سيروان باران والجمال المؤلم / حاتم جعفر

سيروان باران والجمال المؤلم /  حاتم جعفر

  عنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.

في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.

 وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.

 وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.

وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.

سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.

وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.

 انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب. 

 تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.

إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟

أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.

وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.

تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.

أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

 

السويد ـــ مالمو