لَـــوْ (2) / يحيى علوان

لَـــوْ (2) / يحيى علوان

لو قيلَ لي أمامكَ خياران .. لأخترتُ الثالث !!

عَسايَ أُرتِّبَ النسيانَ ..  وأتعلّم من دروس عَثَراتي !

أُوَضِّبَ أحلامي بصورةٍ مُغايرة ..

وأَنتقي بدايةً أخرى لولادتي ، كيفما أُشتهي أنا ..

لا بطلاً ، لا قُرباناً  ، ولا ديكاً عاطلاً  يبحثُ عن كَومَةِ  قُمامةٍ يَعتليها ..!

فقَدْ أَقوى في ليلِ البردِ على البرد ...

.......................

يَصفَعُني صوتٌ كأنه آتٍ من بئرٍ جفَّ ماؤه ،

+ هيهــــــات !! إنكَ تطلبُ المستحيل .. قد فاتَ الأوان !

* مَنْ أنتَ أيُّها الرمادي ؟ !

وماذا تُريدُ منّي ؟!

أتهزأُ مِنّي تُقلِّدُني  كالسَعدانْ .. ؟!

أرفَعُ يُمنايَ ، ترفعُ يُسراكَ ..

أجلِسُ ، تَجلسْ .. أكتبُ ، تُديرُ ظهرَكَ !

أحقّاً أنتَ أنا ؟!

متى إلتقينا ، ومتى إفترقنا ؟

هلْ وجدتَ نفسَكَ حينَ عُدتَ ناقصاً مِنّي ؟!

+.. أَمَا تَدري ؟! كلُّ شيءٍ تغيَّر ، حتى الديارُ ، لم تَعُدْ تلكَ الديارْ ..!

      لا شيءَ يحدثُ اليومَ ، لا أَحَدَ يسأل عن الغد .. !

.........................

* لمْ أَنسَ  ، يا أنتَ ،كيف نَزَلنا مع الهابطينَ من المراكب ،

مُتعبينَ من رُعافِ بحرٍ مُجَعّد السقف ،

نستنشِقُ هواءً بارداً ، غيرَ مُمَلَّحٍ قادماً كَهفِ الليلِ ..

تَمزَّقتِ اللحظةُ .. فتناثرَ جسَدُ الوقت ،

سكونٌ مُخيفٌ .. في الأُذنِ طنين ،

وقتَها كانَ الله يُعلِنُ ، عبر المذياع ، عجزَه عن وقفِ المذبحة ،

إذْ تكاثرَ القَتَلَةُ والقتلى  سواءً بسواء ..    

تَسمّرتُ .. لا أنظرُ إلى شيءٍ مُحدَّد ..

ما كنتُ أُريدُ شيئاً ، ولا أقدرُ على إدارةِ نفسي ..

لا وقتَ للوقت .. لَمْ أعرف كيف أُنظِّمُ زُحامَ الوجومِ والحيرة ..!

لَمْ أُفكِّر بتأطير اليومِ المولودِ من نَشيجٍ ، ولا حتى بحصتي منه كي أوقفه على قدمين ..

لَمْ أسمعْ في الراديو أنّي مَيّت ، مَعنى ذلكَ أَنّي حيٌّ .. فنِمتُ بعد أَنْ

زَجَرتُ قلبي حينَ حاولَ أنْ يَنُطَ من بينِ جوانحي ..

من دون إفاضة في التأويل  والمجاز ، لا شيءَ سوى سماء صامتة !       

لا أَحَدْ .....

لا أَحَدَ يحمل الوردَ في إنتظارنا ،

لا أحدَ يسألُ عن أخبارنا ..كأنَّ ذاكرتَهم قد تَكسَّرَتْ ..

عُدنا مُهشَّمينَ ، حُبالى بـ"تجارِب ورؤىً" ... !

لَمْ نَفقَه كيفَ يولَدُ الغُفَاةُ من خَرابٍ .. وكيفَ إلى خَرابٍ يعودون ؟!

.........................

مَنسيونَ ، منسيونَ ..

لم يتعرّفْ علينا أحدٌ  ..  

نُسامحهم  ونجترُّ أناشيدَ طفولتنا ،

إذْ لَمْ  يبقَ من اللغةِ غيرَ دمعةٍ ساخنة على جُرحٍ في الهويَّةِ ،

من كمائن ماضٍ عتيقٍ صَيَّروه " جديداً "!

..........................

 أنا العائدُ ، فمنْ تكون أنتَ ؟!

أنا العائدُ .. أمشي كأني غيري ..

خَرَجتُ من " أنايَ " إلى سوايَ ، ومن رؤايَ إلى خُطايَ ..

حينَ نقَّرَ الطيرُ الحاءَ من  اسمي ..

غَدَوتُ غيري .. مثل آلهةٍ ثَكلى ، فُجِعَتْ بعِبادِها !

........................

تأخّرَ قطارُ الأحلام ، لم أعدْ أملكُ غيرَ بَحّة الذكرى ،

 ثروةٌ من الخسارات وآمالٍ سَئمَتْ إنتظارَ  تَشَيّؤهِا ،

رُحتُ أنامُ مثلَ ذئبٍ .. عينٌ مُغمضةٌ تَحرُسُ أحلامي ،

وأُخرى شاخصةٌ تُجابِه مِخرَزَ الراهن !

صِرتُ مُكتظّاً بي ...

 أسفَحُ أوهاماً تدفاُتُ  بها في خُطايَ ، أوصلتني إلى ما كنتُ أتحاشاه !

 تناسَلتْ أسئلتي ،

رُحتُ أَتأَبطُها وأُهاجر ..

.. من أقصاه إلى أقصاه ، عَبَرتُ خرائطَ الكابوسِ دونَ بوصَلَة أو عُدَّةٍ .. إلاّ الحنين ،

أصرخُ : مَنْ يُطفىءُ ناراً  في آخر المسافة تَشرئبُّ للوقيعةِ بالجميع ؟!!

ما  رَدَّ  أَحدٌ  غير جَلجَلَةِ  الصدى ...

مُتعدِّدٌ في أَنايَ ، أَتوَحَّدُ في الليل ،

أمشي مُحتَرزًا ..

أنا ذاكرةُ الدروبِ ، تَطرُقُ بابَ المستحيلْ !

 

 

+   لا بأس عليك ! مَنْ يستولدُ أسئلةً جادّةً سيحيا ، ويتحرّرُ من عبادةِ الأمس !

      فإنْ أردتَ الوصولَ إلى نَفْسِكَ الجموحَ ، لا تسلُك الطُرُقَ الواضحةَ والمعبَّدَة !

* كلا .. ! كلا .. ! لمْ تكن تلك غايتي ..                                                                                      

ما إنفكّتْ أسئلتي الأولى تَتَذكّرني :

مَنْ خَلَقَ الله ؟! مَنْ شَقَّ القَمَرَ فوقَ بلادي الشقيّة ؟!

+   لماذا كَبرتَ ، يا أنتَ ، بسرعة ؟!

      كنتَ ستَحيا  أطولَ لو شَبِعتَ طفولةً ..

      عُمرُكَ أحلامٌ لم تَتَفَتَّحْ ، مثل عاشقةٍ تنتظرُ اللاشيء ،

      غدٌ لا يكِفُّ عن الإعتذار : " نسيتُكَ ، فلا تنتظرني " ،

      وأمسٌ يقولُ : " إنتظرتكَ ، لكنكَ تأخّرتَ ، فمعذرةً " !! 

* إستعجلتُ كي أبلُغَ الحكمةَ وأهتدي إلى سرِّ الكون ..

لكن ما نَفعُ الحكمةِ من دونِ فتُوَّة ؟؟

كَبرنا ، يا هذا .. وكذا السورُ المُدافع عن خسارتنا ..

رائحةُ البخور ،

القرفة ،

الحرمَلْ ..

كلُّها تقولُ أَنّا ما زِلنا هناكَ / هنا مهما إنفَصَلَ الزمانُ عن المكان !

وأنا طريدٌ مرتين !!

لديَّ كفاية من الماضي ، وينقُصُني غدٌ ..

+  غَدٌ .. ؟! سيصبحُ ماضياً ..!!

          يُقهقهُ فيه الفَرَجُ داعراً  على أدراج " القَدَرْ "..                                                                                       

      مثل سحابٍ عاقِرٍ .. إنقَطعَ نَسْلُه ، فضَيَّعَ " خَراجَه "!  

* لمْ يبقَ لي ما يكفي لإنتظاره .. عَلَّه يَملُّ من لعبته الدميمة معنا ..

فيتصالحُ ، في الأقلِّ ، مع مَنْ يأتي بعدَنا .. !!

........................

حينَ أسترجِعُ أنفاسَ ذاكرتي أجدني  إبنُ أُمي وأبي .. لكنني كذلك إبنُ نفسي ..

إبن خياراتي  مُذ حمَلتُ صليبي وشَجَجْتُ وجه البهجَةِ المُزيَّفةِ  !  

لمْ أكنْ ولداً سعيداً كي أقولَ : الأمسُ أَحلى !

لَبِستُ " طاقيَّةَ " العيشِ دون إرادةٍ منّي !

وما زلتُ أحيا ، ليس بسببٍ منْ حذاقتي أو فِطنَتي ! بل لأنَّ الموتَ أخطأني غير مرة ..

فغدوتُ قادراً على التذكُّر والتحرُّر ..

مُكتظّاً بي ، أَخُطُّ وصيَّتي تَقَطَّرُ مداداً قبل طلوعِ الفجر .. 

أُرخي رأسي بحُضنِ مُغنية ، تهمسُ في العراء :

[ عينو مَلاني نومْ ، عينو ..

 ياريت الصُبِحْ لا شَقْشَقْ ولا بانْ ..

يا خيط الصبح ، يا مفَرِّق الخِــــــــــــــــــــــلاّن ...]

+  قلبُكَ يؤلمني ،  إرحمني .. أَرِحْني من خَفقانك !

      أكتُبْ ..! فلا شيءَ يدلُّ عليكَ غير حروفك !

      إبحثْ عن حاضركَ في غناءِ عندليب ، في سمفونية بتهوفن العاشرة الناقصة !!

* ليسَ للكلماتِ من منفى ! صرتُ أفيضُ عن حاجةِ المفردة ،

فأنا لستُ منّي إنْ أتيتُ ولم أصلْ ..

إنْ نَطَقتُ ولمْ أَقُلْ !

لمْ أُولَد لأعرفَ أنني سأموت ..

أنا مَنْ يُحدِّثُ نفسه ويوقظُ الذكرى ..

أَأنتَ أنا ؟! أو ثالثٌ ينُطُّ بينَنا : " لا تَنسيَاني ".. !

.........................

مَنْ أَنا يا أَنتَ ؟ جسَدي ورائي أمْ أَمامك ؟!

 تسرَّبَ النَثيثُ  إلى جفافِ الروحِ ، فَتفَتّحَ الخيالُ على طفولته،

" كأنَّ الأرضَ ما زالت تُرتِّبُ نفسَها للقاءِ آدمَ نازلاً للطابقِ الأرضيِّ من فردوسه "!

أَتُرانا سنكرِّرُ خطيئته من جديد ؟!

قُلتُ : إتكأتُ .. قاطَعَني :  

+  أنا كنتُ معكَ أيضاً ، لماذا تتجاهلني ؟!

* حسناً قُلتُ !  

: إتكأتُ ، وإياكَ ، على سرابِ الغياب ،

وعُدنا نَسيرُ بين باعةِ الذكرى ، كأننا قطعاً أَثريّة ،      

أقولُ لنفسي لولا السراب لَمَا عُدتُ ..

لا أنظرُ للظلِّ ، كي لا أرى أحداً يحمل إسمي ويتبَعني !

فالجيادُ العائدةُ من الحرب تَجنحُ نحو أقرب حانة كي تُضَمِّدَ صهيلَها !!

نُطفأُ القنديلَ مثل عاشقةٍ مطمئنة .. ونغوصُ في سُرَّةِ الليلِ ، فوقَ وساداتٍ محشُوةً بالجمر ..

لأنّ الكوابيسَ ذئابٌ  بعواءٍ مُتقَطِّعٍ ، مثل ظلالٍ تائهةٍ تبحثُ عن أجسادِها ..

أَبتَهِلُ لليلٍ شَعشَعَتْ فيه النجومُ ، كي يمنحني شجاعةَ الخوِضِ في بحورِ المُستَتِر !

.......................

إذا كانَ الصبحُ للفطورِ والقراءة ،

والعصرُ للبريدِ والقهوة ،

والمساءُ للأوجاع ،

وللتعبِ اليومي كلّ الوقت ..

متى يبدأُ نهاري إذاً ؟!

ومتى تأتي المُفردات كالصبايا ، مُحمّلاتٍ بأقحوان المعاني وإلتباسِ الكلام ..؟

مريبةٌ هي إحتمالاتُ الوضوحِ ..!    

أَتُراني وصِيّ الليل ؟!

+ أُوه ! أنتَ تَتَطلَّبُ من الليلِ كثيراً .. أتُريده سكرتيراً لهواجِسِكَ ، يوضِّبُ أَفكارَك ؟!

    هَجَعَ الكونُ والمنزلُ من حولكَ ..

    إنتهزْ الوقتَ ، إصنعْ ليلكَ أنت ..

    لا طقطقةَ صحونٍ وأكوابٍ في المطبخ ،

    الحنفيَّةُ والمواسيرُ إمتثلَتْ للصمت ..

   صُغْ ليلكَ بنفسِك !

   كأسٌ و " باخ " يسيلُ شَجَناً .. إنصبْ فِخاخَكَ ،

    فقد تخطف شُهُبُ الكلمات حُبلى بنشيدِ السراب ..!

* صحيحٌ ! أَجمَلُ ما في الليلِ  هدوءٌ ، أنيسةٌ لا تُثرثِرُ ،

كأسٌ وموسيقى خافتة تَتَلصّصُ السَمعَ ..

فتروحُ تَلتقِطُ فيروزَ المعاني وجَرَسَ المفرداتِ ، من الجمرِ ، كحبّات البلّوط ..

+ هلْ يُصلِحُ النَثرُ والشِعرُ ما أَفسَدَه الدهرُ والأَغرابُ فينا ؟؟!!

* .........................

أَعرِفُ أَنّنا محاصرونَ ..

لمْ نستطعْ فَكَّ الحصار ، لكننا لمْ نُسَلِّمَ مفتاحَ البستانَ لنَنَجو !!

فلا نَزالُ نُدافِعُ عن المِلحِ في خُبزِنا ، ونغسِلُ الضَوءَ من غُبارِ  " الشَطَطِ !"

ما زِلنا نُحِبُّ الأرضَ ، حيثُ " أَنانا " وُلِدتْ لـتَحمينا من رياحِ الفَلاةِ وخيلِ الغُزاة ..

تَحرُسُ رَجعَ الصدى .. وتُداوي الهواءَ المريضَ ..

............................

تِلكَ هي المرآةُ ! إِدخُلْها يا أنتَ ، لأخرُجَ منها ..

فأنا أَنا ، وهلْ أَنتَ أنتْ ؟

 .. أنا من بلادٍ أنجَبَتْني لتصرعني ، فمِنْ أينَ أَنتَ ؟!

.............................

+   إنْ قُلتَ أَنَّكَ أَخطأتَ أو لمْ تَقُلْ ...

      لنْ يسمع الموتى إعتذارَكَ .. لن يَقرأوا  رسائلكَ  أو  نصوصَك ..

      لنْ يرجِعوا ليتعرَّفوا على ما صنعتَ ، وما لمْ ...

* أيُّها الرماديُّ العنيدُ ،أنظرْ إلى نَفسِكَ في المرآةِ ؟

ماذا تَرى فيها ؟   

+ أرى أنّنَا كُنّا مَعاً ، وعلى حِدَةٍ ، نَستَحِثُّ غداً غامضاً ..

نَستَحلِبُ الضَباب ..

نُرَتِّقُ الحاضِرَ بمجازٍ ، خارِجَ الجَمعِ "المُرَوَّضِ" !

حاضِرٌ ، سيمضي زمنٌ ليغدو ماضياً مثلنا ..

.......................

كالحديدِ  قدْ يصدأُ  القلبُ  .. فلا يَئِنُّ  ولا يَحِنُّ ..                                                                      

ولا يُجَنُّ كالأرضِ بمطرِ الربيع ..   

لكن ، قُلْ لي صِدقاً ، هلْ تَنْدَمُ الشمسُ على ما أَيبَسَتْه .. ؟!

حذاءٌ يبحثُ عن قَدَمٍ ..

أقدامٌ تبحثُ عن طريقْ ..

..كلُّ الطُرُقاتِ نحو  شَفيرْ ،

تُلَملِمُ  الخُطى  نحو هاويةٍ  أُخرى ،

على حافّةِ  سريرْ ...!!

.........................

 

* عاليةٌ .. عاليةٌ  شمسُنا ،

ونخيلُنا يُمشِّطُ جدائل الريح ،

بحقِّ الشيطان ، قُلْ لي مَنْ أنتَ أيُّها الرمادي ؟!    

لماذا تشيحُ  بوجهكَ عنّي ؟!

.........................

.........................

+    أَنا آخَرُكَ ، لا غير ... !!