اعدام الأسرى الشيوعيين على لسان شاهد عيان / تَّرْجَمَة و إِعْداد : شه مال عادل سليم

اعدام الأسرى الشيوعيين على لسان شاهد عيان / تَّرْجَمَة و إِعْداد : شه مال عادل سليم

الجذور العميقة لا يصلها الصقيع :

شهادة توثيقة حول جريمة قتل (اربعة من الانصار / الپیشمەرگە )الشيوعيين الذين وقعوا في أسر قوات الاتحاد الوطني الكوردستاني في حوض قرية ( ته وسكة )في حزيران 1984 , واُعدموا بعد اسرهم بأمر من ( شوكت الحاج مشير وعمر الحاج عبدالله المعروف بـ(ملازم عمر ) وهما من ألاصدقاء المقربين جداً لجلال طالباني  .

ليس من السهل تصديق كل ما يروى عن احداث دموية  ووقائع وروايات حدثت ايام الاقتتال الدموي بين جبهة (جود ) والاتحاد الوطني الكوردستاني في الثمانينات من القرن الماضي ، ولكن حينما يرويها شخص عايشها او شَهِدها بأم عينيه، لا تقوى على عدم تصديقه، فيمكنك بأمانة تدوين شهادته  للتأريخ ...!
نعم، فنحن وإلى يومنا هذا لم نسمع شيئا عن الاقتتال بين الاحزاب الكوردية والعراقية المتمثلة بالشيوعي العراقي سوى ما يرويه قادة وانصار الحزب الشيوعي العراقي، وجرى في مناسبات عديدة تسليط الضوء عليها وعلى تفاصيلها كثيراً وتقييمها بهذا الشكل او ذاك .
بكلمة اخرى، جرى تغطية تلك الأحداث المأساوية من جانب واحد فقط وهو المعتدي عليە  وفي اطار حلقة محدودة ومغلقة، اي بين الانصار الشيوعيين وقادة الحزب واهل وذوي الضحايا وحدهم . 
ولكن هذه المرة، وفي سابقة غير مألوفة و مختلفة كلياً عما هو معروف ،يتحدث أحد مقاتلي الاتحاد الوطني الكوردستاني كشاهد على اعدام الاسرى الشيوعيين في (حوض ته وسكة )في حزيران 1984 .

ان قضية قتل الاسرى  الشيوعيين تتجدد كل يوم واقعياً, مهما طال عليها الزمن , ليست فقط لان هذه الجريمة لاتسقط بالتقادم , ولكن لأن الامها موجودة في قلب وضمير كل شيوعي مخلص لايعرف او بالاحرى يرفض المساومة على دماء رفاقه  الابطال .

اكتفي بهذه المقدمة المتواضعة وادع الشاهد والمقاتل الپیشمەرگە (قهار گزنه يي )يتحدث عن جريمة قتل الاسرى الشيوعيين في قرية ( ته وسكة )  .

 

يقول قهار گزنه يي , والذي كان من احد مقاتلي الاتحاد الوطني الكوردستاني تحت امرة (علي مصيفي )

: ( بعد محاصرة قوات الحزب الشيوعي العراقي بقيادة محمد الحلاق وعلي حاجي في جبل سفين وتشتتهم عندما وقعوا في كمين قواتنا بالقرب من قرية ( ته وسكة ) عندما كانوا يحاولون العبور من الشارع الرئيسي ( كوري ـ شقلاوه ) باتجاه ( زيباروك ) , انقسمت وتبعثرت قواتهم إلى ثلاث مجاميع , اكبرها استطاعت لاحقا ان تكسر الطوق وتنسحب بسلام , ومجموعة ثانية سلمت نفسها إلى الربايا العسكرية المتاخمة للمنطقة , وبقت في ساحة المعركة مجموعة ثالثة مكونة من( 4 ) مقاتلين بينهم  كوردي واحد , وهم كل من : ابو ليلى , جبار , ازاد ومهدي  , كانوا محاصرين ودون ادلاء  في منطقة واسعة محدودة المياة , و بسبب عدم معرفتهم بجغرافية المنطقة و ارتفاع درجة الحرارة , اشتد عليهم العطش والجوع والتعب القاتل . إضافة الى انهم كانوا محاطين بقواتنا من كل جانب بحيث كان من المستحيل ان تصلهم الامدادات او المساعدة.

و بعد نفاذ ذخيرتهم وبسبب التعب والجوع والعطش وبقائهم في تلك المناطق الجبلية والصخرية الوعرة ولعدم معرفتهم للطبيعة الجغرافية للمنطقة  واسرارمداخلها وخفايا طرقها الجبلية الوعرة والمسالك الصخرية المؤدية الى قمم جبل سفين , قررت المفرزة الشيوعية بعد ان احتظن الظلام جبل سفين الاستراحة في خوض قرية ( ته وسكة ) للتداول بشأن الانسحاب نحو المجهول .

ومع بزوغ أول خيوط الفجر تحركت المفرزة باتجاه قرية ( حجران ) , الا انهم وقعوا في الاسر بالقرب من نبع الماء القريب من حوض قرية ته وسكة  ).

يضيف گزنه يي قائلاً:  ( كنت في كمين عندما ابلغنا (علي مصيفي)  بانتهاء المعارك والانسحاب من المنطقة ,  تركنا مواقعنا في الجبل وتوجهنا إلى قرية (ته وسكة) , وعند وصولي إلى مكان التجمع ,  رأيت اعداد كبيرة من قوات السرايا والقواطع والفرق التابعة للاتحاد متمركزة هناك , سارعت إلى نبع الماء وغسلت وجهي وملأت الزمزمية بالماء , وعندما رفعت راسي لاشرب الماء ,  رأيت  شخصًا لم أعرفه ,كان لون بشرته أسمر ,جالس تحت ظل شجرة معمرة, أشر بيده وكأنه يقول : (يخنقني العطش ... ناولني الزمزمية )  وقد علت وجهه ابتسامة رجاء وأمل.

تقدمت باتجاهه , صرخ احد المقاتلين وقال  : (إلى أين تذهب .. ارجع كاكا ارجع ) ...

ـ قلت له :  لماذا ارجع ؟

ـ قال : هولاء أسرى , ممنوع الاقتراب منهم بقرار من( ملازم عمر وشوكت الحاج مشير)... !!

لم استطيع ان اسيطرعلى نفسي ,أُصبت بنوبة عصبية ورميت الزمزمية في الهواء بكل ﻣﺂ ﺁﻣﻠﻚَ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ, وعندما تقدمت خطوتين للأمام رأيت  ثلاثة  أسرى اخرين كانوا ممدّدين تحت ظلال  الاشجار وعلى الأرض بلا حراك .

ـ قلت للحرس : كاكا , بالله عليك دعني اعطيهم الماء  ...!

ـ قال : ممنوع ... ) !!

 

يستطرد گزنه يي قائلاً : (  للتاريخ اقول ان اكثر من نصف مقاتلي اربيل  كانوا يُعبرون عن احباطهم وغضبهم لما كان يحدث امام اعينهم من تصرفات غير انسانية تجاه الاسرى الشيوعيين ,وان اغلب المسؤولين التابيعن لاربيل كانوا ضد الاقتتال بشكل عام ,ولكن في نفس الوقت كان هناك مقاتلين يتباهون بانفسهم وبعرض جرمهم بكل بشاعته ويحيطون بالاسرى من كل جانب , وكانوا يشربون الماء امامهم ويغسلون وجوههم (كانهم احفاد الحجاج ابن يوسف او الغلادياترـ العبيد الرومانية ...

كنت جالس بالقرب من الاسرى وكنت اتطلع في وجوههم الذابلة و المائلة إلى الصفار , كانت نظراتهم جافة وتعبيراتهم تصرخ بالجوعِ والعطش القاتل  .

كان احدهم طويل القامة , شعره اسود مموج , تتراوح اعمارهم مآبين 20 ـ 30 سنة , كنت اقراء في عيونهم  وحشة الأهل والأحباب والالام واحلام طفولتهم ومعاناتهم وذكرياتهم وحنينهم إلى أهلهم وأمهاتهم ومدنهم ـ  بغداد والنجف والديوانية واربيل .

فجاة ظهر أمامهم  ملازم عمر وشوكت الحاج مشير ـ  قالوا لهم :

هيا انهظوا ... قيدوا ايديهم من الخلف  بـ(البشتين )(1 ) وربطوهم بالاشجار التي كانوا جالسين تحت ظلالها وهم ينتظرون مصيرهم المحتموم ...

للتاريخ اقول : قبل ان ينفذوا الاعدام بهم تم استجوابهم لمعرفة عناوينهم واسمائهم , على الرغم من ان الاسرى كانوا شباب في مقْتبل العمرالا انهم كانوا شجعان ومتماسكين وكانوا جريئين في اجوبتهم , واجهوا الموت بشجاعة ونكران ذات   .

ـ اتذكر, كان احدهم دكتور, وقد تصالبت ساقاه أمامه متعباً، ذاوياً، لا يكاد يستطيع الكلام بسبب العطش الشديد , قال بصوت منخفض : انا من اهالي نجف , ارجو ان ترسلوا بطاقتي الشخصية والمبلغ الذي في جيبي إلى زوجتي .

وقال احدهم باستهزاء : انا اسمي ابوحرار ...!

وقال الاخر انا من اهالي الديوانية ...

وقال الثالث  انا من بغداد  ,  اما الاخير فكان من اهالي اربيل .

وبعد انتهاء الاستجواب اعطو لكل واحد منهم ـ رشفة ـ من الماء .

اكثرية المقاتلين كانوا غير راضين عن تنفيذ  قرار أعدامهم, الا ان القرار النهائي والاخير كان بيد( ملازم عمر ـ مسؤول قوات الاتحاد وشوكت الحاج مشير مسؤول العسكري لـ(ملبند  الرابع ) . 

وبعد مرور وقت قصير , وجهوا فوهات بنادقهم نحو صدورالاسرى العارية و افرغوا الرصاصات في رؤوسهم  واغرقوهم بالنار والدم في وادي قرية ته وسكة ..

كان المشهد مفزعا، مجللاً بالدم  ) .

 

يختتم گزنه يي حديثه قائلاً  : ( بعد أعدام  الاسرى الشيوعيين في قرية ته وسكة ,  ذهب القتلة إلى مدينة  شقلاوة  والتقوا هناك مع  (اللواء تحسين اكريي) على مأدبة غداء ...! )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ البشتين :  بضعة امتار من القماش يلف على البطن لإستكمال الزي الكوردي الرجالي 

*حسب شهادة گزنه يي كانت خسائر معركة سفين كالتالي :

20 شهيد و26 جريح من بينهم عدد من اهالي قرية قلاسنج  .

 

* ملاحظة : (يمنع نشر او نقل هذه الشهادة  او اي جزء منها  بأي وسيلة من الوسائل الورقية او الالكترونية إلا باذن مسبق من الكاتب) ...