , وفي تعاطي  الجريمة والقتل  والسرقة , فما ان ينسدل جنح الظلام , حتى تتحرك الزعانف الديستوبيا , لتحتل محطات  الواقع ,  وتقوده الى الغرائبية , في اشكالها المختلفة . لذلك تغور في اعماق هذا الواقع في الرؤيا الكاشفة  عن ثيمات الواقع الديستوبي ,  تحتاج هذه النصوص ,  الى التأمل والدقة في قراءة  محتوياتها المضمونية وشفراتها الرمزية  ,في  الدلالات الايحائية ومدلولاتها , ان هذه الصيغ  السردية الابداعية ,  تتعامل وفق متغيرات وتحولات الواقع , الذي يتبع المنطق الغرائبي , في سماته وخصائصه وصفاته  , التي انعكست على الحياة المعيشية واليومية , وتأثرت بها الى التأثير  الكبير , في انزلاقها  الى الثيمات الديستوبيا , واقع مخنوق ومحاصر ومنتهك فقد صوابيته وعقله  , والمجموعة القصصية , تسلط الضوء علية , لتكشف وتعري ظلامه  وظلاميته  , التي تجعل الانسان مختبر اختبار كالفئران , تجعله مادة  امتحان ,  تجنح الى معاناة  والمحنة والسخرية اللاذعة  من مظاهر المدينة الفاسدة . لذلك اننا بصدد ابتكار سردية ابداعية في المتن  النصوص  , ضمن المنطق الغرائبي في فن القصة القصيرة  , وهي انعكاس لمرآة الواقع  الدتسوبي  , وقريحة القاص ابدعت في تسليط الكاشف ببراعة واتقان  , بأن الانسان هو ضحية الخوف والقلق والرعب والكآبة . واقع غرائبي مضطرب ومعقد , يقود في الاسراف في الهوس الغرائبي , في عقليته الفاسدة والمأزومة والمتأزمة , في معطيات التهميش والانتهاك والاستلاب . هذه خلاصة الواقع الديستوبي , الذي ابدعت فيه نصوص قصص المجموعة في الرصد والاستبطان,  والشيء الجميل ان القاص له خبرة متمكنة في خوض غمار هذا  الادب الغرائبي. له قدرة متمكنة في ذاثقة  الخيال والتخيل والصياغة والتعبير الدال , من خلفيات هذا العالم الديستوبي الغرائبي .

×  ففي قصة ( الثأر ) :  تشير بأن اصحاب الجاه والمال والنفوذ   , اجتمعوا على وليمة طعام ,  بعد اصطيادهم سمكة حية , وظلت حية تنبض وترفس ,  حتى بعد شواءها على شواية النار , وتقطيعها الى قطع صغيرة بعد الشوي , لكنها ظلت حية حتى في بطونهم , التي اصبحت تهتز وترقص وتتحرك  في بطونهم  بشكل ساخر , حتى اتجهوا الى النهر وغطسوا في قاع النهر  , وهاجمتهم الاسماك  النهر حتى نهشت واكلت لحومهم . وهي اشارة صريحة بأن يأتي يوم للمظلوم لينهش لحم الظالم . يعني يوم المظلوم على الظالم .

× قصة ( خواتم ) : تعري الزيف والتبجح الفارغ ,  في صياغة تاريخ مزيف لسلالة العائلة بشكل مغاير لحقيقته الدامغة   , في التماهي الفارغ , بأن عائلته  تملك الجاه والغنى والبطولات تمجيدية للاب المتوفي , الذي ساهم في الحرب  وقتل جندي معادي وسلب منه  خاتمه  . وهو في حقيقة الامر , كان فقير ومعوق بلا ذراعين , لا يملك  من الحياة شيئاً . , بملابس اسمال بائسة ورثة . وليس كما تروج الام لولدها , بأن أبيه  سليل الغنى والجاه والمقام  , بالضبط مثل الطبقة السياسية الحاكمة . كانت بالامس لا تملك شروى نقير .

× قصة ( تواطؤ ) : رجل يعيش في الظلام ويخشى ويتوجس من النور والضياء , لذلك يبتعد عن ضياء الشمس ويختفي في النهار كلياً  , لكنه عزم على  كسر هذا الجمود والانغلاق ,  في الخشية من الضياء , والخروج الى الشمس والنهار , يعني كسر الجمود والانغلاق بالارادة .

× قصة ( الطريق ) : تسير جمهرة من حشود الناس وراء الدليل , الذي يقوهم  الى الطريق المرام الوصول اليه  , ولكن طال المسير,  وبعضهم تمرض وبعضهم مات ,  وبعضهم حتى تزوج في الطريق . لكن انهكهم التعب والارهاق وتورمت اقدامهم من المشي , فعندما  تعلو صرخات الغضب والتذمر من جمهرة الحشود ,  بأنهم ليروا الطريق المنشود ويسألون اين هو ؟  , يجاوبهم الدليل بعبارته المألوفة والمتكررة عدة مرات ( لم يبق إلا القليل , وصلنا تقريباً , وراء هذا الجبال , او الجبال التي خلفها ) وعلى هذا المنوال يتساقط بعض المشاة من الانهاك , ولكن فقط الاطفال مسرورين بالمسير , يعني  عندما يفقد البعض الرؤية الواضحة , يضيع في طريق التيه والضياع .

× قصة ( بائع القلق ) : رب العائلة مصاب بالخمول والوهن والضعف  , من كثرة  احلام الكوابيس المرعبة والمفزعة , التي تداهمه وتحرمه من النوم ,  لذلك جزع بتذمر من هذه الحالة المأساوية المرعبة  , وذهب الى صاحب المحل الذي اشترى منه دواء القلق , لكي يبدله في دواء اخر يشتريه , يكون مضاد ويزيل القلق , فقال لصاحب المحل , لا اريد قلقك , يرد عليه صاحب المحل ( لعلك تريد ترياقاً ضد لقلق هذه المرة ؟ ) فيجيبه بنعم , ويأخذ الترياق . وتتبدل الاحلام من  الكوابيس المفزعة والمرعبة , الى احلام جميلة وساحرة في عالمها من الرفاه والنعيم  الوردي . اعتقد ان المرام . بأن الحياة من صنع الانسان , وليس غيره , سواء في الشقاء والنعيم

×× بعض النصوص الديستوبيا :

1 - قصة ( عودة سانتاكلوز ) : الرجل الطيب , بالملابس الحمراء واللحية البيضاء الطويلة , والوجه البشوش ( عمو نوئيل ) وعند اقتراب موعد ليلة رأس السنة , يوزع هداياه للاطفال النائمين , وهي عبارة عن جثث مقطوعة الرؤوس مجهولة الهوية , ويغادر في الصباح الباكر , وتنتشر اخباره في الاعلام وبيانات قوات السلطة , لكثرة حالات وجود  الجثث المجهولة الهوية , وهي مغزى الى عصابات الجريمة والقتل والاختطاف , يظهرون بوجوه مرحة , لكن يرقد في دواخلهم وحوش ضارية.

2 - قصة ( الحديقة السرية ) يقوم حارس الحديقة بتنظيفها  وتريبها واعدادها  بشكل لائق لزبائنها , وكان صاحب الحديقة , يحذره بكتمان سر الحديقة واسرار زبائنها , ولاسيما وهم من مراكز النفوذ في السلطة والاعلام , ويظهرون بمظهر الرزانة والوقار والعفة والشرف وقيم الاخلاق المثلى . لكنهم في داخل اسوار الحديقة , يمارسون المجنون والدعارة والطيش والاستهتار الصبياني بهوس مجنون , حتى يتضاربون بالاحذية فيما بينهم , ويتبادلون الشتائم البذيئة , حتى المحجبات يخلعن الحجاب ويتعرين امام  الرجال , وينزلن الى حوض السباحة عاريات تماماً . وهذا يشير الى المدينة الفاسدة , التي تظهر بوجهين الراهب والشيطان .

3 - قصة ( اللص ) :  لص محترف في الاجرام والقتل بمهنية عالية , ورغم ان جرائمه هي مادة حديث الناس والاعلام والسلطة , ويتحدى الناس بظهوره العلني وسط الناس , ويصيح بهم ( أنا اللص الذي سرقكم كل يوم , اتحدى قوياً منكم أن يمسك طرف ثوبي , جربوا ان استطعتم هذا ) لكن الغرابة يتلقى الاحترام والتمجيد والمدح . وهي صورة حقيقية للصوص اليوم يتحدون , ولكن السذج والاغبياء , يمدحونهم بالمجد والعظمة .

4 - قصة ( الشوكيون ): كانت في جسمه شوكة واحد , بعد أثر  فوزه بجائزة محلية , ولكن تكاثرت الشوكات في جسمه كلما نال جوائز  اخرى  , حتى اصبح جسمه عبارة عن شوكات جارحة .

5 - قصة ( كحول ومئذنة ) : يتقدم سكير لكي يتبرع بدمه لانقاذ طفلة تصارع الموت , ولا يمكن اجراء العملية إلا بتوفير صنف الدم لها من المتبرعين , ويحاول السكير بعناد ان يتبرع بالدم حتى ينقذ الطفلة , ولا يطلب شيئاً سوى انه ينجز عمل أنساني يؤديه  , ولكن يقابل بالرفض والسخط من جمهرة الناس واقرباء والد  الطفلة , يرفضون بشدة عرض السكير , ويحذرون الاب , من فعل النجس والحرام والعار  , بتلوث دم الطفلة بدم سكير , ويحاولون طرد السكير , ويقع الاب في حيرة , بين الرفض والقبول , ويحذرونه بأنه سيكون عاراً على طفلته وهي على شفاء الموت ( أنت مجنون ؟ لو كنت مكانك لرضيت بالموت لطفلتي , على ان يشرب جسمها دم هذا السكير ) وبالفعل يطرد  السكير , والطفلة خفت نبضها . هذا النظرة الدينية المنغلقة والمتخلفة .

6 - قصة ( ديستوبيا ) : مجرم يقترف جرائم القتل في جنح الظلام ,بضرب ضحاياه بالفأس , ولكن اجرامه مختصر على الشرفاء والطيبين فقط  . حتى تفرغ المدينة منهم , وكثرت جرائم القتل , والاعلام والسلطة , تتحدث عن جرائم السفاح بآلة الفأس , لكنهم لا يفعلون شيئاً , وفي احد الايام وجدوا جثة السفاح في كوخه قتيلاً  , لكن لم يجدوا  آلة الجريمة ( الفأس ) اختفت لم يعثروا عليها , ولكن ( الفأس ) خلقت  فؤس كثيرة , وتفرخت بخروج سفاحين بكثرة  جدد . هذه اخلاق المدينة الفاسدة , لا مكان للشرفاء والطيبين .

7 - قصة ( عائلتي ) رب أسرة يحب عائلته حباً شديداً , ومتعلق بهم بالحب الطاغي الذي لايفارقهم كظله . زوجته تدعى ( محنة ) والطفلان ولد وأبن . البنت اسمها ( كآبة ) والولد اسمه ( قلق ) ويعيشون بحبور وسرور وتآلف متين بينهم  . لكن داهم عائلته السعيدة , مرض غريب أطلقوا عليه ( فايروس الفرح ) قلب حياته بموت عائلته , ووقع في حيرة وتخبط , كيف يعيش بدون عائلته السعيدية , التي اصابها هذا المرض الغريب , وكيف تكون حياته بدون محنة وكآبة وقلق ؟  , لذا يشعر انه بات غريباً  على الحياة , ماذا سيكون حاله اذا داهمه الفرح , انها مصيبة كبرى , بهذه السخرية الانتقادية  التراجيدية , التي اصابت المواطن بالمعاناة والهموم , التي تجلب المحنة والكأبة والقلق .

لاشك ان هناك الكثير من القصص القصيرة الابداعية , التي تستحق القراءة  والوقفة والاهتمام  , بما تحمل روح ابداعية متمكنة , بهذا النوع الادبي المعاصر في فن القصة المعاصرة