العراق: ماذا جناه ما سمي بالاستفتاء؟ / كاظم الموسوي                        

لم يكن الاستفتاء الذي جري يوم 2017/9/25  في إقليم كردستان العراق وتجاوز زعيمه غرورا الى مناطق سميت بالمتجاوز عليها، وأبرزها محافظة التاميم، كركوك، الا كشفا فاضحا لخطأ ما يسمى بالعملية السياسية في العراق منذ الغزو والاحتلال عام 2003  وما تلاه. كما تبين أن المساومات والسكوت على التجاوزات والصمت على الارتكابات السياسية والقانونية والدستور الذي تبناه كل من اشترك فيه، هي السائدة وهي التي تسببت في ما حصل وما دفع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني الى التعنت والإصرار على ما سماه بالاستفتاء. والكوميدي في الإجراء أن كل من ايده ادعى أنه حق مشروع لشعب لا يمكن التراجع عنه أو رفضه وان كل الدول الحليفة التي رهن نفسه لخدمتها سترضى بنتائجه وتوافق على ما ادعاه وصرح به ولهذا، كما يبدو،  استعجل ونشر صوره مع ممثلي تلك الدول ومبشري الشر في العالم من المتعصبين اليمينيين والداعمين لخراب الشعوب والدول، حيثما حلوا او دنست اقدامهم أراضيها. امثال زلماي خليل زاده وبرنار كوشنير وبرنار هنري ليفي واضرابهم. زاعما أنهم مستشارون له وداعمون لخططه. وجاءت النتائج التي زعموا بارقامها ونسبها ما يخالف ابسط منطق او يتوافق مع أبسط تحليل وتقرير. وهي كلها تفيد بفضح ما سمي بالاستفتاء وأسلوبه وتداعياته. وقد أصبح فعليا عملا إيجابيا للعراق والكرد وعرى الانعزاليين والانفصاليين الذين انساقوا الى مشاريع العدوان والخراب للعراق والمنطقة وراهنوا على الدعم الصهيوني والانحياز الغربي وبعض المتخادمين معه. وكانت ايجابيته الأساسية في الكشف والضغط على الحكومة الاتحادية لأخذ زمام الأمور وإعادة الأمن والأمان للمناطق التي تم التوسع فيها زورا ومخالفة لابسط الاعراف والدستور والقواعد، والعمل على بسط سيطرتها وحماية البلاد والعباد واحترام حقوق المواطنين والاقليم والمحافظات، بما يعود للدولة هيبتها ووزنها الداخلي والخارحي، ويوفر لها فرصا افضل في خططها المرسومة للقضاء على الارهاب الذي اجتاح محافظات من ساحتها الجغرافية والسياسية والقانونية ودورها الفاعل في المنطقة والعالم. وتم فعلا إعادة كثير من الأمور إلى ما كانت عليه أو يجب أن تكون عليه.

بعد خداع الارقام والنسب المئوية التي ضللت الناس بها عن ما سمي بالاستفتاء في الاقليم وما تلاه من مزاعم حوله او في الترويج له رغم كل ما اثاره وخالف فيه كل ما سبقه من تحذيرات او تنبيهات او توصيات من كل الأطراف الوطنية والأجنبية. استعادت إدارة الإقليم وعيها بخطئها وخطورة خطوتها.

كل ما سبق ما سمي بالاستفتاء كان انتهاكا دستوريا ومزاعما وادعاءات مخادعة. حيث كان البرلمان في الاقليم مجمدا، والتوافقات متناقضة ومتباعدة، وكذلك رئيس الإقليم منتهية ولايته وفق الدستور الذي أصدره ووقع عليه بنفسه، ومنع رئيس البرلمان المنتخب من الوصول إلى مقر البرلمان وكذلك إبعاد وزراء معينين وفق إجراءات متفق عليها قبل الاستفراد بالسلطة والاستئثار لإدارتها دون أية قواعد او اتفاقات او احترام لإرادة وطنية أو شعبية. ولهذا فالاستفتاء عمليا ليس قانونيا وليس دستوريا ولا يمكن فرضه بهذه الأساليب التي لا تعبر عن معناه او اي معنى ديمقراطي يتشدق به بعض مسؤولي الإقليم الذين كشفوا عن عقلية بعيدة جدا عن الألفاظ التي شوهوا معانيها ومدلولاتها بطرح مخالف لابسط صورها العملية والواقعية.

 انتهاء المغامرة وفشل تحقيق أي من الأهداف التي خطط لها. أجبرت ادارة الإقليم على المناورة والتراجع واصدار بيانات لا تختلف بصورتها الفعلية عن مزاعم الاستفتاء، والتأكيد على فقرات واضحة القصد، بايقاف العمليات العسكرية، وهذا له ما يفسره ويراد منه، وكذلك تجميد نتائج الاستفتاء. وهذا التجميد اعلان له ما له أو ما يعنيه حاليا، اذ يحاول أن يستفيد من الوقت أو الالتفاف على أهدافه الاولى مؤقتا. وفي الواقع لا تعني هذه الفقرات عن توجهات صحيحة لحلول سليمة تعيد الأمور إلى مواقعها وتحافظ على الوحدة الوطنية العراقية وتستهدف المشاركة في التخلص من الارهاب وتنظيماته التي تمكنت القوات العسكرية العراقية بكل مسمياتها من هزيمته وابعاده عما احتله من مدن ومساحات واسعة في شمال وغرب العراق.

كانت مطالب الحكومة المركزية واضحة، الغاء نتائج الاستفتاء والانسحاب الطوعي من كل التمدد الجغرافي الذي تجاوزت فيه قوات البيشمركة، ( التي تعتبرها حكومة الإقليم بأنها مرتبطة من حيث الرواتب والتسليح بوزارة الدفاع المركزية) واعتبرتها حدودا للاقليم برغبات فردية مخالفة للدستور والتوافقات والاتفاقات السابقة لها. ومن ثم بدء الحوار لتحديد واجبات وحقوق الإقليم والمركز والالتزام بها.

جدد بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، (2017/11/7) الدعوة للالتزام التام بالدستور وقرارات المحكمة الاتحادية، وآخرها المتعلق بتفسير المادة (1) من الدستور والتي أكدت على وحدة العراق، وألزمت السلطات الاتحادية كافة بالمحافظة على هذه الوحدة، وأشارت بوضوح إلى عدم وجود اي نص في الدستور يجيز الانفصال». وطبقاً للبيان فإن «جميع الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل الحكومة الاتحادية كانت ضمن هذه المواد الدستورية وضمن صلاحياتها»، مطالباً الإقليم بـ«إعلانه الواضح الالتزام بعدم الانفصال او الاستقلال عن العراق بناء على قرار المحكمة الاتحادية».

استفاد إقليم كردستان العراق بعد احتلال العراق من المشاركة الواسعة في الحكم والموارد العراقية، ولكنه استغل دخول ما سمي اعلاميا بداعش واحتلاله لمحافظات بالتمدد الى مناطق أخرى واعلانها حدودا جديدة للاقليم وكذلك التصرف بالثروات الوطنية بما يخالف ما اتفق عليه، بل وان إدارة الإقليم تمادت بذلك معتمدة على تحالفات خارجية تتعارض مع الدستور والتوافقات الوطنية، فضلا عن اتخاذ إجراءات بل وانتهاكات صارخة كشفت نوايا سلبية أدت إلى ما سمي باستفتاء الانفصال عن العراق.

وأجرت الحكومة الاتحادية سلسلة مفاوضات مع إقليم كردستان؛ عبر لجان فنية عسكرية مشتركة، لحسم الخلاف بين الجانبين بشأن السيطرة على مناطق سهل نينوى، فضلاً عن المنافذ الحدودية الواقعة ضمن حدود الإقليم، وكذلك في قضايا الطاقة والعلاقات الخارجية.

الا أن بعض القيادات الكردية تعوّل على «التحالف الدولي» ضد " داعش" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بشأن المفاوضات العسكرية الجارية وغيرها بين أربيل وبغداد.

ونقل بيان عن اجتماع بينهما مشيرا إلى المفاوضات مع الجيش العراقي وتسليم عدة مقترحات والتوصل إلى اتفاق انتشار الجيش العراقي في عدد من المناطق، مشيراً «نتمنى من التحالف الدولي ان يوسع أكثر من وساطته بين البيشمركه والجيش العراقي، وأن تتمكن من تنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الجانبين، وأن يصبح الوضع طبيعيا»(!).

بعد كل ذلك، يكرر الإقليم دعوات الحوار مع بغداد، الا أنه يحاول المناورة والدوران على الموقف الصحيح. بينما الموقف السياسي في العاصمة العراقية يضغط مشترطاً إقرار إدارة الاقليم رفض الاستفتاء كشرط أساسي للحوار، وهو ما يتوجب البدء به اساسا. تعبيرا عما جناه ما سمي بالاستفتاء ودرسا لفرسانه ومستشاريهم.