تلك الأيام من الرعب / فرات المحسن

تلك الأيام من الرعب / فرات المحسن

كان ذلك في شهر نوفمبر من عام 2005 وقد مضى عام على فوز الرئيس جورج بوش الابن بولاية ثانية. كانت الأوضاع السياسية والأمنية قد ساءت جدا في العراق وباتت مصدر ربكة  وعدم اطمئنان للإدارة الأمريكية .أرادت وكالة الأنباء التي اعمل فيها، الحصول على تقرير عن ما أفضى أليه الاحتلال الأمريكي للعراق بعد مضي هذا الزمن من عمر رئاسة بوش. لذا اختارتني الوكالة التي اعمل فيها وبسبب أجادتي اللغة العربية، الذهاب إلى بغداد كصحفي وإجراء مسح واستقصاء عن طبيعة ومجريات الأحداث هناك.سافرت جوا إلى دمشق، وتكفلت الوكالة بتجهيزي بالمعدات الصحفية مع سيارة وسائق كلف بنقلي من سوريا عبر الحدود إلى بغداد.

 عند المعبر الحدودي، في الجهة السورية ، واجهت بمهمتي الصحفية أول عائق مزعج ومتعب في رحلتي، فقد أوقفني الحاجز العسكري السوري لعدة ساعات، وبإهمال ظاهر ووجوه عابسة، ودون أن يخبرني أحدهم عن السبب، تركوني والسائق مركونين جانباً دون أن يوجهوا لي أي سؤال عن الغاية من سفري . بعد أن تملكني الغضب والتذمر بالكامل، وبان على جسدي الإنهاك، جلست القرفصاء جوار باب غرفة الحرس. وجاورني السائق بصمته الثقيل . شعرت بأني محتجز ليس غير.

 بعد كل تلك الساعات المتعبة البغيضة تقدم نحوي شاب برتبة نقيب بسلطة الحدود وسلـّم بصوت خافت جداً وكأنه لا يود أسماعي كلمة ترحيب. وبعجالة سألني عن طبيعة مهمتي الصحفية وإن كنت ضجراً، فضحكت ولكنه سارع وبادرني القول دون انتظار أجوبتي: لن تبقى طويلاً... مبلغ قليل للشباب وينفرج الموقف، وهناك أيضاً أصدقاء عليك أن تنقلهم معك . هذا كل ما يراد منك. وافقت بعجالة وأنا أدسّ بيده ورقة المائة دولار وأنفث دخاناً كثيفاً من سيجارتي بدا وكأنه كان حبيساً في رئتي طيلة تلك الساعات.

جلست بجانب سائق سّيارتي الصامت،  وصعد إلى المقاعد الخلفية برشاقة وخفة ظاهرتين شابان أنيقان. وصلنا نقطة التفتيش في الجانب العراقي فطلب رجال الشرطة جواز سفري وهويتي. عند مشاهدتهم للجواز والهوية وباج وكالة الأنباء المعلق فوق صدري وصدر السائق، قالوا بترحاب وبصوت واحد : كَو مستر كَو....كَو ورحمة الله وبركاته. لم يطلبوا من الباقين جوازات سفرهم أو هوياتهم ولم ينشدوا نقوداً مثلما فعل الجانب السوري. ضحكت في سري وبدأت أدخن سيجارتي بشراهة ولذة فائقتين، وأطالع أفق الصحراء الممتد أمامي والذي بدأ يبتلع في جوفه المفتوح سيارتنا المنطلقة بأقصى سرعتها. بعد ما ولجنا مسافة ليست بالقليلة داخل الأراضي العراقية سمعت رنة هاتف أحد الركاب الذين حملناهم، وراح  يهمس بهاتفه بتمتمة ولهجة غريبة لم أستطع فكّ شفرتها رغم ما بذلته من جهد. ولكن بعد مضي وقت قصير توضح لي كل شيء وعرفت مغزى تلك المهاتفة السريعة التي قام بها الراكب الجالس خلف مقعدي.

سيارتان حديثتان من نوع أوبل، إحداهما بيضاء والأخرى بلون أزرق داكن، يقف جوارهما سبعة من الملثمين اعترضوا طريق عجلتنا، وأجبرونا تحت تهديد السلاح على التوقف. رغم محاولاتي تمالك الأعصاب فإن وجه سائقي المصفرّ وجسده الذي كان يختضّ بشكل ظاهر، جعلاني أشعر بالخدر يسري في جسدي وبفقدان السيطرة على حركات عضلات وجهي وقدمي وأصابع يدي وأخذ العرق ينزّ من جسدي. هبط الراكبان من مقعد السيارة الخلفي وحشرا جسديهما بين مجموعة الملثمين وشاركا في طقوس التكبير والضحك والتهليل والقبلات المسموعة.

ـ إنهما صيد سمين ....

ـ لا.. دعهما يذهبان فقد قدما لنا اليوم خدمة جيدة.

أستلم سائقي إشارة الانطلاق، فراحت السيارة تلهب الأرض. صمتُّ تماماً دون أن أنبس بحرف واحد فقد كنت في ذروة الذهول من الصدمة، ولم أفق منها لحين اقترابنا من بوابة مدينة بغداد وبالتحديد عند نقطة سيطرة للشرطة العراقية.