هزار الصغير / محمد علي رحيمة ابو تحرير

هزار الصغير  / محمد علي رحيمة ابو تحرير

الزمن 1984

المكان قرية "عوينة" الكبيرة في سهول اربيل الغربية. القرية الواقعة في قعر الخارطة لمنطقة شمامك. والتي تشكل سلسلة تلال "زركزراو" المحصنة بحاميات ابار النفط، الحدود الغربية والجنوبية للقرية. ومنها كنا نعبر السلسلة لننتقل الى منطقة "كندناوة" من سهول اربيل الدافئة. هناك ولد هزار الصغير" محمد اسماعيل" عام 1969 لعائلة فلاحية فقيرة فقدت معيلها ووالدها مبكرا.

في اواسط ايار ،1984كانت عوينة المتهمة منذ فجرها بالشيوعية ، وكعادتها في المساء، تعج بحركة الرجال والشباب عند مركز القرية التقليدي" المسجد"، كان " هزار" الصغير والنحيف يرمقنا بعينيين براقتيين وكانه يتفرس بنا واحدا واحد، ونحن ماضون في سلسلة احاديث مع الفلاحين عن الثورة وعن اوضاعنا. كانت تلك الحالة نسخة مكررة من تصرف هذا الصبي الهاديء في زيارتنا السابقة للقرية قبل اسبوعيين. لكن هذه المرة وعلى ما يبدو ان الصبي الوسيم قد حسم امره، حيث وجدته جالسا وسط حوض سيارتنا التي شرعت بالحركة الى خارج عوينة بعد العشاء.هنا طلبت بايقاف السيارة. طلبت من هزار الترجل والرجوع الى البيت حالا ودون نقاش، فعمره وحجمه الضعيف لم يؤهله بعد لحمل السلاح. حدث ذلك وسط جدل كبير حصل بيني وبين "صادق" آمر المفرزة، واستغراب الكثير من الانصار من موقفي. هناك من آخذني بالملامة لانه ببساطة "سيذهب مع فصائل اخرى". اراد هزار البكاء لكني اقنعته اخيرا بأن علينا اولا اخذ موافقة اهله،عندها يمكن ان يكون في صفوفنا. كنت اتلمس اصراره على حمل السلاح. " انا لست طفلا كما تدعي. استطيع حمل السلاح" ثم اردف" انا قادر على الذهاب مع الآخرين، لكني لا احبهم، انا احب الشيوعيين". وفعلا عشت لحظات صعبة انتصرت بها على رفاقي الاخرين وارجعت هزار الى قريته.

كنا مجموعة مفارز صغيرة تدور في المنطقة في ظروف صعبة تحت سياسة المتاركة مع بيشمركة"اوك" اي حالة اللاحرب واللاسلم، لذا كنا ندور بمفارز صغيرة في غاية الحذر واليقضة. لكن بعد اياما معدودة و ها هو "هزار الصغير" ينتصب امامي وهو حاملا سلاح الكلاشنكوف في واحدة من مفارزنا." هزار مع من جئت..؟. " كان جوابه "مع الرفيق .. لانك رفضت انضمامي لكم".

عانقته، وكان متفهما لموقفي وخوفي عليه فهو لم يبلغ 18عاما بعد. وسرعان ما صار صديقي. وجدت هزار كما ادعى. شاب يفيض رجولة في جسد ضعيف. والغريب انه جاهز دائما لتنفيذ المهام الجريئة وهو لم يمضي حتى شهرا واحد معنا. ثم تنقل في اكثر من مفرزة من مفارز السهول، لكنه استقر اخيرا في سرية القرة جوغ.

هزار، يدخل ويخرج من المدينة بهدوء لا ينتبه له حتى اقرب رفاقه. اكتشف رفاقه فطنته و ذكاءه حتى صار كفاءة وقدرة اضافية في المفارز.

في ربيع 1985 ، وفي جبل شيرين و وديان برازكر، اكتشفنا هزار صيادا ماهر من طراز خاص ، كان ينافس رفاقه الكبار هاوري حازم مام علي وهوار و اردلان والآخرين. بل آخذ يدرب حاجي فارس على القنص. كان السر في دقة تصويبه. لقد اشبع رفاقه بالشواء الشهي . " شكرا هزار". كان يفرح بكلمات الثناء تلك.

مرة كان من الاسماء الاولى في مفرزة تروم التجوال في مناطق الجبل. كان حزينا." ماذا هناك، لماذا انت متكدر". سألته. " رفيق انا انفذ قرار الحزب، ولكن افضل الذهاب معكم الى الده شت". واضاف "لدي افكار القيام بعمليات و..." واخذ يسرد علي الكثير من التفاصيل. كان متشوق الى مهد طفولته الذي لم يمضي على فراق الدار غير اشهر معدودة. وحتى عندما حل مع المفرزة بكامل عدته وعتاده في قريته "عوينة" استغرب ابناء قريته" من هذا الفتى؟؟، هل من المعقول محمد اسماعيل ؟" يومها كان في قمة سعادته.

هزار شعلة نشاط لا تهدىء. يقترح افكار لنشاطات انصارية، يبادر في عمل شيء ما، يسير امام المفرزة فهو دليل جيد وخبير في مناطق السهول والشوارع التي تقطعها. يتقن الاعتراض ونصب السيطرات والكمائن لاصطياد افراد الجحوش والجيش اللاشعبي. في الكثير من الفعاليات كان يبدل سلاحه برشاش اتوماتيكي وكأن الكلاشنكوف لا يشفي غليله. درب نفسه بشكل جيد جدا على قيادة السيارات، الوسيلة الاهم للمفرزة في الحركة وديمومتها في مناطق

الده شت.

كان دائم التسلل الى المدينة ليلا، مع رفيق له هو شيرزاد- بولا- او احيانا وحيدا. يذهب متنكرا في ملابس شبابية يعرف كيف يخفي سلاحه داخلها. يعود صباحا في صيد ثمين لمفرزته.

مرة ارسل في مهمة في المدينة لعقاب ثلاثة من المجرمين الذين اشبعوا الناس موت واضطهاد. ذهب واندس في تشكيلاتهم المميتة من المفارز الخاصة. حتى حانت الفرصة له انقضى على فريسته و اطاح بثلاثة من جلادي الشعب، وعاد مسرعا الى مفرزته.

اصبح ذراع ثورية تتجول وسط العدو، يجر وراءه فصيل من فتيان مغرمين بجرأته.

- - - - -

كان هذا الثوري الصغير، يرتجف من نظرات تلك الفتاة الجميلة التي تلاحقه وتتسقط اخباره. يتلعثم ويرتبك بل حتى لا يجيد الحديث مع الفتيات. ولم يتعرف على العشق بعد." ما بك يا رجل، انها تحبك، هي دائمة السؤال عنك" .كنت امزح معه." رفيق دعني من هذا، انها صديقة اختي..". " لا وقت للحب لدينا، انسى" كان هكذا يهرب من العشق في قريته. وربما كان محقا.

- - - - -

ولكن هزار الصغير كنصير تعلم اطاعة الآوامر التي تملى عليه من قائده العسكري. لم يحسب الحساب للخيانة التي اطاحة به وانهت حياته الى الابد. ارسل هزار ومعه رفيقه هيوا الى المدينة اربيل. ارسل بصحبة واحد من الخونة يدعى "محمد شيدا"، الذي خدع آمر السرية بالانضمام لهم. ذهب الخائن بدعوة استطلاع الهدف طالبا من هزار الانتظار في مكان محدد، رجع محمد شيدا مع سيارة للموت و التي فتحت شبابيكها عليهم برشقات من اسلحتها التي لم تدع مجالا للمقاومة. عندها هوا الجميلان هزار وهيوا أرضا، وسال دمهم النقي الحار على رصيف الشارع. عندها توقف الزمن ، وعندها وقفت المدينة كلها و بكائناتها اجلالا لابنائها الشهداء. لقد عرفوا الناس بالخيانة في لحظتها وتعرفوا على القاتل. متوعدين القتلة بالثأر.

هكذا سقط هزار و هيوا شهيدان لينظما لمركب شهداء الحزب و الانصار.

* الشهيد هزار الصغير. محمد اسماعيل. من قرية عوينة في سهول اربيل. التحق بفصائل الانصار ربيع 1984 . واستشهد في اواسط حزيران 1987 .

* الشهيد هيوا هو احمد محمد امين. من عائلة شيوعية عريقة من ارياف اربيل، قدمت العديد من رجالاتها شهداء للحزب في مختلف مراحل النضال. منهم اخوة الشهيد احمد، البطل والكادر الفلاحي سفر والاخ الاكبر خالد وابنه وغيرهم.

* الخائن والقاتل محمد شيدا. اوائل حزيران 1987التحق بسرية قرة جوغ وسط شكوك كبيرة به من مختلف البيشمركة والاهالي وتحذيراتهم بعدم نزاهة هذا الشخص. فقد سبق له وان طرد من أكثر من فصيل لبيشمركة الاحزاب القومية في المنطقة . قتل فيما بعد في المدينة اربيل ثأرا على يد الانصار.