بدر شاكر السياب بين الوعي الشعري و الضياع الواقعي / جاسم المطير

بدر شاكر السياب بين الوعي الشعري ... / جاسم المطير

في زمان  نضوج الوعي الأدبي  الأوّلي في متابعاتي للشعر و الشعراء  ، خلال نصف قرن من ذلك  الزمان ،  الذي انظم فيه  بالقسر الشديد جميع فحول الشعراء العراقيين ممّن أعياهم الفقر و السجن وكل انواع الإهانة و الاضطهاد من الحكومات المحمية بأجهزة امنية فاشية  ،  لا تعرف ابسط انواع احترام  الشعر و الشعراء لأن الشعر و الشعراء هما عدوين مسرفين لكل دولة ظالمة  و لكل حكومة لا تعدل  و لكل زعيم من زعمائها ، ملكاً كان او رئيساً ، منذ زمان المتنبي ، حتى اليوم  .   وجدنا ، نحن شباب ذلك الزمان ، أن كثيراً من الدارسين والنقاد  العراقيين و بعض العرب  يشخصون عظماء الشخصية الشعرية العراقية القوية ، بخمسة أو ستة أسماء،  من حيث ابتداع أساليب شعرية متجددة بطريقة ميسرة و مقبولة و مفهومة . كانت الأسماء  تلتوي أحياناً و تستقيم في احيانٍ أخرى،  لكنها تظل ، قومياً،  تدور حول محمد مهدي الجواهري  وبدر شاكر السياب و عبد الرزاق عبد الواحد . لكن شعر هؤلاء الشعراء الثلاثة  لم يخلو من ضعفٍ ازاء الاغراء الناعم او الاغراء العنيف من جانب  السلطة الحاكمة المندفعة  باقتحام شديد لنيل قصائد الشعراء الكبار يزينون بها وجوه  الحكام المعروفين بشرورهم .

كان الشعراء الثلاثة ينصبون أنفسهم بمنصب المفاخر ، المنتسب الى الشاعر المتنبي . كل واحد من الشعراء الثلاثة يعتقد انه ينتسب الى معنى من معاني المتنبي او الى صفة من صفات شعره  ، اي ان كل واحد من الثلاثة ينتسب الى (القوة العامة ) في مستوى شعره  تجعله في حال من ( القوة الخاصة)  في  البأس و الشدة من جانب، كما ينتسب   الى المروءة و الهمّة من جانب اخر . لكن ظهر بفترة من فترات حياة كل واحد من (الشعراء العظام الثلاثة) ان رمح الدولة أقوى من كل قصيدة.  لذلك يجب تجنبه بطريقة من طرق اكتساء  ثوب الشاعر المتنبي امام سيف الدولة الحمداني او امام رمح دولة كافور الإخشيدي، لتجنب صعوبات الحياة بما فيها السجن او  او الاغتيال  .

احتوى قلم  الشاعر الجواهري على ابيات قصيدة المدح  امام الملك فيصل الثاني وخاله  عبد الاله ، الوصي على عرش العراق ،  في  حفل تتويج فيصل الثاني ملكاً على العراق عام ١٩٥٣ . كانت القصيدة الجواهرية في مدح الملك فيصل الثاني منقولة بواسطة إذاعة بغداد  قد اثارت استغراب جميع النخب العراقية ، الأدبية و الفنية ، كما استغربها العديد من الأحزاب الوطنية ، خاصة من أعضاء الحزب الشيوعي و غيرهم ممن كانوا يعتبرون الجواهري عنصرا و قائداً معارضاً لكل  المسؤولين عن انحطاط الوضع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي في العراق و أولهم الملك و خاله الوصي على العرش .

في اليوم التالي نشرت جريدة ( لواء الجهاد) تلك  القصيدة بموافقة الجواهري . أظن انها الجريدة الوحيدة التي قامت بالنشر لأن أحداً آخر لم يكن مصدقاً حقيقة او صدق ابياتها البادئة بالقول:

ته يا ربيع بزهرك العطر الندي

و بصنوك الزاهي  ربيع المولد

لكن بعد مرور أيام معدودة على إلقاء هذه القصيدة و نشرها وصلت الى إسماع الجواهري آراء الناس  من محبيه المنتقدين ، الرافضين لأقوال القصيدة و نعوتها الملكية . كذلك وصلت إليه  قصيدة قاسية في مفرداتها و معانيها كتبها شاعر عراقي مجهول بنفس وزن و قافية قصيدة الجواهري مبتدئة القول :

صه يا رقيع فمن شفيعك في غد    

               ها قد صدئت وبان معدنك الردي

صار كثير من الناس يتداولونها في جميع انحاء العراق معتبرين ابياتها من صنع الشاعر محمد صالح بحر العلوم ، الذي انكرها انكارا جازماً مخلّصاً نفسه من شتائمها    .

 اثار ذلك  اشمئزازاً كبيراً لدى الجواهري مما جعله يستفيق محاولاً ان يمحو خطايا قصيدته الملكية بقصيدة فيه الكثير من رمق الهوية الوطنية . في  عام 1954 جاءت  قصيدة (كفّارةٌ وندم) في 82 بيتاً شعرياً، وهي إحدى شوامخ الجواهري يخاطب فيها نفسه ويستعد للتحول والسير من جديد في طريقه الوعر ، كما قال الدكتور مجيد الراضي في مقال حول نفس الموضوع ، .

بعد ايام او أسابيع كان الجواهري قد وصل الى مدينة البصرة حاملاً كتاباً رسمياً، ملكياً، بمنحه قطعة ارض زراعية مساحتها الف دونم في منطقة الأحيمر الزراعية بالبصرة  . نزل الجواهري في بيت رجل الدين محمد سعيد الحكيم و قد شاهدته هناك مع أبناء الحكيم الأربعة (  القاضي حميد و طالب الحوزة احمد و التاجر هاشم و الطالب نوري ) و الجميع كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي    بالبصرة .  حضر اللقاء بعد توسط العلامة الحكيم ، مدير عام تسوية الاراضي في البصرة الاستاذ (ضياء شكارة) وكان صديقاً من أصدقاء الجواهري . أعلن شكارة بعد اطلاعه على  أمر الهدية الملكية المقدمة الى الجواهري ثمناً للقصيدة ، أن لا وجود لأرضٍ زراعية  بالبصرة تحت اسم ( الأحيمر) قائلاً بصراحة ان هذه الهدية كاذبة ..! اصبح الجواهري في غاية العصبية بعد ادراكه انه خُدع إذ أسرع في العودة الى بغداد التي فيها قدم اليه اعتذارا ببداية خيالية عن قابلية وجود أخطاء إنسانية و ظيفية .

استبدلوا ( الهدية) بأخرى في منطقة علي الغربي وقد زيدت الى ثلاثة آلاف دونم ، في محاولة ملكية ليس فقط لإرضاء الشاعر ، بل  لتحويل الشاعر الجواهري  الى إقطاعي ..!

لكن ، مع مرور الأيام ، بدأ الجواهري يدرك الخطأ الفادح في هذه القصيدة . ظل يعاني ، كما قال في مذكراته المنشورة بكتاب نشره في لبنان عام 1990 مؤكداً  ان لحظات تأنيب الضمير تنقضُّ عليه في نومه و يقظته منذ ليلة إنشاد القصيدة التتويجية - الملكية عام 1953  وانه صار تحت وطأة الكوابيس المتواصلة . هذا الحال النفسي  جعله بالنهاية يمارس النقد الذاتي الشجاع في ارتكاب تلك الخطيئة موصياً بعزل هذه القصيدة عزلاً تاماً عن جميع دواوينه ..  أراد ان يعلن ان قصيدته تلك بعيدةٌ ، كل البعد ، عن تمثيل نضال الجواهري  وأن وجودها في أي ديوان ، معناه تشويهاً لشعرهِ، كله .

بهذا الموقف الجريء أعاد الجواهري جزءاً كبيراً من  رضا محبيه إليه وإلى شعره ، في العراق و خارجه، بالرغم من ان الكثير من الكتّاب العرب انتقدوا قصائده عن بعض الشخصيات البعثية العراقية و في امتداح ملك المغرب و ملك الاْردن و الرئيس حافظ أسد ،بفترات لاحقة حتى صارت إرثاً شعبياً في دواوينه . 

بالنقد الذاتي فقط أعاد الجواهري مكانته العظيمة في الدفاع عن الشعب العراقي وعادت سمعته الى مكانها في الصحافة وفي المؤتمرات الأدبية و الصحفية ، العربية و العالمية .  كما عادت سمعته النضالية، المعارضة ، الى مكاتب الأحزاب الوطنية و تنظيماتها في العراق و العالم ، مثلما عادت الى المدارس العراقية و الأكواخ الفقيرة .

لست بحاجة ، هنا، إلى اطالة الكلام عما حصل عليه  الجواهري في مقطوعات حياته اللاحقة حين خلت دواوينه المطبوعة جميعها من تلك ( القصيدة التتويجية) التي كانت استثناءً في فنون الشاعرية الجواهرية .

ثاني شعراء المدح من الشعراء العراقيين كان هو    الشاعر المجدد بدر شاكر السياب ، المولود في  قرية صغيرة بمدينة ابي الخصيب في البصرة . كانت الصعاب والمكاره تدفعه الى مديح أحدهم اليوم وذمّه في الغد كأن تقلّب الآراء قيمة متوارثة في سلوكيته الشعرية .

لا يعنيني ، هنا ، الحديث  عن كيفية تجديده للشعر العربي و على اي أساس تم ذلك . هذا السبيل اصبح ميسراً كثيراً لدى مجاميع من النقاد العراقيين و الباحثين العرب والدارسين و المدرسين بالجامعات الأجنبية ، المختصين  في الفنون الشعرية  و مدارسها العالمية ، مما أوجد مكانة شعرية خاصة و متميزة  لشاعرٍ عراقيٍ مجدد . في ضوء ذلك احتل الشاعر بدر السياب مكان الصدارة في الشعر العربي الحديث ، كما اصبح بإمكانه  ان يكون على رأس الشعر العربي،  حين  غدت بيروت مدينة القلب الصحفي والنشر الحر لهذا النوع من الشعر العربي . أراد بدر شاكر السياب ان يجبر نفسه على نوع من الاستقرار الفكري ، لكن العديد من الشخصيات القومية ، في سوريا و لبنان  ، استلمت عنان نشاطه الشعري بمحاولات   الاغراء المادي ، الذي كان بدر مجبراً على الركض وراءه بسبب عبث الفقر والحاجة المادية المحيطة بحياته و بحياة عائلته ، منذ ان افترق عن بيئته الأصلية في قرية جيكور .

في اي حديث عن نفسه كان بدر شاكر السياب  يظهر عليه القلق ، المادي،  فوراً ، ثم يتعجل الكلفة الشديدة في الإعلان امام أصدقائه او في رسائله لهم انه يلتمس العون منهم في نشر قصائده بالمجلات العراقية لقاء (مكافأة مالية )،  كما هو الحال برسائله  المرسلة الى أصدقائه في بغداد ومنهم جبرا إبراهيم جبرا  طالباً منه نشرها  بمردود مالي مناسب .  كما انه اتجه نفس الاتجاه بعد انقلاب شباط عام ١٩٦٣ حيث لم يجد من الانقلابيين أية مساعدة بالرغم من انه كان من مؤيدي انقلابهم . في رسالته المرسلة من مسكنه في المعقل الى ، صديقه توفيق صائغ ، في بيروت يشير الى وجود مجلة لبنانية اسمها ( اليوم و الغد )  تكافأ الشعراء بمبلغ قدره  ٨٠ ليرة لبنانية . ( انظر ص ٢٢٥ من كتاب السيد ماجد السامرائي المعنون رسائل السياب ، الصادر من المؤسسة العربية للدراسات و النشر - بيروت ).

ان اي قراءة لهذه الحالة  او اي إمعان للتفكير بها تضطر اي مراقب لها لملاحظة نشوء الاضطراب في علاقات الانسان الحامل لهذه الخصلة ، خاصة في مرحلة الفتوة و الشباب . الأكثر اضطراباً في حالة ان يكون الفتى او الشاب شاعراً غزير الانتاج و في مرحلة من مراحل الإبداع  كان فيها بدر شاكر السياب ليس مبدعاً و حسب ، كما هو حال ابي تمام و البحتري ، انما هو في حال  من تجديد فن الشعر بما يشبه القيام بثورة هدفها   الرقي الى مستوى التجديدات في الشعر الغربي ،  تتحدث عنها الصحافة كثيراً حديثاً لن ينقطع . هذا من جهة و من جهة ثانية كان يفكر ، كما هم كبار الشعراء الغربيين  المعروفين ، من اتخاذ الفن الشعري وسيلة من وسائل العيش بأفضل من وسيلة التوظيف الحكومي المعرضة ، دائماً، لبقاء سلطة كبرى فوق الشاعر تهدد حياته في لقمة عيشه بفصله من الوظيفة ، في اي لحظة من لحظات غضب السلطة الحاكمة ، التي كانت قد ضايقته ، اكثر من مرة ، حين عارضها ، شعرياً، فأتهمته ، كما هو حال ذلك الزمان بالشيوعية واعتقلته ، ساخطة عليه ، بزمان لا تتردد فيه من اغراق نفسها بالدم القاني ، كما جرى فعلياً بوثبة كانون عام ١٩٤٨ وما بعدها حين فُصل من التدريس.  بالرغم من ان بدر شاكر السياب قد نبغ في شعره و صار مجدداً و محدثاً فيه إلا ان من الصعب على اي مراقب ان يجدَ لون النشاط السياسي و اتجاهاته ، التي  مارسها بدر شاكر السياب ،  بتلك الفترة،  و هو في مثل تلك السن المنشغل بها من اجل تحقيق التفوق  و الامتياز على العمود الشعري للدخول بعصر جديد من عصور الشعر العربي ، ابتداءً من  فترة ما بعد  انتهاء الحرب العالمية  ، التي تميزت بنوع من الحريات الديمقراطية بالعراق أسوة بحال البلدان العربية الاخرى . كما كان بدر السياب ، بهذه المرحلة من ترسيخ ثقافته الشعرية منشغلا ، تماماً، بالتعرف العميق في دراسته الجامعية على عطاء الشعراء الأوربيين من أمثال الإنكليزيين الشاعر  ( ت. س. إليوت) و الشاعرة ( أدير ستويل) كما كان متابعاً ، يومياً، دارساً الشعر الأوربي  لدى  شعراء من أمثال وود زورت و كيتس و شيلي . يلاحظ ، هنا ، ان اخبار ثقافته الذاتية خلت من متابعة الشعراء السوفيات ، الذين كان يتابعهم العالم من مثل الشاعر مايكوفسكي  ، مثلما كان يتابعهم جميع الأدباء الشيوعيين العرب في تلك الفترة .  او متابعة الشعر الإسباني الثوري الناتج او الصاعد بسبب الحرب  الأهلية الاسبانية و كفاح الشعب الإسباني ضد دكتاتورية الجنرال الفاشستي فرانكو ، كما كان  جميع الأدباء الشيوعيين العرب يتابعون  مثل هذه الأمور وتطورها و تأثيرها على الشعر خصوصاً وعلى الأدب العربي عموماً.

ان البحث في  هذا الجانب امر ضروري على الباحثين و الدارسين ، العرب و الأجانب، لأن البحث في القصيدة الشعرية السيابية ، هو جزء هام من البحث في الشعر العربي و تطوره منذ العصر الجاهلي حتى منتصف القرن    العشرين .

مما لا شك فيه ان أوليات البحث في قصيدة الشعر العربي لدى بدر شاكر السياب  و نازك الملائكة  و عبد الوهاب البياتي و بلند الحيدري و حسين مردان و من تبعهما بدراية واعجاب ، فأن هذا الامر يعني اول ما يعني ، البحث في كل مرحلة من مراحل تطور الشعر العربي ،  وصولاً الى القصيدة السيابية الحديثة المتميزة بحريتها التفعيلية و بالخروج عن قيودها في الوزن و القافية و ما نجم عن خطوة بدر شاكر السياب بتقديم نموذج شعري ليس في عداد النماذج السابقة  ليست مقيدة بقيود ابي الحسن الأخفش و ابن بروح وابن جني و ابن قتيبة  و غيرهم من اصحاب المناهج الشعرية العربية .

اصبح بدر شاكر السياب منطلقاً للتقدم الشعري و الشعراء في البلدان العربية . جعل الشعر العربي صناعة جديدة متجددة   بالاعتماد على خبرة و دراية و تجربة و اشتراطات السياب نفسه وتحويل حركة القصيدة من شعر الالتزام الصارم بالوزن و القافية الى شعر التفعيلة الحرة  التي برز فيها السياب و الملائكة و عبد الوهاب البياني  ومن بعدهم كثيرون في المشرق و المغرب العربيين . كما استطاع السياب   ، في فترة التزامه بمبادئ الحزب الشيوعي العراقي ، كما اعتقد ، من الخروج بالقصيدة العربية ، من محبسها الجاهلي و العباسي و غيرهما حيث اقتصار ، في ذينك العصرين ،  شعر الشعراء على الغزل  بالفتيات الجميلات و بالغلمان و قصور الخلفاء و بتصوير صفات الكرم و الشجاعة و المأكولات والطبيعة و الزهور و الصحاري  و الزهد و التصوف و امثالها . لكن بدر شاكر السياب انغمس في صلب حياة الانسان و معاناته و مشكلاته الحياتية  الاساسية فكان من اعظم  حركاته الشعرية المتصلة قصائد (الأسلحة و الأطفال) و ( المومس العمياء)  و (حفار القبور) و (أنشودة المطر)  و غيرها. وجد السياب ،  في أيام شبابه وانتمائه الهامشي الى الشيوعية ،  نفسه عائداً بنفسه الى نفسه. ربما الشيوعية ألهمته كشاعر شاب فحل. 

مع كل ما فعله بدر شاكر السياب بقصيدة الشعر العربي و تحديثها ، لكنه لم يستطع ان يشغلنا ، نحن شباب البصرة آنذاك .  لا ادري لماذا يهتم الشيوعيون بالبصرة بهذا الإنجاز الذي حققه بدر شاكر السياب ، المفترض انه شيوعي و شيوعيته تفرض على جميع أدباء الحزب الشيوعي  متابعته و التفاخر بمنجزه  ،  في وقت انصب اهتمامنا في مدينة البصرة - كما اتذكر- بمتابعة اسم الشاعر التركي الشيوعي  ( ناظم حكمت)  الذي كان يبدو أمامنا انه شيوعي خالص ، شيوعي خالص بأشعاره و بنضاله وبعقوبات السجون المفروضة عليه من  النظام التركي ، مما اضطره الى الهروب الى موسكو وقد كانت اكثر قصائده في  دواوينه الشعرية الخمسة فيض  خصيب من عقيدته. علماً اننا لا نجده مدّاحاً لمسؤولين حكوميين في  حياته للحصول على المال. بينما نجد الشاعر العراقي  بدر شاكر السياب  يطلب من  عبد الكريم قاسم زعيم ثورة ١٤ تموز ، التي  لا يحبها بدر وليس له قصيدة يمتدحها ، لكنه يطالب زعيمها بمساعدته مالياً . كان الزعيم قد أرسل له مبلغاً و قدره ٢٥٠ باوند لمعالجته من مرضه أيام رقوده بمستشفى بريطاني  . هذا  المبلغ لم يكن يكفي لكل متطلبات العلاج  فأنه  امتدح زعيمها طالباً منه مباشرة مساعدة مالية لإكمال علاجه في مستشفيات لندن . كانت اخر قصيدة له كتبها للزعيم عبد الكريم بعنوان ( أغثني يا زعيمي) يوم ٧ شباط ١٩٦٣ اي قبل يوم واحد من انقلاب ٨ شباط الأسود و قبل يومين من إعدام الزعيم نفسه. ثم أسرع  بالحال يوم الانقلاب البعثي  - الفاشي في في 8 شباط الأسود عام 1963 الى  متحول حماسي خلال 24 ساعة،  مادحاً  مفاخر الانقلاب الفاشي  و الانقلابيين الطغاة  لإعلان  خلاصه من الليل القاسمي الحالك الى ليل جديد لا يخلو من بدرٍ مضيء.

لكنه مع كل غنائه الحزين الموجه الى البعثيين الحاكمين حديثاً في بغداد فأنه سرعان ما تخلى عن الغناء لهم  لأنهم  لم يقدموا له مساعدة مالية تسد بعض حاجاته .

صحيح ان الحزن ، خاصة الحزن الدفين هو الدافع الأساسي الذي أراد به بدر شاكر السياب ان يبلغ شيئاً من آماله المالية رغم بساطتها لشاعر موهوب بالدرجة القصوى ، لكنه مريض بالدرجة القصوى ، ايضاً ، مما جعله يتجاوز جميع حقائق الأحداث العراقية بين ١٤ تموز ١٩٥٨ و ٨ شباط ١٩٦٣ .

هذا الواقع السيابي لم يساعدني في اكتشاف أية قصيدة من قصائد بدر شاكر السياب  يمكنها ان تشير الى  أيديولوجيته الشيوعية التي أدار الدوائر عليها بمقالاته الأربعين  بعنوان : (كنت شيوعياً) .  كما لم اكتشف الشخص المنظم لبدر في خليته الحزبية ولا اي واحد من أعضاء ( الخلية).  صحيح ان الحزب كلفني بإيصال جريدة الحزب و بياناته حين عاد الى البصرة عام ١٩٥١ - ١٩٥٢ لكن كصديق للحزب الشيوعي .  بصورة عامة لم يمارس بدر أي موقف من مواقفه الخاطئة عن بعض الوقفات المتناقضة في سلوكياته كما فعل الجواهري ولم يلتقط أي انفاس في النقد الذاتي ما عدا انتقاداته السطحية للحزب الشيوعي العراقي في أربعين مقالة  لم تشكل أيا منها أي روح وثائقية سوى الدعاية ضد الشيوعية و احزابها . كانت (أفكار)  متناسقة مع (أفكار) الدعاية العالمية المعادية للشيوعية بكل مكان .

من خلال متابعتي الشخصية وجدتُ  عند بدر شاكر السياب منذ شبابه الأول ،  ميولاً قومية منذ بدء حياته الجامعية ، خصوصاً، حين كنت طالباً شيوعياً نشيطاً جمعتني الصدفة مع بدر السياب بواسطة صديق مشترك صاحب دكان في سوق العطارين بالعشار كان بدر يمر عليه كلما نزل الى العشار، قادماً من جيكور متوجهاً إلى بغداد أو العكس.  لأنهما كانا في المدرسة الثانوية طالبين متجاورين  يجلسان على رحلة واحدة. سأتحدث عن ذلك بمقالة خاصة .

ثالث شاعر عراقي آمن ان الكلام الشعري المادح هو حق و حلال مطلقين له،  يستغلهما انفس استغلال بقصائد شعرية

 متتالية وفيرة لنظام قاهر ودكتاتوري سافر . كانت إشعار ( عبد الرزاق عبد الواحد)  اكثر التزاما و نزقاً في امتداح الدكتاتور صدام حسين . في حياة الدكتاتور كان الشاعر يطلق قصيدته رونقاً لتزيين صدام حسين و افعاله و حروبه ، الداخلية و الخارجية. ليس في شعره اي حزن سوى الحزن الشعري على الدكتاتور ، بعد مماته.  كان عبد الرزاق عبد الواحد اكثر اطمئناناً من الشاعرين ، الاول و الثاني، اي الجواهري و السياب.

ربما أوجد شعر عبد الرزاق عبد الواحد لشاعره فلسفة خاصة طالما لم يكن مفلساً مثل بدر السياب او محتاجاً للمال كالجواهري .  لا شك انه يبذل جهداً كبيراً بكل قصيدة  في مديح الحاكم  المتسلط . ينتشي الشاعر حين يراه مسروراً ، حين يستمع الى قصيدة من قصائده  كأنما اصبح حظ الشاعر في  بسمة الدكتاتور .

صحيح ان الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد كان اكثر محظوظية من الشاعرين الأوليين. كانت  المسافة بين سقوط الدكتاتور عام ٢٠٠٣ و بين رحيل الشاعر في عام ٢٠١٤  كافية جداً لإعلان الاستغفار و الاعتذار للشعب العراقي ، بل حتى لأعضاء حزب البعث العراقي ممن لم يمارسوا جرائم  بحق المواطن العراقي لأنه في شعره المدّاح كان قد جعل جميع أعضاء هذا الحزب يشربون من ذات الخمرة و يسكرون امام جميع افعال الدكتاتور .

ربما ايضاً يكون اعتذار عبد الرزاق عبد الواحد امام الشعب العراقي موقفاً ناريا يضيء وجهه امام الشعب العراقي ، كما يحمل الاعتذار إدانة لكل نوع من انواع المبالغة في مدح الحكام و الاسراف في تعلية مواقعهم فوق الشعب ، كما فعل عبد الرزاق  عبد الواحد خلال  اربعة عقود من  الشعر الغني في مفرداته وأنغامه ليجعل ظلام الدكتاتورية المهيمن على الشعب شمساً منيرة  على وجه الدكتاتور و سيفه الدموي الحاد .

أظن ان   الشاعر الثالث  الذي اكتفى بالعيش ، بعد عام ٢٠٠٣،  في ارض جديدة في دولة من نوع مختلف ، الى حد كبير ، عن وطنه العراق ، كان عليه ان يميز و يندفع الى حالة الاعتذار . لكنه لم يفعل.

خلاصة الرأي حول الاستعارة الشعرية و مجازاتها التشبيهية الفنية لدى مثال الشعراء الثلاثة ، في المدح وفي الذم ، استطاع الشاعر الأول محمد مهدي الجواهري أن ينال   ثقة المواطنين ، ثانية ، وإلى  الأبد ، حين مارس النقد الذاتي الجريء بينما ظل كل من الشاعر الثاني بدر السياب و الثالث عبد الرزاق عبد الواحد،  متأججي الاعصاب ، إلى لحظة رحيلهما، لم يحاولا   الحنين الى رضا الشعب.  

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 

بصرة لاهاي في 23 – 12 – 2018