ما قبل وما بعد الاستفتاء/ يوسف شيت                                    

 لنرجع قليلا إلى الوراء، خاصة أيام النضال ضدّ النظام البعثي الفاشي، حيث كثرت أحزاب ومنظمات المعارضة للنظام من طائفية ودينية وقومية ولبرالية واشتراكية، وكانت هذه الأحزاب والمنظمات ترفع شعار إسقاط النظام وقيام نظام ديمقراطي في العراق. خلال تلك الفترة طرح الحزب الشيوعي العراقي مشروع إقامة جبهة عريضة لإسقاط النظام لتفادي أي تدخّل خارجي، خاصة التدخّل العسكري لإبعاد البلد من ويلات الحروب التي أنهكته. إلاّ أنّ الأغلبية من هذه الأحزاب والمنظمات كانت تعوّل على العامل الخارجي كأساس لإسقاط النظام مدعية بأنّ النظام لا يزال قويا ولم يأبهوا بأنّ قوة النظام تكمن في التناقضات الفكرية والسياسية والعقائدية بينها، فالطائفيون يرفضون اللقاء مع العلمانيين، والقوميون العرب والكرد لا يجدون أي لغة للتفاهم فيما بينهم، اللبراليون لا يريدون اللقاء مع الشيوعيين  والاشتراكيين. كما أنّ هذه الأحزاب والمنظمات ارتبطت بدول إقليمية وغيرها، وكانت الولايات المتحدة قد منحت للبعض مهم مبلغ 90 مليون دولار بحجة دعم المعارضة العراقية، وأصبحت أميركا وبريطانيا الداعمتين الأساسيتين لهذه المعارضة، بالإضافة إلى الدعم الإيراني للأحزاب الشيعية، ودول الخليج للأحزاب السنية.

تنفيذا لقانون "تحرير العراق" الذي وافق عليه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في 31 أكتوبر 1998 عقد في لندن مؤتمر المعارضة العراقية الذي حضره ممثلين عن الأحزاب والشخصيات العراقية المدعوة من قبل ممثل أميركا لدى المعارضة العراقية خليل زادة لوضع مشروع ما بعد إسقاط النظام، بينما اعتبره الحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي والتجمّع الديمقراطي وحزب الدعوى غطاءا للتدخّل العسكري الخارجي الذي تعوّل عليه بعض الأحزاب، ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني والمؤتمر الوطني العراقي وحركة الوفاق وغيرها.

بعد الاحتلال مباشرة في 9 نيسان 2003 بدأ نهب أموال وممتلكات الدولة والاستحواذ على عقارات رجالات النظام المقبور من قبل "الحواسم" وتحت أنظار جنود الاحتلال، وبرزت من خلال هذه العملية أحزاب وأشخاص أغنياء من أصحاب الملايين. بعد تعيين أولّ حكومة من قبل بريمر ثمّ إجراء انتخابات برلمانية والاستفتاء على الدستور دخل العراق في نظام للمحاصصة بين المكوّنات الرئيسية وهم، الشيعة والسنّة والأكراد وهمشت المكونات العراقية الأخرى، وقام حلف غير معلن بين "مظلوميتي" الشيعة والأكراد. وهنا انتهت الحواسم القديمة لتبدأ الحواسم "العصرية" التي تبنّتها أحزاب الإسلام السياسي والأحزاب القومية فانتهجت سياسة تقسيم العراق من مؤسساته وثرواته وحتى أرضه وشعبه حسب نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وغدا العراق من جنوب الفاو حتى شمال زاخو من البلدان الفقيرة في العالم وهو يمتلك ثان احتياط نفطي في العالم. أهملت الخدمات العامة من كهرباء وماء، والمؤسسات الصحية والتعليمية، استفحلت البطالة والفقر مما خلق مافيات للاستحواذ على أموال الناس بشتى الوسائل الوحشية إلى جانب الميليشيات الغير قانونية التابعة لأحزاب السلطة، هذا بالإضافة إلى تسليم ثلث أرض العراق إلى إرهابيي داعش الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة حاليا على يدّ القوّات المسلحة والبيشمركة والحشد الشعبي. لم يستطع المحاصصون من حلّ أية مشكلة قائمة، خاصة المشاكل بين الحكومة المركزية والإقليم، وتراكمت هذه المشاكل وترك البلد ليغرق فيها. في ظلّ هذه الظروف أعلنت قيادة الإقليم إجراء استفتاء على انفصال الإقليم، مع العلم إنّ أوضاع الإقليم لا تقلّ سوءا من الناحية الاقتصادية وحماية الحريات وتفشّي الفساد عن بقية محافظات العراق. كانت قيادة الإقليم والأحزاب الأخرى في كردستان بعلم مسبق بأنّ ردود فعل أحزاب الإسلام السياسي والأحزاب القومية الأخرى ستكون سلبية لأنّها، أي قيادة الإقليم، كانت مشاركة معها في حماية نظام المحاصصة، ولكن كانت تختلف معها في كيفية تقاسم السلطة. كما أنّ إجراء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها أضاف مشكلة أخرى والتي كان من المفروض أن تحلّ وفق المادة "140" من الدستور العراقي، إلاّ أنّ طرفي المشكلة تغاضوا عن تطبيق هذه المادة، خاصة في فترة حكومة المالكي.  

بعد الإعلان عن الاستفتاء بدأت ردود الفعل تنهال من داخل وخارج العراق، أحزاب الإسلام السياسي ومعها تركيا وإيران تهدد وتتوعّد لأنها ترفض أصلا مبدأ حقّ تقرير المصير والحكومة المركزية ترفض الحوار قبل إلغاء نتائج الاستفتاء، بالمقابل يصرّح ممثلين من قيادة الإقليم والأحزاب الكردية بالدفاع عن مصالح الأكراد بكلّ الوسائل إلى جانب دعوتهم للحوار مع الحكومة المركزية على أساس القبول بنتائج  الاستفتاء. الأحزاب العراقية الأخرى، ومنها الحزب الشيوعي ترى ضرورة حلّ المشكلة عن طريق الحوار فقط وعدم اللجوء إلى القوة العسكرية وإبعاد البلد من ويلات الحروب واللجوء إلى أحكام الدستور. وكان سكرتير الحزب الشيوعي العراقي السيد رائد فهمي التقى السيد رئيس الإقليم حول الاستفتاء ومناقشة الظرف الذي أعلن فيه، كما أيّد الحزب مبادرة السيد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، بالإضافة إلى إرساله مذكرة إلى الرئاسات الثلاث ورئيس الإقليم ورئيس مجلس القضاء وأصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي بيانا أكّد فيه على أهمية حل القضية دستوريا والدخول في حوار غير مشروط والابتعاد عن المواقف المتشنّجة وعدم اللجوء إلى فرض عقوبات يتحمّلها الشعب الكردي، خاصة الفقراء منه. وكان السيد أياد علاوي قد أرسل مقترحا إلى رئاسة الإقليم ورئيس مجلس الوزراء لحل المشكلة عن طريق الحوار. كما أنّ المجتمع الدولي برمّته يؤكّد على أهمية الحفاظ على وحدة العراق في هذه الظروف والنظر في دستورية الاستفتاء، أي أنّ الكلّ اتفقت بأنّ قيادة الإقليم اختارت الوقت الخطأ لإجراء الاستفتاء. في مقابل هذه الدعوات لتفادي استخدام القوة الغير المبرر، نرى بروز رؤوس الفتنة الطائفية والقومية من الجهتين لشحن الشارع العراقي تجاه الكره بين العرب والأكراد، هذا الكره الذي لم يجلب غير المآسي والويلات للشعبين وأحرقوا في نيرانه المكونات الأصيلة للشعب العراقي من تركمان وكلدان وآشوريين وسريان وصابئة وأرمن وإزديين. كلما طال أجل مشكلة الاستفتاء، كلّما دخل العراق أكثر في النفق المظلم