كلمات من دفتر الاحوال.. ((8/ كاظم الموسوي                              

في جريدة " طريق الشعب" بعنوانها البارز، وبمانشيتها العريض بالحبر الاحمر ، برئاسة تحرير الرفيق عبد الرزاق الصافي (ابو مخلص) عضو المكتب السياسي. انغمرت في شؤون السياسة كتابة وتحليلا وعرضا صحفيا، (واظبتُ على كتابة راي وتحليل سياسي على العمود الاول من الصفحة الثانية باستمرار بتوقيع؛ ابو بشير) ولم انقطع عن الادب اهتماما وفعلا، حيث نشرت الشعر والنقد والقراءة الثقافية في الجريدة والصحافة العراقية والعربية المختصة، إلا ان الورشة اليومية، وجدية الاسهام في صحيفة شيوعية تشغل الكاتب، وتضمه الى ماكنة الانتاج الالية، وواجباتها على حساب الزمن، والمهمات والنشاطات الاخرى. وتثير كعادة عربية أو عراقية النشاطات المتميزة "حسد" او "غيرة" بعض من العاملين او المشاركين في العمل الصحفي او الثقافي عموما، ويتجاوز بعض منهم حدوده ومحدوديته في مثل هذا الجانب او الزاوية. ولكن العمل الدؤوب والجدية في الاداء وحتى الحماس في القناعة بما كنت اكلف أو أقوم به، يجعلني لا اعير لها بالا كبيرا، ونلت تقديرا وشكرا من المسؤولين عن العمل، رئاسة وهيئة التحرير، على ما بادرت به أو انتجت عمليا وملموسا لاسيما حين تولي مهمة سكرتير التحرير، عند غيابه سفرا بمهمة او باجازة اعتيادية، خلاف "الناعقين"!.

ساعات العمل مثل دوام الدوائر الحكومية، لكن الكثيرين لم يحسبوا لها او تعاملوا بها، خلاف بعض من توظف شعورا ومسلكا و"نضالا"، ولم يتقاعد في عمله. وقد كانت التضحية والإيثار سيدة الموقف، والالتزام والمسؤولية الجماعية والفردية في كل المجالات، من العمل في لسان الحزب الى الهيئة الحزبية والاجتماعية.

مع وصول لفات/ رزم الاوراق القادمة من وكالات الانباء كانت لقاءات الصباح اليومية تنفيذا للبرامج وتوزيعا للمهمات والتكليفات. اختص ابو خالد بالشؤون الدولية وأنا بالعربية. وكان المرحوم ابو علي يصلنا متأخرا كعادته، تفوح منه رائحة التعب والسهر يسأل عن مهمته ويحمل حصته التي اعدها له ابو خالد ويعود الى خمارته ليرتوي بكسر خماريته، عند بار سينما النصر، وبعد فترة الغداء يعود حاملا تعليقا سياسيا، يثير استغراب غير العارفين به، في قوة سبكه ولغته، مغزاه، وهو في تلك الحالة من السكر والمعاناة والسياسة والشعر والمرأة.

وقبل ان يدخل الزميل "زكور" القسم تكون زقزقة جرس دراجته قد اعلنت وصوله. ويسرع الى طاولته، ليكسر جدية المكتب وحاجز الصمت بفاتحته المعهودة، "أي... اكو الله" ويرددها لكل من يفتح الباب، خاصة من اعضاء "هتج" الذين يرتاح لهم!. وقبل ان يودعنا يترك لنا مساهمته، تعليقا او تحليلا سياسيا لمواضيع ذات اهتمام او لأحداث بارزة، بأسلوبه المتميز، ولغته الهادئة، وخطه الواضح، ويسرع بدراجته للعمل الثاني.

يأتي الزميل عبد الاله من عمله الاول، بعد الغداء، تصحبه حقيبته اليدوية الحافلة بالأوراق والملفات ليسطر ترجمة لما يختاره منها بالتشاور خلال سويعات. ويتعامل مع المواد حسب الاهمية والقيمة، والحدث والإضاءة لها.

في نهاية كل اسبوع يجرد كل قسم في قسيمة تثمين المشاركة في تحرير الصفحة وإنتاجيتها، كنت منتجا ومتفرغا بالكامل، وفي الساعات الأخيرة للعمل قبل العطلة الاسبوعية يبدأ التفكير والتشاور بجدول تنشيط خلالها، وبرنامج او فقرة ترفيه بعيدا عن الجدية المهيمنة، وتكليف من ينفذ ذلك، اذا تم الاتفاق، او ترك الأمر لكل منا ومشاريعه.

اجد كل صباح على طاولتي في القسم وردة جوري بكاس ماء. ولأنها فقط على مكتبي اثارت تعليقات، ولم تسلم من غمزات، ربما من الغيرة، وكنت فرحا بها رغم اني لم اعرف مقدمت(ها) ومراميها، "افتراضا"، حيث كانت تبعث الجمال في غرفة السياسة ورجالها "الخشنين"، ولو السياسة "فن"، ولها ايضا رموزها واشاراتها، والعاقل يفهم!.

ومع الرائحة الزكية للزهرة الصباحية، وهيل الشاي الذي يتسابق فتية طيبون، رفاق شباب، على توزيعه بأوقات معلومة، و"متاعب" الارشيف والإدارة والمطبعة، وغيرها، كانت رائحة النعناع طاغية في اكثر وجبات الغداء، التي كنا نتناولها في حديقة الجريدة الخلفية، التي تعدها الادارة بمشاركة رمزية من المحررين، وبمودة عائلية لأسرة التحرير. (وكانت تساعد بها اضافة الى عملها الاساس في الجريدة المرأة المضحية ام جاسم).

كان عدد من الرفاق المساهمين في تحرير الجريدة من المناضلين المعروفين، وكنت على صلة بهم، وكلما حملوا الى الجريدة موادا للنشر، كنت التقيهم، مرة في داخل مقر الجريدة على عجل، وأخرى خارجها في مقاه قريبة من المبنى، اتذكر باعتزاز الراحل غضبان السعد، ومقالاته او دراساته المطولة، وابو مازن وترجماته الغزيرة، وآخرين لهم الرحمة الواسعة والذكر الطيب.

علقت على الجدار خلف مكتبي رسوما للرسام الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، واتذكر أبرزها عن الرجل الذي يسقط عقاله على صدره بعد خروجه من التواليت، وكنت معجبا بهذا الرجل الجريء في كل اعماله، وهو ينشرها في صحف عدة، أبرزها الخليجية، التي كانت ليبرالية اكثر من غيرها، ايام زمان، رغم واقع الحال. وكنت كثيرا ما ادخل في نقاشات حول هذا الرسم مع غير قليل من الزوار او العاملين في الجريدة، وكان ردي انها مهمتنا أن نضع العقال في محله على الراس ببناء وعي جديد وثقافة جديدة وشحن الناس بقوة واقناع بالتغيير والثورة و مستقبل افضل واجمل مما نعيش او نسكت عليه الآن. كان حنظلة الفلسطيني رائدا في قراءة الأوضاع وتطوراتها في الوطن العربي.

الحياة في صحيفة طريق الشعب لم تكن كلها ماكنة عمل اعلامي وسياسي، فهناك لقاءات اجتماعية وعائلية نهاية كل اسبوع، وبداية الشهر، وسفرات القسم والجريدة الجماعية، كلها محطات استراحة، فيها ذكريات ايضا، ولها معان!. من بين تلك السفرات، سفرة الى جزيرة ام الخنازير، على سفينة صغيرة، وكان عريف السفرة والحفل، الزميل الكاتب عبد المنعم الاعسم، (ابو حارث)، وكان يردد جملا محددة، اصبحت محفوظتنا المتداولة حتى بعد تلك السفرة التاريخية. وكانت فرقة (العتابي) الموسيقية، مديرة القسم الفني في كل السفرة وكذلك في الإحتفالات الأخرى.

رغم تقادم الزمن، وتباعد المسافات، مازلت اشم رائحة الوردة والنعناع، وأتخيل صورة الحديقة، والسفرات، ووجوه العاملين في الطريق بمحبة ومودة واعتزاز.. فهل ستعود تلك الايام؟!. التقيت ببعضهم في فصائل الانصار ايامها، وبعدها في المنافي العديدة، لكن في المنافي دروبا كثيرة. منهم من اكمل دراسته وعمل بشهاداته، ومنهم من واصل العمل الصحفي في المؤسسات الاعلامية، وأبرزها الفلسطينية، ايام انفتاحها الإعلامي وانتشارها وتنافسها الفصائلي، وتدرج في درجات الرقي الوظيفي والمالي والعناوين الإدارية أو الإعلامية المؤشر لها، ومنهم من اغرقته المنافي في لجتها وترتيباتها، وتلك سنة الحياة.

كانت طريق الشعب مدرسة، تعلّم فيها كل من دخلها عاملا ومتفرغا في صفحاتها، وعاش متاعب العمل في صحيفة سياسية في ظروف غير سياسية، بمعناها الطبيعي.

 وآخر الأمر لابد من القول ان ما كتبته لمناسبة ملف عن "طريق الشعب" عام 1994، واعيد نشره مع اضافات له، احتفاء ورسالة ذكرى وتذكير في كلمات من دفتر الاحوال، لابد من الاشارة الى ان بعض الاسماء التي وردت رحل عنا وافتقدناه، وهم من المذكورين في الحلقتين: شمران الياسري، هاشم الطعان، خالد السلام، عبد اللطيف الراوي، رشدي العامل، يوسف الصائغ، سعود الناصري، رجاء الزنبوري، حميد بخش، ماجد عبد الرضا، عبد الوهاب طاهر، ناصر عبود، هندال جادر، السياب، الملائكة، ام الجاسم، ومؤخرا صادق البلادي، وربما غيرهم، اعتذر لعدم تذكرهم، خاصة الجنود المجهولين في العمل الإعلامي او الإداري او ما يرتبط بهما من أعمال ليست بسيطة أو سهلة في تلك الايام، وادعو بالرحمة للجميع.

سألت صديقي اذا يتذكر اسما لرفيق رحل ولم اذكره، كعادته أخذ يردد شعرا للامام علي:

تُؤَمِّلُ في الدُّنْيا طويلاً ولا تدري ***   إِذا حَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعْيشُ إلى الفَجْرِ

فكم مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَير عِلَّةٍ *** وَكَمْ مِنَ عَلِيْلٍ عَاشَ دهرا إلى دَهْرِ

وَكَمْ مِنْ فَتىً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنا  ***   وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لاَ يَدْرِي

---------_______----------_________-------------___________--------------

للاطلاع على الحلقات الاخرى، تراجع المدونة على الرابط التالي:

http://kadhimmousawi.blogspot.co.uk