مقتدى الصدر .. انا الدولة!!/ زكي رضا

مقتدى الصدر .. انا الدولة!!/ زكي رضا                                  

السياسة في بلد كالعراق اليوم لا تحتاج الى احزاب وطنية وقوى تؤمن بالديموقراطية وسيادة دولة القانون، كونها أمست ترف فكري نتيجة الفساد والقهر اللذان يأخذان مديات أوسع يوما بعد آخر ويستهلكان آخر ما تبقّى من كرامة للوطن والناس ، وكون الأحزاب الوطنية لا زالت بعيدة عن آمال وتطلّعات الجماهير المسحوقة التي باتت دون ظهير سياسي وقيادات قادرة على مواجهة قوى الفساد التي تتغوّل بشكل مستمر. علاوة على عاملين مهمّين جدا وهما غياب الوعي عند نسبة كبيرة من جماهير شعبنا، والإحتلالان اللذان يديران دفّة سفينتنا المتهاوية الامريكي بقواعده العسكرية، والإيراني الذي لا يصدّر لنا الّا الجهل والتخلف والميليشيات والمخدّرات.

السياسة في بلد كبلدنا تتمترس فيه الطوائف والقوميات حول هوياتها الضيّقة تحتاج الى عصابات تحت يافطات احزاب ومنظمات طائفية وقومية لممارستها، وهذا لا يعني مطلقا أنّ في العهود السابقة كانت السياسة على مستوى تحديات البلد ومستقبله،  لكنّ الواقع - وهذا ما اثبتته احداث بلدنا منذ الإحتلال لليوم - يؤكّد لنا أنّ تجربة السلطة اليوم هي من التجارب السيئة التي عاشها شعبنا على مرّ تاريخه المعاصر إن لم تكن الاسوأ.

لم يصرّح سياسي عراقي ممّن كانوا على رأس السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة لليوم من أنّه فوق القانون واجهزة الدولة مجتمعة،  الّا دكتاتور نرجسي ومهووس بالسلطة كصدّام حسين والذي كان فعلا فوق اجهزة الدولة والقانون،  لكنّه  لم يُعلن عن هذا الأمر من خلال الإعلام صراحة. ليس لأنه كان يهاب ذلك وهو دكتاتور دموي ولا كونه كان يخجل من أحد، بل كونه تعلّم من السلطة التي كان فيها وعلى رأسها لعقود من أنّ السياسة لا تعني حصر القوّة والنفوذ بل توزيعها على مراكز عدّة، وإن كان لذرّ الرماد في العيون. فحاكم مستبدّ كصدام حسين وإن كان يختصر العراق بنفسه، الّا أنّه ترك الأمر للإعلام و "المثقفين" لترويج سياسته هذه.

ما أن تتحرك الجماهير لتعلن رفضها لنظام المحاصصة والخراب عن طريق التظاهر والإعتصام،  حتّى تتحرك الأحزاب الشيعية وميليشياتها لتواجهها بمختلف الأساليب القذرة والوحشية. وعادة ما توكّل هذه العصابات الأمر لمقتدى الصدر. كونه الوحيد بينها الذي ينتقل من موقف الى آخر بشكل مستمر ودائم ، معتمدا على تبعية اعداد من الأمييّن وانصاف المثقفين من حملة السلاح والسكاكين والسيوف والهراوات، يحرّكهم كيفما يشاء ومتى ما يشاء!

في أربعينية الإمام الحسين هذا العام والتي صادفت الذكرى الأولى لإنتفاضة تشرين/ اكتوبر ، هتفت الجماهير الغاضبة متظاهرة عند مرقده ضد سلطة الفساد والقتل ورموزها من خلال هتافات ضد الإحتلالين الامريكي والإيراني وذيولهما. هذه الهتافات ضد الظلم والإضطهاد هي جزء من الثقافة الشيعية مثلما ترّوج المؤسسة والأحزاب والمنظمات الشيعية، كما انها كانت على مرّ التاريخ الشيعي وهو يواجه السلطات الجائرة والظالمة المختلفة وفي مختلف البلدان ذات الغالبية الشيعية السلاح الأمضى للتغيير والوصول الى نيل الحقوق عن طريق الثورة، فالحسين في الأدب الشيعي رمز للثورة وليس للذل والطاعة العمياء مثلما يريده رجال الدين والعصابات والمافيات الشيعية اليوم.

والصدر بتغريدته الاخيرة يضع شرطين بصيغة الآمر الناهي ،  اولهما ان تحمي القوات الأمنية المراقد المقدّسة وهو هنا يشيطن الجماهير ويتّهمها زورا بم

حاولة مهاجمة المراقد من جهة ، ويهين الدولة من جهة اخرى، ويطالب في الثانية حينما يقسّم المنفتضين الى صالحين وطالحين، في ان يقوم "الصالحين" بالتبرؤ من بقية المنتفضين وهذا من اجل شق صفوف المتظاهرين ويهدد في حالة عدم تنفيذ الشرطين بتدخله الشخصي والعلني لتحقيقهما!!

المرجعية والقوى الشيعية ومنهم مقتدى ترفض دخول المتظاهرين ومعهم صور شهداء الإنتفاضة الى المرقد لقدسيته بحجج مضحكة كعدم إتّباعهم لنظام الدخول وفق ترتيبات مسبقة، او عدم إنتظامهم في مواكب قدّمت مسبقا معلومات عنهم لتقمعهم القوى الأمنيّة بشدّة في منطقة بين الحرمين، ولكنها لا تنبس ببنت شفة والعصابات الشيعية وهي تحمل اعلام حزب الله وبقية العصابات تهتف في منطقة بين الحرمين نفسها (سيدي يا ابن الحسينِ، نحن ابناء الخميني، وهتفنا بالولاء،  لعلي الخامنائي)!! ولو عدنا الى إنتفاضة آذار 1991  نرى المنتفضين يعتصمون وهم مدجّجون بأسلحتهم داخل المرقد مستجرين بالحسين كرمز للثورة ضد الهجوم البعثي على المدينة والمرقد. وهنا من حقّنا والحسين رمز للثورة والعدل في الادب الشيعي، أن نسأل عن الذي يمنع المتظاهرين من فعل نفس الأمر؟  فهل الامام الحسين ثائر وطالب عدل وإصلاح يوما وغير ذلك في يوم آخر، وهل المرقد مقدّس في يوم وغير ذلك في اخر!!؟

ولهذا التهديد معنى واحد وصريح هو (انا الدولة)، انا السلطة التنفيذية التي ستقوم بمعاقبة المنتفضين والقوى الأمنية، انا السلطة التشريعية التي تسنّ القوانين والتشريعات، انا السلطة القضائية التي تحاكم وتحرق وتعدم وتسجن.  فأين الكاظمي من هذا التهديد العلني والمهين للدولة وله شخصيا ؟

عدم نجاح الكاظمي في حل أي ملف من الملفات التي تشكل صداعا مستمرا لما تسمّى بالعملية السياسية بالعراق ولجماهير شعبنا، كحصر السلاح بيد الدولة وتقديم كبار الفاسدين للمحاكمة العلنية وهما مفتاحا أية نجاحات مستقبلية،  تشير الى أنّ الكاظمي أضعف من أن يواجه أية عصابة من العصابات الإسلامية ولا حتّى رجل عشيرة قوي . وعليه فأنّ الرهان على الكاظمي في حل مشكلات البلاد، هو كالرهان على حصان أعرج في مضمار سباق الخيول.

لقد كشّرت الميليشيات من خلال تغريدة الصدر عن أنيابها وعن مواقفها تجاه إنتفاضة شعبنا ، وهو يهدّد المنتفضين وتصفية الإنتفاضة قائلا " ولعلّ (التشرينيين) لا يستطيعون التظاهر مستقبلا إذا لم يتبرأوا رسميا من تلك الجريمة الوقحة فالكل سيتبرأ منهم". وهنا تكون مهمّة  الجماهير هي التظاهر المستمر واليومي وبأعداد تتزايد بإستمرار . فإنتفاضة تشرين/ اكتوبر درس نضالي على شعبنا وقواه الحيّة ان تطوره ليصل الى ثورة تكنس الإسلام السياسي الى حيث عليه ان يكون. 

الذكر الطيب والعطر دوما للشاعر الشعبي عبود الكرخي وهو يقول:

طبيعة بيك شينة، يا ردي الهندام ..... ذاتك عقربيّة، تأذّي خاص وعام

زكي رضا

الدنمارك

9/10/2020