قانون من أين لك هذا؟ وآفاق تشريعه! / مرتضى عبد الحميد

 ضمن عملية محاربة الفساد المالي والاداري التي اعلنها السيد العبادي، واعتبرها عن حق أخطر من الحرب على "داعش"، صاغ مجلس الوزراء قانوناً مهماً، هو قانون من اين لك هذا؟ وارسله الى مجلس النواب لتشريعه.

ان هذا القانون يٌعد خطوة مهمة وجريئة في هذا الميدان الاستثنائي، ونعني به مكافحة الفساد بتلاوينه السياسية والمالية والادارية، ومؤسساته ذات السطوة الكبيرة في الدولة والمجتمع.

ويبدو ان العبادي أراد الخروج سريعاً من دائرة التهيئة والتخطيط، الى دائرة الفعل، بعد ان شعر بأن الفاسدين كباراً وصغاراً، يريدون افراغ القانون من محتواه الحقيقي، وتحويله الى مباراة جديدة في الدجل والخداع، والسعي الى ابعاد الشبهات عنهم.

وهذه الممارسة المريضة تناولها علم النفس، وحددّ جذورها الاجتماعية، وهي ان الانسان السيء، عادة ما يركز في حديثه على ذمّ ما يقوم به هو شخصياً بهدف التغطية ليس الا. فاللص يبالغ في ذم السرقة واللصوصية بمناسبة وبدونها، وكذلك فاقد الشرف، والمرتشي، وكل منزوعي الاخلاق والقيم الانسانية.

ان مواد القانون وفقراته عموماً جيدة. بيد ان الاعداد والتهيئة الضروريين لتمريره وبالتالي تنفيذه على ارض الواقع، تحتاج الى عناية وتأنٍ أكبر مما جرى حتى الان. والسبب الأراس أن المنظومة السياسية الموجودة حالياً (فاسدة من البيضة) واستطاعت بأحابيلها وممارساتها العملية جعل الفساد والتعاطي معه، ثقافة عامة لقطاعات واسعة من المجتمع، فضلاً عن تأطيره بقوانين وقرارات، أرادت بها ان تضفي عليه صفة الشرعية والمقبولية.

فهل تسمح مثل هذه المنظومة الفاسدة، والمنتشرة بكثافة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، أن يرى النور، او أن يأخذ مداه الكامل؟

اذن لابد من خلق قاعدة اجتماعية وسياسية، يتكئ عليها، وتمده بمقومات الحياة، رسمياً عن طريق استبدال الفاسدين المتنفذين او عدد منهم في الاقل، بكفاءات وطنية، نزيهة، قادرة على تنفيذ هذا القانون، ومستعدة للتضحية في سبيله، وشعبياً في الركون الى الجماهير الغفيرة من أبناء الشعب العراقي، التي كان القانون احد مطالبها الرئيسية، ولإشراكها في الدفاع عنه، والرقابة على تنفيذه.

كما يحتاج هذا القانون الهام جداً، الى توفير الحماية والرعاية للقضاة المكلفين بتطبيقه، ليكون في استطاعتهم القيام بواجبهم، وأن يكون تطبيقه بأثر رجعي، وليس بصيغة عفا الله عما سلف، لأن الفساد لم يعد مقتصراُ على أخذ الرشى المباشرة، ولا على تهريب الاموال المسروقة الى الخارج، وإنما يشمل أيضاَ الكثير من الأوجه غير المنظورة، من بينها وأهمها الاستيلاء على عقارات وممتلكات الدولة في بغداد وعموم العراق، بأسعار بخسة، مستغلين مواقعهم الوظيفية، او نفوذهم السياسي والطائفي والقومي.

الكرة الآن في ملعب البرلمان العراقي، فهل يصحو ضميره الجمعي أو حتى الفردي هذه المرة؟ ليس لإقرار القانون المقترح وحسب، وانما لإيجاد ووضع الاليات الكفيلة بتنفيذه، بالاشتراك مع الجهات المعنية وخصوصاً مجلس الوزراء، وبالاعتماد على الخبراء القانونيين، والهيئات والفرق المتخصصة في مكافحة الفساد والقضاء على شروره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة "طريق الشعب" ص 2

الثلاثاء 5/ 12/ 2017