لماذا لا نثوّب في التعليم والصحة؟/ عدنان حسين                         

مع بدء العام الدراسي الجديد، طفح من جديد إلى العلن الحجم الهائل لتخلّف خدمة التعليم وتردّيها عندنا، هنا في العراق.

غالباً ما نسمع احتجاجات على الحال الذي آلت إليها هذه الخدمة وسواها من الخدمات العامة الأساس، وأقسى هذه الاحتجاجات تكون  بمقارنة وضع هذه الخدمات في العراق بمثيلاتها في الصومال، بوصف الصومال من أكثر الدول فقراً وتخلّفاً ومن أشدّها معاناة من حرب أهلية ممتدّة منذ عقود.

مدن وقرى لا عدّ لها ولا حصر ليس فيها ما يكفي من مدارس، ومدارس ليس فيها ما يكفي من صفوف، وصفوف ليس فيها ما يكفي من كراسيٍّ ومناضد، بل ثمة صفوف ليس فيها أي كرسي أو منضدة وتعيّن على تلاميذها أن "يتربّعوا" على الأرض غير المفروشة لتلقّي دروسهم!

حال التعليم ليست فريدة من نوعها في هذي البلاد، فثمة خدمة  تُباريها في انحدارها هي خدمة الصحة. المستشفيات والمستوصفات في البلد، بما فيها التابعة للقطاع الخاص، هي في الغالب مراكز لعدم الصحة وعدم العافية وبؤر لعدم النظافة.

الحجّة الجاهزة التي تتذرع بها الحكومة ومؤسساتها: نقص التمويل، فأسعار النفط متدنّية، وفاتورة مكافحة الإرهاب مُكلفة، والفساد الإداري والمالي جعل خزينة الدولة قاعاً صفصفا.

هذا صحيح بالطبع، لكنّ الحكومات في الدول الحيّة تستنهض مجتمعاتها كيما تتحمّل قسطها من الخدمات. ولو كانت لدينا حكومات متعاقبة مثقلة بالهمّ الوطني لاستنهضت المجتمع من أجل تقديم قسطه في هذا المجال. الامكانات قائمة وليست معدومة.. إليكم مثال واحد.

في المناسبات الدينية (رمضان، الأعياد، الحج، عاشوراء، الاربعون، وفيات الأئمة ... وسوى ذلك) تُنفق أموال طائلة على المأكولات التي تنتهي كميات كبيرة منها الى مكبّات النفايات. سنة بعد أخرى تجري المبالغة بهذا الطقس الذي يتحوّل إلى ممارسة استعراضية ... ووسيلة للتكسّب أيضاً.

لسنا في حال رفاه لكي نهدر كل هذه الأموال على ما لا يأتي بالنفع على الناس. الأكيد أن توزيع الأموال المنفقة على هذه الممارسة على الفقراء والمعوزين هو أكثر ثواباً من تبذيرها على الأكل الذي يُلقى الكثير منه في المزابل ليصبح مستعمرات للحشرات والحيوانات السائبة. والأكيد أيضاً ان توجيه هذه المبالغ، أو بعضها، على بناء المدارس والمستوصفات والمستشفيات وترميمها وتجهيزها باللوازم الحديثة أكثر نفعاً للمجتمع، وبالتالي أكثر مرضاة عند مَنْ تُطلَب منهم الحاجات.

 المؤسسات الدينية، وفي مقدمها المرجعيات، يُمكنها ، الى جانب وسائل الإعلام،أن تلعب دوراً جيداً على هذا الصعيد، لجهة توعية الناس بجدوى توجيه بعض أموال الثواب نحو الخدمات العامة الأساس التي يتسبب نقصها وتدني مستواها في الموت والجهل والفقر والفاقة للكثيرين.