الحجيج إلى شكفته خَمري / بديع الالوسي

الحجيج إلى شكفته خَمري / بديع الالوسي

لا أريد ان أكتب عن قلاع او قصور او عن قرى او مدن مهمة ، بل يأخذني الحنين للكتابة  عن  (شكفته خمري ) التي لا ينساها اعضاء السرية الثالثة ، ذلك لانهم  مكثوا فيها  مدة سنة تقريبا ً ، أكتب  كي اتذكر ، كي أنظف المرآة من الغبار ، أو أكتب علني أعثر على ذاتي الضائعة بين مواجع ومسرات الحياة  ، لأتلمس ذلك الحلم القديم المفعم بروح الشباب ، الذي لولاه لما وصلت ُ إلى ما أنا عليه الآن ،  لذا  سأسلط الضوء على  وجوه  رفاقي في الحزب  مغمورا ً بالدهشة لتلك الصداقات النادرة ، التي لم تنتكس يوما للحضيض ، بل ظلت سامية كما تخيلتها اول مرة  ، مرتكزة على قيم الوفاء والتعاضد ونكران الذات   .

ياااااه   يا اصدقائي الحالمين ، إذا حججنا لذلك المكان  و نفخنا التراب والغبار عن الأحجار والصخور،  هل  ستتمكن الذاكرة  من اعادة  تأثيث تجربة  شكفته خمري ، ام ان الرياح  عبثت  بها  ، ودمرها  الزمن بسطوته التي لا ترحم ؟

الكتابة عن المكان تجبرنا  للحديث عن المكين او مَن  سكن المكان  ، ذكرياتي تطفو فوق متعة حسية وتأملية ، فهي لا ترى إلا بعين القلب كما يقول الصوفيون  او  كمن  يتذكر عينا حبيبته التي رحلت قبل ثلاثين عاما  وجاء اليوم  ليكتب عنها ويحتفي بها  ، عرفانا ً بذلك الحب الذي لم يكن سرابا ً..!!

ياه  يا اسكندر ..  ياه  يا  باسل 

سأبتدأ معكما بتساؤل بريء :  هل  من الممكن لصورة نشرها  ابو روزا عبر الفيس بوك  ان تثير في نفسي كل هذا الشجن وتشعل الذهن بالذكريات  ؟ ..

من يَمر قبل 32 سنه ب ( شكفته خمري ) او كهوف خمري  ،  يرى ويسمع  ويشم  نبض الحياة  في هذا المكان ، ولكن قبل هذا التاريخ  كانت هذه الشكفتات  عبارة عن  حظيرة  للماعز او مخبئاً  للحيوانات المتوحشة .. من يقف ويتأمل المكان يجده محاطا ً  بتلال صغيرة واشجار تساعدنا على الاختباء ،  عشنا فيها مكرهين بسبب حصار السلطة ، الذي طال قرى بهدنان ( الدوسكي  وبرواري ) .. كنت يا اسكندر طيبا ً ومتصابيا ً ايضا  ، اما انت يا باسل فقد كنت شجاعا ًحين قتلت الحية التي اكلناها . !!

ياه  يا سيد نزار ..  ياه  يا زياد

اتذكر جيدا انكما  كنتما  شابين محبين للحزب ومتفانيان لخدمة الحركة  ، ولكن هل كنتما  تعرفان تفاصيل قصة ( شكفته خمري )  ولماذا اطلق الفلاحون المحليون عليها  هذه التسمية .؟  كان ذلك قبل زمن بعيد  وبسبب واقعة حقيقية حدثت لفتاة اسمها خَمري ، هربت مع حبيبها ، ولجأت الى هذا المكان المنعزل ، لكن أهلها طاردوها وما ان عثروا عليها حتى  قتلوها في هذه المكان .. آه يا زياد  كم من فتاة مثل خمري قد  ظلمت ، كم من حب قد ضاع وكم من حلم قد انتهى .. فهل يا سيد نزار قد احببت مثل خمري و طاردتك مثل هذه القصص الغامضة !؟

ياه  يا ابو سامر.. ياه يا حيدر كمكي 

تعالا نعيد ترتيب  وصف المكان ، هل تذكران  الساقية المنحدرة من النبع  او الروبار كما يسميه الكرد ؟  والذي كنا نشرب ونطبخ منه  ونسبح بمائه البارد في الصيف ، واذا  حاولنا الصعود بعكس جريان الماء  سنمرُ اولا ً بالحمام الذي صنعناه من اغصان الاشجار والبطانيات القديمة ، بعده بأمتار نصل الى المطبخ الذي كان عبارة عن سقيفة نجتمع تحتها للمسامرة والأكل ، وفي أحدى زواياه  كان المخزن الصغير، الذي نحفظ فيه الارزاق الضرورية  والنفط ، وقريب منه قن الدجاج . بعد المطبخ بخطوات نجد شكفته صغيرة جدا كانت لرفيقين يحبان الرسم  ، بقربها شكفته اخرى كبيرة ينام ويرتاح ويلعب فيها  عشرة رفاق ، بعدها شكفته صغيرة خصصت لآمر السرية العسكري حميد دوسكي والمسؤول السياسي ابو عوف ، بعد ذلك نجد  شكفته متوسطة كانت مسكنا لسبعة رفاق ،  بمحاذاتها التنور ورائحة الخبز ، واذا لم تخني الذاكرة  بقرب ذلك التنور الطيني  سقيفة حمارنا المتجهم  طلفاح  .

ياه يا ابو آشور .. ياه  أحمد سوراني 

هذه الشكفتات او المغارات  ليست من الحجر الصلد  المتماسك  ، بل هي من صخور رملية ، كان من الممكن ان تتداعى علينا في اي لحظة . ولو مررنا بها الآن  للاحظنا  حجم الخراب الذي اصاب مكان احلامنا وثرثرتنا وهمومنا و تفاصيل حياتنا  الحلوة والمرة ..  فالمكان واحد  ولكن كل منا يتذكره بطريقته الخاصة وله  بقايا صور علقت في ذهنه ، باعتقادي  لو استحضرنا هذه الذاكرة الجمعية  لأمكننا صناعة فلم عظيم او رواية بجمال ما كتبه ماركيز في ( مائة عام من العزلة  ) .. هل تذكران ايها العزيزان  ، غزواتنا البريئة  وكيف كنا نسرق الخضراوات من مزارع الفلاحين كي نستمر بالمقاومة  !!!

ياه  يا  حميد دوسكي .. ياه يا وليد 

لا انسى تقلبات الزمن ، وكيف صار البحث عن المكان هاجسا ً يوميا ً ملحا ً  . وفي ذات مساء ، حللنا ضيوفا على اهالي قرية (كناصكي)  وهم الذين ارشدونا  قائلين : قرب قرية جراني ، هنالك مغارات تصلح لقضاء الشتاء .هذا يعني على اغلب الظن إننا حللنا على شكفته خمري في  الصيف ، واعدنا ترتيب وبناء الحيطان ، وبمساعدة ابو سربس تمكنا من بناء التنور . وعلى قمة  التلة ، بقينا لأيام نعمل حتى حصنا بالأحجار موضع الدوشكة ، الدوشكة التي لم تثور يوما  ولم نستخدمها  طوال فترة تواجدنا هناك  .!!!

ياه  يا ابو عوف .. ياه  يا باسم   

  لا اتذكر  باسم إلا  شابا ً مبتسما ً ،   يتمتع بحيوية وحماس في انجاز ما يوكل له دون تذمر ، وأذكر ان ابو عوف كان  طيب القلب ،  فهو قد خاض معارك ومر بظروف  وصعوبات كثيرة ، الى ان جاء اليوم الذي قرر فيه الحزب نتيجة ظروف المنطقة  تغيير طبيعة العمل  الأنصاري ، وكان الأمر يتعلق  بالبحث والعثور على مكان يتلاءم مع الظرف الصعب الذي كنا نمر به   ، هكذا تحولت شكفته خمري  الى عرين لرفاق السرية الثالثة ، كما اصبحت محطة يتوقف ويستراح فيها الرفاق الذين يتوافدون من الفوج او القاطع  او الذين ينون  العبور الى سوريا

في تلك الايام .. قل َنشاطنا  وانحسر عملنا العسكري ..

ياه يا ابو زياد .. ياه يا ابو عهد .. 

كم كنا نتحلى بالصبر ،  عشنا ظروفا صعبة وخطرة ولم ننكسر ، حيث لم يكن الوقت مناسبا ً للعودة الى رحم الوطن ، ومن المستحيل ان يعود اي منا الى اهله دون ان يعتقل  ، لذا كنا  في هذا المكان البدائي الموحش  نزرع ذكرياتنا  ، التي لا تخص احداً سوانا   ، شكفته خمري كانت لنا ملاذا آمنا من تقلبات البرد الجبلي ومن ازعاجات حر الصيف  ،  كنا حذرين ونقوم بواجبات وحراسة الموقع  ، في فترات الراحة ، كنا نلعب الشطرنج ، منا من كان يرسم او يكتب ، او يقرأ  ، اما في ليالي الشتاء الطويلة  فكنا نشوي البلوط .. ونطارد البراغيث !!!..

ياه  يا ابو محمود ..  ياه يا آزاد   

كيف ننسى  معاناتنا  المتعلقة بالاكتفاء الذاتي و في توفير الأرزاق ، ومحاولة زرع بعض الخضراوات في مزرعتنا الصغيرة  ، كنا لسنين طوال  مقاتلين جوالين نعتمد بصورة شبه كاملة على كرم الفلاحين الذين كانوا  يتعاطفون معنا مقابل ان نوفر لهم نوع من الحماية وندافع عن قضيتهم ، لا ننسى كيف كان النفط  يوزع في السرية ، كان لكل شكفته  فانوس يملأ بكمية نفط  تكفي لثلاث او اربعة ساعات فقط  ، بعدها يتحتم علينا  ان ننام مكرهين   .. لنستيقظ   مع شروق الشمس  ... و كان النهوض  الصباحي يسبب لنا   ازعاجا ً ، لكن بمرور الوقت  تعودنا عليه وصار   جزء من تفاصيل يومنا    ..

يا ه يا أسعد.. ياه   يا جلال ..

  أسعد يا من عرفتك وخبرت شجاعتك منذ ان كنا في دوشكة مقر الفوج الثالث ، لكنا هنا في شكفة خمري لم يعد لنا من عمل سوى ان نعيد زراعة الأمل في ارواحنا ، نكاية بالمواجع  والمخاطر التي كنا نعيشها .. كذلك يا جلال ، كنا نقاوم الطبيعة  بأرواحنا ونكابر ، نكاية بالعدو الذي يبحث عن نقاط ضعفنا ، حتى اننا في اقسى الظروف  كنا ننظر إلى السماء ونضحك ، نكاية بالليل ووحشته  وبالملل وحسرته  ..!!!

  ياه يا سامر.. ياه يا ابو روزا   

لا يمكن ان انسى ما حييت ، انك يا سامر قد كنت هادئ  الطبع  مسالما ً ، وابو روزا كان يختلف عن كل الرفاق ، روحه التي تميل  الى الفكاهة وتبعث فينا الأمل  ، اجل الأمل  هو بالضبط ما كنا نبحث عنه  في تلك الظروف القاحلة ، لكن صراعات كثيرة غيرت من مزاجكما ، وبالرغم من  كل المعاناة  لم تفكرا بالانسحاب او التراجع عن تجربة الانصار وقبلتما التحدي ، لم تستلما  او ترضخا لعنجهية  النظام الجائر ،  ، وكنا مع اصراركم  في اللحظات الحاسمة ، ربما لأننا اخذنا عهدا ً على أنفسنا ان نبقى أوفياء للحبيبات اللواتي في بغداد او البصرة او الديوانية او الناصرية ،  وربما كنا مؤمنين وعلى  قناعة بذلك الشعار العريض الذي طرحناه  والمتمثل ( بوقف الحرب .. واسقاط الدكتاتورية ) .. دون ان نضع في حساباتنا الثورية  ، ان ذلك سيكون  وبالا ً علينا وعلى تجربتنا  ..!!

ياه يا ابو يعقوب .. ياه  يا زكي.

لك الذكر الطيب يا رفيقنا زكي ، فقد طالنا الحزن  حين عرفنا ان  المنية  وافتك  في موسكو . اما الحديث عن ابى  يعقوب ، فيمكنني ان اقول عنه  :  بانه رجل خبر الدنيا  ولديه ما يكفي من التجربة ، عززها السفر الى الخارج وصقلتها سنوات كردستان ، واذكر ان اول لقاء لي معه   كان في السرية الخامسة . لا ادري ان كان يتذكر ما سأقوله  ام لا .. ولكني اتذكر ذاك جيدا وكأنه البارحة ، وقت قررت ان اهرب من الجيش والتحق برفاقي في الجبل ، حيث تطلب مني ذلك ان اقوم  برحلة سيرٍ على الأقدام  من مدينة عقرة الى العمادية  ، ساعدني فيها بعض الأدلاء من الهاربين واعضاء من الحزب الديمقراطي والتجار .. تمكنت أخيرا ً من الوصول الى المناطق المحررة   ، فرأيت ابا يعقوب مع  اعضاء آخرين وكانوا يفكرون بالقيام بعمل عسكري  داخل العمادية لمعاقبة  رجال الأمن ، بعدها بسنوات  نقل أبو يعقوب الى السرية الثالثة  ، وكان  يحكي لنا عن ملذات الحياة  والتجارب المثيرة  التي مر بها في الخارج ،   حديثه الذي لا يُمل هو ما حفزني لأقول له ممازحاً : هون علينا ، فبكلامك هذا ستفسد ما في قلوبنا من قضية وحلم ..  !!!

اآآآ ه  يا  أؤميد

  آه يا من خُنت َ الزاد والملح ، كلما اتذكرك أشعر بالألم ،  خاصة ً بعد ان عرفنا  ان العدو تمكن من ان يدسك بيننا  كي تراقب حياتنا ، وتفرق شملنا ، وتفسد حلمنا ، ولكن يبقى التساؤل الذي يحيرني الى الان  : كيف تمكنت ان تعمل معنا خمس سنوات دون ان نعلم بأمرك او نشك ولو للحظة بانك ضابط أمن مندس . فماذا كانت النتيجة  ، قبل الانسحاب إلى تركيا ، اتخذ القرار بتنفيذ حكم الاعدام  بحقك .  مع ذلك حين سمعت بالخبر انتابني حزن شفيف ، لأنك  كنت صديقي لسنوات عديدة  !!

ياه يا ايلول .. ياه يا ابو حنان

هذان الرفيقان كان لهما   حلما ً اخر ، كانا يتحدثان طيلة ليالي الشتاء عن الرسم ، اذكر يا ايلول اول لقاء بك في بغداد ، وكيف كنا  نتقاسم هموم البحث عن ما وراء الجمال ، وكذلك حلم السفر ورؤية متاحف العالم . افترقنا لسنوات ، لنلتقي من جديد وبمحض الصدفة في كردستان ، لنكون  معا ً في السرية الثالثة ، يومها كنا  نشحذ من الله المزاج الطيب  لكي لا ينطفئ الحلم فينا ، وبقينا  متكاتفين ، لتجاوز تفاصيل الواقع  المرير ، وما رافقه من تداعيات خطرة ، كان الوقت عسيرا على كلينا ،  ولكن اكثر ما كنت اخشاه عليك ، ان تنطفي جذوة الأمل في داخلك او تضمحل موهبة الرسم لديك ، خاصة بعد ركود الحركة  وتوالي الاحداث ليصبح المكان الأليف معاديا  وغير صالح للإقامة … 

إلا اننا وعلى الرغم من رهافة حسنا ، كانت ارواحنا  مستعدة لمواجهة  الصعاب  ، حتى جاء خريف 1988 لينفرط عقد الحركة الأنصارية  ، لنفترق  من جديد  ....  بعدها حدثت متغيرات دراماتيكية كثيرة  ، جعلتنا في حيرة من امرنا ، امتقع على اثرها  وجه الحياة ،  وظل وجه  شكفته خمري   في البال ، لم يتغير  !!!

الرفاق الذين في الصورة  من اليسار : ابو روزا ، ابو عوف ، ابو حنان ، ملازم رياض ، ابو سامر ، سامر ، والجالس هو : جلال